تظاهرات العراق الشيعة ضد حُكم الشيعة

مشهد جديد يرسمه شباب ثائرون ضد المنظومة السياسة والطائفية، وقوى الحكم تدفع لإقناع شباب شيعي ثائر غير مبال لا بالطائفية ولا بنظرية المؤامرة.
الخميس 2019/10/10
الشارع العراقي يخرج عن صمته (غراف العرب)

دفعت أحزاب الحكم الشيعية بشكل معلن مؤخرا بورقة الطائفية لدغدغة مشاعر المحتجين وذلك في محاولة منها إخماد صوت من يتظاهرون ضد سياساتها والذين هم من الشباب الشيعي. ويأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد الحديث عن أن هذه التظاهرات التي تقودها غالبية من الشيعة تريد الإطاحة بحكم الشيعة المتعاظم في العراق منذ عام 2003. ورغم تقديم الحكومة التي يقودها عادل عبدالمهدي حزمة من الإجراءات والوعود فإن الأحزاب الشيعية باتت تساورها أيضا تلك الجملة الشهيرة لرئيس الحكومة السابق نوري المالكي “ما ننطيها” أي بمعنى”إننا لن نعطي الحكم بعد الآن”، بهدف تجاوز عقبة شباب لا يكترث بالوازع الطائفي أو بما ترفعه الأحزاب الدينية من شعارات حكمت العراق قرابة 16 عاما.

بغداد – يتحدث البعض عن حُكم الشيعة في العراق، وبأنهم لا يمتلكون تجربة في الحُكم، وذلك بسبب طول المعارضة، خلال الدولتين الأموية والعباسية، وأن خضوعهم للشعور بالمظلومية التاريخي، جعلهم بعيدين عن فن الحُكم، وهذه هي أزمة السلطة في العراق بعد عام 2003.

وكثر الحديث أيضا على أن هناك رجال دين، مِن خطباء وأئمة جمع، مِن الشّيعة، برزوا يحرضون من على منابرهم على ضرورة الحفاظ على سلطة الطائفة، المحرمة منذ قرون من الزمن، وبعضهم يتوسع في الزمن ليصله إلى أربعة عشر قرناً.

يعتمد ما تقدم مِن آراء على أن الحُكم العراقي كان سُنياً، لكن هل يُقرر رئيس سُني أن الحكم يكون حُكم الطائفية، وهل استطاعت الأنظمة العراقية، التي وصفت بالسُّنية تدبير السياسة بشكل لا يؤدي إلى الأزمات البليغة التي هيأت للحكم الحالي الديني؟ وهل كانت تلك الأنظمة خالية من مشاركة الشيعة على أعلى المستويات؟ هذا ما ينفيه الواقع، فالشيعة كانوا وزراء ورؤساء وقادة جيش وأمن ومخابرات وقيادات حزبية عُليا، في العهد البعثي.

القوى الشيعية تسعى للتقرب من أبناء طائفتها، لأنهم الرافعة الانتخابية التي ترفعها إلى البرلمان، فأطلقت إشاعات المؤامرات ضد حكم الشيعة

لكن هؤلاء الشيعة لم يكونوا يمثلون الطائفة الشيعية، مثلما لا يمثل رئيس الجمهورية الطائفة السنية، بل الكل يمثل حزبه، فكيف أصبح ذلك النظام سُنيا؟ ينطبق هذا على النّظام الحالي، فالسلطة أصبحت بيد الأحزاب الدينية الشيعية، مع مشاركة القوى السنية، والتي هي حزبية أيضاً، كالحزب الإسلامي، الذي يُمثل الإخوان المسلمين بالعراق، فيصعب دمج هذا الحكم بالشيعة، فلو كان كذلك ما ثار الشيعة أنفسهم عليه، في التظاهرات الأخيرة، وما قامت السلطة أو من ينوب عنها بإطلاق النَّار على المتظاهرين مِن أبناء الشيعة؟

إن حكاية أن يكون الحكم للطائفة بالمطلق هذا رأي غريب، فمَن يحكم هم أفرادا من تلك الطائفة التي لا تسمح بمنافسة سوى من الطائفة نفسها. بل إن الطائفة في الكثير من الأحيان تصبح هدماً للحاكمين منها، وهذا ما يُعبر عنه واقع الحال. أما القول إن الشيعة لا يصلحون للحكم أو السنة أهل حُكم، فهذا الرأي هو الآخر لا يمت للواقع بصلة، ففن السياسة الذي تجلى في الكثير منه رئيس الوزراء نوري سعيد، الذي قُتل في يوم 14 يوليو 1958، لم يأتيه من الطائفة السُّنية إنما من اعتبار شخصي وسياسي، كذلك خيبة إبراهيم الجعفري ونوري المالكي وحالياً عادل عبدالمهدي لا تتصل بخيبة شيعية، وإنما بخيبة حزبية وشخصية.

كانت الدولة العثمانية سُنية، وتدرب السنة على الحُكم من خلالها، لكن قرينتها هي الدولة الصفوية الشيعية، فلماذا لم يتدرب الشيعة على السلطة من خلالها؟ لكن علينا أن نفرز شيئا مهما في الموضوع، وهو الاختلاف بين المتديّن الشيعي وغير المتدين، فالأول، في الكثير مِن الأحيان، يكون مقلداً للمرجع الشيعي، أي رجل الدين المجتهد، ويأخذ بمشورته ونصيحته، وهذا ليس له غير مصلحة مرجعيته وطائفته، فلا يعنيه الوطن والمواطن، إنما الوطن عنده على مدى أتباع المذهب داخل البلاد وخارجها، فتقيد ذلك السياسي، الذي يحاول أن يأخذ شعبيته وشرعيته من المجتهد، لا يسفر عن سياسة صائبة، والحال ممكن أن يكون أيضاً في السياسي السّني المتدين، أو المنضم إلى حزب ديني، مثلما حدث بمصر، فلم يكن محمد مرسي هو الحاكم الفعلي، إنما كان المرشد ومكتب الإرشاد للإخوان المسلمين هما اللذان يسيران سياسة البلاد.

العراق

كان خروج الشباب الشيعة ضد حكم الأحزاب الدينية الشيعية مؤخرا، وضد فساد رجال الدين، أمرا لافتاً للنظر، وعلى مَن اعتقد بُحكم الطائفة أن يدرس هذه التجربة، فستظهر له أن الناس أمام مصالحهم لا يفكرون بكهرباء شيعية وأخرى سنية، أو خدمات سنية وأخرى شيعية، كذلك لا يسكت المسلمون أو المسيحيون على الحاكم المسلم أو المسيحي الظالم، لأن الدين والمذهب لا يستران عورة السلطة، ولا يبدو الدين والمذهب حاجزاً أمام مطالب الناس بتلبية حاجاتهم.

تحاول القوى الشيعية السياسية التحبب والتقرب لأبناء طائفتها، لأنهم الرافعة الانتخابية التي ترفعها إلى البرلمان، فأطلقت هذه القوى الإشاعات المؤامرات ضد حكم الشيعة، على الرغم أن الثائرين عليها هم من الشيعة، لذلك أتت بشائعة محاولات إرجاع الحكم السني، وان سقوط هذا النظام سيكون كارثة على الشيعة في حرمانهم من حقوقهم، ومن ممارسة طقوسهم الحُسينية. وهذا الافتراء ظهر في الدستور الدائم (2005)، عندما أصروا على وضع الشعائر الحسينية مكفولة بالدستور، بينما ليس من خطر عليها ولا أحد يفكر بمنعها، وكانت تمارس في العهود السابقة، وأن اليوم العاشر من محرم عطلة رسمية منذ أول قيام الدولة العراقية الحديثة، لكن هناك فترات تمنع تلك المواكب بسبب الظرف السياسي، والخطأ يأتي هنا مشتركا من الذي يمنعها ومن الذي يريد استغلالها سياسياً.

ما يستخلص من كل هذا أن الشباب الشيعة الذين تعرضوا لرصاص القوى السياسية الشيعية نفسها، لم يفكروا بإسقاط حكم الشيعة، لأنهم يدركون أنهم شيعة والحكم يلزمهم في معاشهم وحياتهم بشكل عام. كذلك هناك المئات من التكنوقراط الشيعة، ولكن ليس لهم انتماء في الأحزاب الدينية الشيعية، وأفضل دليل على ذلك عزل محافظ البنك المركزي سنان الشبيبي وكان معروفاً باختصاصه، وكذلك نموذج عزل الفريق عبدالوهاب الساعدي، وهو ضابط قدير، وأثبت نجاحاً في ساحات القتال، النجاحات التي كانت تُنسب لميليشيات الحشد الشَّعبي، والشبيبي والساعدي شيعيان ولكنهما لا ينتميان لحوزة الدعوة أو بدر.

7