تلتقطني الصورة

صرنا نلتقط الصور بالآلاف ليس لسهولة التقاطها، بل في محاولة لالتقاط هروب الزمن كمعنى عام، فوحدها الصورة تستوقف اللحظات الهاربة بسرعة مهولة.
الجمعة 2019/03/15
تلك الصور هي دلائل دامغة على حضورنا

مررت بالقرب من سيارة شبه متوقفة وفيها صبية وراء المقود، رأيتها تلتقط هاتفها لتأخذ صورة لها، من ناحية لم تكن تتحضر للذهاب إلى سهرة وهي بكامل أناقتها ومكياجها، ومن ناحية أخرى لم تجتهد في صناعة تعبير إغرائي، كما احترفت صنعه العديد من النساء، من قبيل تجميع الشفتين على بعضهما البعض أو رسم ابتسامة بلهاء تريد أن تكون مثيرة.

ما ظهر أمامي كان العكس تماما، لذا أبطأت من سيري كي أرى كيف ستنتهي عملية التقاط الصورة التي لا بد أن تكون جاهزة لوضعها على أحد مواقع التواصل الاجتماعي.

مواقع تعج بالصور الشخصية إلى حد التخمة والتي يكاد الشح في نشرها يكون دليلا بالنسبة للآخرين على موقف ضد الذات، وكأن “الذات” لا تكون إلاّ حيث صورتها.

كل ما ذكرته آنفا لا ينطبق على ما رأيت، وضعت الفتاة الهاتف إلى جانبها وأعادت يديها على مقود السيارة لتسير بها إلى حيث أرادت الذهاب.

أكملت طريقي وأنا أستعيد ما رأيت، الفتاة كانت شاحبة دون أن تظهر عليها أي علامة حزن أو تعب، كانت الصورة صورة عادية جدا ولم تسارع إلى نشرها كما يحدث غالبا مع من يلتقطون صورا لهم.

وصلت إلى استنتاج مفاجئ قلب نظرتي إلى الهوس بـ”السيلفي” الذي أسهبت المقالات في دراسته وربطه بتحولات المجتمع المعاصر رأسا على عقب.

معظم الدراسات التي اطلعت عليها ترد الهوس بالسيلفي إلى نقطتين، النقطة الأولى هي الرغبة بالظهور والشهرة ولفت النظر والتشبّه بالنجوم في مجتمع يركز على المظاهر أكثر من أي شيء آخر، أما النقطة الثانية فتنطلق من الرغبة في تثبيت فكرة حضور الذات وتمكين الثقة بالنفس، لاسيما حينما يكون صاحب الصورة يعاني من ضعف في الثقة بالنفس.

أكاد أجزم بأن كلا الحالتين لا تنطبقان على فتاة الصورة أو على الفتاة التي “التقطتها” الصورة، أما القول بأن الفتاة في صورتها تحاول أن تسبر أغوار نفسها كما في الآلاف من الصور الفوتوغرافية الفنية واللوحات الذاتية التي أنتجها فنانون تشكيليون من أمثال الفنان فينسنت فان غوخ وفرانسيس بايكون، فهو قول هزيل.

يبدو أن هذه الصورة المأخوذة أو التي تم أخذها أضافت إلى أسباب التقاط السيلفي سببا آخر يتعلق أيضا بالتحولات الطارئة على مجتمعاتنا المعاصرة، فعندما كنا في الماضي غير البعيد نلتقط صورا بمعظمها عائلية أو مع الأصحاب في مناسبات مهمة كحفل زواج أو مناسبة عيد ميلاد، كنا نفعل ذلك لنضعها في ألبوم صور نتصفحه من وقت إلى آخر، وخاصة عندما نفقد كائنا عزيزا أو نمر على متن موجة حنين جارفة.

وإن كانت تلك المناسبات/ المحطات في حياتنا، لا تُنسى مع أو من دون صورة، فاللحظات التي تهتك منا يوميا بهروبها هي لقمة سائغة للنسيان، ونسعى ربما لاشعوريا إلى القبض عليها في موقف وجودي عنوانه “أنا هنا”.. أنا الآن قبل أن أصير في خطف البصر ماضيا تراكمت عليه الآلاف من  اللحظات المشحونة بالتفاهة لتخنقه فيخنقنا بفنائه الطازج أبدا.

صرنا نلتقط الصور بالآلاف ليس لسهولة التقاطها، بل في محاولة لالتقاط هروب الزمن كمعنى عام، فوحدها الصورة تستوقف اللحظات الهاربة بسرعة مهولة، وحدها تؤمّن لنا الإحساس بأننا مالكين لنبض الوقت في هذا الجرف الهائل الذي لازلنا لا نفقه منه شيئا.

لا يهم إن كنا سنحتفظ بالصور المأخوذة دون هدف أو دافع واضح، ولا يهم إن كنا سنعود إليها ولا يهم أيضا إن كنا سنشاركها مع آخرين، المهم هو أن نقبض قدر المستطاع على عدد أكبر من لحظات هي كل ما كانت عادية كلما كان ذلك أفضل، تلك الصور هي دلائل دامغة على حضورنا إلى درجة أننا أوكلنا إليها مهمة أن تستوقفنا هي، تستوقفنا لكي تبقينا أحياء.

17