تعويذة الأرض الطيبة بريشة يمنية مبدعة

فنانون تشكيليون نشروا أعمالا فنية تجمع ما بين الرمزية والتعبيرية أبدعوها قبل انتشار الوباء، وقد تحوّلت أمام أبصارنا أعمالا رائية استشرفت انتشار الوباء.
الثلاثاء 2020/03/31
عمل رائي يُشكل الوباء في صورة كوكب (لوحة للفنان اليمني حكيم العاقل)

بعد انتقال العالم من حالة الاستخفاف فالصمت، وصولا إلى الرعب من غزو فايروس كوفيد – 19 كافة البلدان، الواحد تلو الآخر كقائد لجيوش فتاكة قادمة من الفضاء الخارجي حاصدا بطريقه البشر بالآلاف، يقف الإنسان أمام بداية جديدة أكثر أو أقل مأساوية ممّا سبق رهنا بعمق إنصاته لما قرأه عليه فايروس كورونا من وصايا وبوح بأسرار خلال شهرين تبدّل فيهما شكل الحياة على الأرض.

لُجم “تطوّر” الإنسان بكل ما تعني هذه الكلمة من سلبية مُهلكة تعدى فيها الإنسان الخطوط الحمراء التي فرضتها، حتما، عضوية وهشاشة وجوده على هذه الأرض.

اليوم، كائن مجهري تمكّن من أن يثير الرعب في نفوس أقوى الدول. دول صنّفته عدوا غامضا لـ”إنسانيتها”. ولكن ما هي إلاّ أسابيع قليلة حتى اكتشفت أقوى الدول وأكثرها ديناميكية وسلطة أن هذا الفايروس القاتل، هو كائن راديكالي غامض الملامح “جاء” متحالفا مع كوكب الأرض الذي تنفّس الصعداء، بعد أن عمد إلى شلّ الأنشطة الاقتصادية وحجر البشر في بيوتهم رغما عن إرادتهم، ولجم إيقاع نمط عيشهم المبني على الاستهلاكية والجشع واللامبالاة بمعاناة الآخر الأكثر ضعفا أو الأقل قدرة على الغطرسة.

كونه فايروسا طبيعيا أو مُصنعا، لن يشكل فرقا بالنسبة إلى البشر. فإن كان طبيعيا، فهو نابع حتما من أسلوب حياتهم كما أفادتنا الأوبئة التي طالت البشرية، على الأقل منذ منتصف القرن السابع عشر، وإن كان مصنّعا، فهو قد خرج أو سيخرج بالضرورة عن إرادة المختبر الذي ولد فيه، ليكتب نصه الخاص ويمعن في تبديل العالم نحو هلاكه أو خلاصه؛ خلاصه من منطق أهله على الأخص.

انخفض التلوّث في العالم حتى الآن إلى 49 في المئة، وتجلّى ذلك بعودة البجع والدلافين إلى قنوات مدينة فينيسيا الإيطالية، وباستراحة الغزلان على جوانب الأوتوسترادات الخالية من السيارات في مدن أميركية، وبترقرق مياه البحار التي انخفضت فيها درجة التلوّث وبنقاء الهواء الذي أصبح محمّلا بنسب عالية من الأوكسجين، وبتبرعم أزهار انتشرت في المدن العالمية كمعجزات صغيرة تخطّ تصاريح جلائها عن سحق مُزمن تعرّضت له.

وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور فنية وشرائط مصوّرة لأزهار ولغابات ولمروج، لم تعد حتى بالنسبة إلى ناشريها، مشاهد “لطيفة” نراها وننساها. ولكن بيانات فلسفية/ وجودية تدين الإنسان وتجبره على إعادة التفكير في أولوياته. كما نشر فنانون تشكيليون أعمالا فنية تجمع ما بين الرمزية والتعبيرية أبدعوها قبل انتشار الوباء، وقد تحوّلت أمام أبصارنا أعمالا رائية استشرفت انتشار الوباء. وتحديدا نذكر الفنان اليمني حكيم العاقل الزاخرة روحه بأكثر الألوان كثافة وأكثرها حنقا ومحبة للوجود على حدّ السواء.

في أكثر من خمس لوحات نصَب الفنان ومنذ سنة 2017 المرأة بشكل عام والمرأة اليمنية بشكل خاص، التي تشرّبت بشرتها زركشات الحنّاء حتى تماثلت معها. نصبها تعويذة الأرض (وهو العنوان الذي أطلقه على هذه اللوحات)، تُزوّد من كوكب الأرض مُحوّلة هيئة الفايروسات المجهرية الواضحة في لوحاته الرائية إلى زهور ربيعية تغلي وتفور وتتكوّر وتتلاحم، لتشكّل وباء في صورة كوكب.

ولكن محصن بأزهاره التي لا تموت مهما أمعن البشر في تكريس “وبائية” شكل عيشهم الذي يطيح بمعنى وحلاوة الحياة. ألوان الفنان القاتمة والنارية تحدثنا اليوم عمّا آلت إليه أمورنا. ألوان وتخاريم تحشد لفكرة الجحيم على أنه آتون تطهيري ستخرج منه الحياة ناجية من قاتليها.

بدأ الفنان اليمني مسيرته الفنية منذ أكثر من ثلاثين سنة، التحق عام 1976 بالدراسة لدى الفنان هاشم علي، ومن ثم حصل على ماجستير الفنون تخصّص جداريات في واحدة من أهم الأكاديميات الفنية في العالم بدرجة امتياز. كما تلقّى عددا من الدورات في مجالات الغرافيك والنحت على الحجر.

ارتقى اليمني حكيم العاقل بفنه إلى مستوى العالمية. تأثر بفنون الغرب. ولكن جاءت أعماله محملة بمشرقية لا لبس فيها تفوح منها عطور عميقة ومتداخلة تأبى أن تخفت شدّتها مع مرور الوقت.

وتميّزت ألوانه في الأغلبية الساحقة من أعماله “بنكهة” بصرية/ حسية تحيل الناظر إلى ألوان النباتات الطبية والبذور الحادة والحارة الطعم. ربما لأجل ذلك طغت على أجواء معظم لوحاته هذه النفحة التطهيرية/ الخلاصية التي لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بالطهرانية الجليدية الساحقة لنبض الحياة، تلك المهدّدة اليوم بالاندثار إن لم يحصد فايروس كوفيد – 19 أسوأ ما آلت إليه إنسانيتنا.

16