تمام الأكحل الفنانة التي ترسم لتعود إلى فلسطين

الأكحل تعد أول فلسطينية تعلمت الرسم أكاديميا، واختارت أن يكون الرسم وسيلتها في التنقيب بحثا عن العناصر التي تبرز من خلالها الشخصية الفلسطينية.
الأحد 2021/06/06
الأكحل رسمت الجميلات في الأوقات العصيبة

“رسم بهوية فلسطينية مباشرة” ذلك ما كان مطلوبا في مرحلة، كان الشعور بالاقتلاع فيها مخيفا بل وسابقا على أي شعور. كانت صورة الفلسطيني في كل أحواله وتجلياته جزءا مهما من الهوية التي شعر الفلسطينيون أن العالم يسعى إلى محوها كما حدث مع شعوب أخرى تعرضت لما تعرضوا له.

من هنا تأتي الأهمية الاستثنائية لفن الثنائي إسماعيل شموط وتمام الأكحل. كانا رائدين لا على مستوى تاريخي. كان هناك رسامات ورسامون قبلهما. بل على مستوى المساهمة في الحفاظ على الهوية الوطنية والقومية الفلسطينية وتطويرها في سياق معاصر.

لقد ظهرا فنيا بعد ما سمي بـ”النكبة” عام 1948 وهي النقطة التي بدأ منها التنفيذ الفعلي لخطة إلغاء فلسطين من الخارطة ومحاولة تذويب الفرد الفلسطيني في مجتمعات عربية كانت هي الأخرى تعاني من آثار هزيمتها.

المرأة في ظهورها الرمزي

كتاب تروي فيه الأكحل تفاصيل سيرتها منذ الطفولة وكل ما تتذكره عن يافا

ما الذي يفعله الفنان في لحظة الفجيعة تلك؟ ذلك السؤال هو ما واجهته تمام الأكحل لتنشئ من خلاله عالمها الفني الذي لم يكن مختبريا بقدر ما كان على درجة عالية من الارتباط بشخصيتها، كونها جزءا من الطليعة التي يصعب عليها تمثيل دور الشاهد في مأساة الحضور الفلسطيني المهدد بالغياب.

أول امرأة فلسطينية تعلمت الرسم أكاديميا اختارت أن يكون الرسم وسيلتها في التنقيب بحثا عن العناصر التي تبرز من خلالها الشخصية الفلسطينية، لذلك تبدو رسومها في مستوى من مستوياتها كما لو أنها موجهة لعامة الناس وهو ما كانت الأكحل تعمل على تكريسه.

المرأة التي لا يمكن الحديث عنها بمعزل عن زوجها لم تسع إلى أن تضع حاجزا أسلوبيا بين رسومها ورسوم ذلك الزوج الذي عُرف باعتباره أبا للفن الفلسطيني غير أن تميزها الأسلوبي عنه كان واضحا.

اختارت الأكحل المفردات الجمالية التي تعرفها بعمق باعتبارها امرأة كما أنها رسمت حياة عاشت تفاصيلها من الداخل فلم تكن في حاجة إلى أن تصفها بقدر ما حاولت التعبير عنها في محاولة منها لوضع عاطفتها في خدمة الصورة فرسمت المرأة الفلسطينية كما لو أنها تبصر نفسها في مرآة.  لم يكن عليها أن تذهب أبعد عن ذلك. لقد عرفت كيف تحول الحكايات بمزاجها اللغوي المرن إلى صور، ستكون المرأة دائما فيها سيدة الطبيعة.

تفاؤل في قلب المأساة

رسمت حياة عاشت تفاصيلها من الداخل
رسمت حياة عاشت تفاصيلها من الداخل

ولدت الأكحل في يافا بفلسطين عام 1935. عام 1948 لجأت مع عائلتها إلى بيروت بعد أن استولت العصابات الصهيونية على يافا وباقي المدن الفلسطينية التي صارت جزءا من دولة إسرائيل. منحتها كلية المقاصد ببيروت منحة لدراسة الفن في القاهرة، وهو العام الذي تزوجت فيه من شموط لتبدأ سلسلة معارضهما الفنية المشتركة التي دارا بها حول العالم، حيث افتتح معرضهما الأول في القاهرة الرئيس جمال عبدالناصر شخصيا.

المعرض الشخصي الأول أقامته الأكحل بعد وفاة رفيق عمرها شموط وكان يحمل عنوان “مازلنا معا” وهو عنوان يشير إلى استمرارية العلاقة التي لم يقطعها الغياب وكانت تلك العلاقة مزيجا منسجما من الحياة والفن والنضال والتضحية.  

أصدرت الأكحل كتابا بعنوان “اليد ترى والعين ترسم” روت فيه تفاصيل سيرتها منذ الطفولة وكل ما تتذكره عن يافا، طبيعة ووقائع وبشرا، ثم انتقلت إلى تجربتها الفنية التي نضجت تحت عيني شموط زوجها ومعلمها الروحي.     

تقول الأكحل “كان همي وهم إسماعيل شموط أن نعبر عن الإنسان. لم نستطع أن نرسم أشياء مفرحة وملونة كالمناظر الطبيعية، لأنه في داخلنا كان هناك وجع وتجربة مريرة مما عشناه في حياة التشرد والمخيمات. لذلك كنا نحكي للعالم عن هذا الألم من خلال لوحاتنا وكان لكل منا أسلوبه الخاص في التعبير عن هذه المشقة”.

صورة الفلسطيني في كل أحواله وتجلياته جزء مهم من الهوية التي شعر الفلسطينيون أن العالم يسعى إلى محوها كما حدث مع شعوب أخرى تعرضت لما تعرضوا له

سيكون علينا أن نكون حذرين في تطبيق ذلك الاعتراف حرفيا على جميع المراحل الأسلوبية للفنانة. لقد كانت للطبيعة الفلسطينية حصتها من رسومها غير أنها لم تكن مقصودة لذاتها. قد يكون هذا ما أرادت الفنانة أن تقوله. كما أن رسومها كما هي رسوم شموط لم تكن تنطوي على حزن راكد وثقيل وأسود بل كانت رسوما متفائلة وكانت أحيانا تدعو إلى الغبطة حين يتعلق الأمر بوصف حالة الصمود والتحدي التي يعيشها الفلسطيني في مواجهة أوقاته العصيبة.

وبمعزل عن التقييم الفني فإن رسوم الأكحل وشموط كانت ضرورية من جهة البعد الصوري للقضية الفلسطينية الذي يختلف في تأثيره عن الصورة الفوتوغرافية من جهة ما ينطوي عليه من مشاعر خفية لا تظهر في التصوير المباشر. لذلك فقد شكلت تلك الرسوم عنصرا هاما من بين عناصر الهوية الثقافية الفلسطينية.

تطلعت الأكحل إلى أن تكون رسومها خزانة للذاكرة الجمالية الفلسطينية. وهنا يكمن الاختلاف الرئيس بين رسومها ورسوم شموط. لم تنس الأكحل أنوثتها. لذلك فقد رسمت بوعي وعاطفة المرأة التي اختبرت الحياة من الداخل وهو ما دفعها إلى أن ترى في المفردات “الفلكلورية” من الجمال ما لم يكن يراه الرجل الذي غالبا ما يمر بتفاصيل الحياة اليومية عابرا.

رسمت الأكحل على سبيل المثال عرسا فلسطينيا. كان ذلك العرس مناسبة لاستحضار الأزياء النسائية بكل تفاصيلها الجمالية الدقيقة.

وإذا كانت الرغبة في التوثيق الحي حاضرة في ذلك المسعى وهو ما يشكل دافعا نضاليا فإن رسوم الأكحل لم تكن في كل الأحوال رسوما توضيحية بقدر ما كانت رسوما تسر العين حين تخاطبها وتهبها شعورا إيجابيا.     

لا يختلف اثنان على أن الأكحل قدمت صورة المرأة الفلسطينية باعتبارها خلاصة بصرية لكل النساء الفلسطينيات اللواتي اخترقن الكارثة بقلوب قوية ولم يضعفهن ولم يضعن، أمهات وحبيبات وأخوات ورفيقات درب. يوافق الفلسطيني على أن الأكحل رسمت المرأة النموذج. “نعم هي ذي” سيُقال دائما عن نسائها.

يمكنني القول هنا إن صورة الجميلة في المزاج الفلسطيني إنما تستمد عناصرها من رسوم الأكحل. كانت “عزيزتي فلسطين” حاضرة في كل رسوم الأكحل وهو ما سرى كالعدوى في المحترف الفني الفلسطيني.

ترسم وهي ترى فلسطين

Thumbnail

يميل نقاد الفن إلى توزيع تجربة تمام الأكحل الأسلوبية بين ثلاث مراحل. المرحلة الواقعية والمرحلة الانطباعية والمرحلة الرمزية. وهو كما أرى تقسيم مختبري قسري. فالرسامة لم تتخل يوما عن واقعيتها التي كانت انعكاسا لفهم خاص للواقع الفلسطيني الذي يقف بين الانطباع الشخصي العابر والرمزية التاريخية التي لا تحيد عن ثوابتها.

لقد عمدت الرسامة إلى استدراج الزمن ليعينها على الجمع بين ماضيها وحاضرها ويكون مرآة لمستقبلها وهي بذلك إنما تحدت الواقع بقوة ما ينطوي عليه الانطباع الذي يترك أثره باعتباره رمزا. وبما أن رسوم الأكحل هي واحدة من خلاصات القضية وهي هنا خلاصة بصرية فإننا يمكن أن نعثر فيها على الأثر الذي يتركه الإنسان في خضم دفاعه الوجودي عن ثوابت حياته.

“لقد عشنا” تلك جملة تمر من غير ضجيج دعائي. غير أنها تمثل الحقيقة التي تقولها رسوم الأكحل.

كانت الأكحل ترسم وهي ترى فلسطين.  

فلسطين التي رسمتها الأكحل صرنا نراها في رسوم مَن تأثر بها من الرسامات والرسامين الفلسطينيين، ولكنها يمكن أن تكون فلسطين الحقيقية.

Thumbnail
9