تنسيق جزائري فرنسي لقطع الطريق على التمدد التركي في ليبيا

الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون يبحث عن دعم فرنسي روسي للوساطة الجزائرية في ليبيا.
السبت 2020/07/11
الجزائر قلقة على طول ألف كلم من الحدود البرية مع ليبيا

الجزائر - تشير الاتصالات المتكررة بين الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بوادر تنسيق بين البلدين في المنطقة، خاصة في منطقة الساحل الصحراوي وليبيا، في وقت يظهر فيه أن الوساطة الجزائرية لإيجاد حل للملف الليبي تحتاج إلى دعم أوسع لتخرج من دائرة المناكفة السياسية.

وعُزِّز التقارب الدبلوماسي والسياسي بين الجزائر وفرنسا، بمحادثة هاتفية جديدة بين تبون وماكرون، هي الثالثة خلال الأسابيع الستة الأخيرة، تناول فيها الرئيسان رؤيتهما لاستعادة الاستقرار في المنطقة ومقاربة حل الأزمة في ليبيا.

وجاء الاتصال غداة عودة الدفء إلى العلاقات الثنائية، وذلك بعد أن استعادت الجزائر دفعة أولى من رفات وجماجم رموز المقاومة الشعبية والتي كانت محتجزة في متحف الإنسان بباريس، وهي الخطوة التي أعقبها تبون بتصريح أدلى به لقناة “فرانس 24 ” الحكومية، أشاد خلاله بما أسماه “نزاهة وجهود ماكرون في تسوية الملفات التاريخية بين بلاده وبين الجزائر”.

وذكر بيان للرئاسة الجزائرية أن تبون تلقى اتصالا هاتفيا من ماكرون “بحث فيه الرئيسان الوضع السائد في المنطقة، ولاسيما في ليبيا والساحل”، وأنهما “اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين كفاعلين أساسيين في المنطقة، وإطلاق عدد من المبادرات الرامية إلى ترقية الحلول السياسية للأزمات السائدة هناك”.

وألمح البيان إلى بوادر تقارب في رؤى الطرفين حول الوضع السائد في الساحل الصحراوي وليبيا، بشكل ينقل صدام السنوات الماضية بين البلدين إلى شراكة دبلوماسية وتقاسم مصالح، وخاصة أن الجزائر تتجه إلى رفع الحظر عن خروج جيشها إلى خارج حدوده الترابية، مما يحوله إلى طرف في إدارة البؤر المتوترة، لاسيما الحرب على الإرهاب.

صبري بوقادوم يعلن المبادرة الجزائرية

  • وقف فوري لإطلاق النار في ليبيا
  • خفض التصعيد بقطاع الطاقة وتوزيع الثروات
  • المساعدة على جلب أطراف النزاع إلى المفاوضات

ولا يستبعد مراقبون أن يفضي التقارب الجزائري الفرنسي إلى بلورة مبادرة تشترك فيها المجموعة الدولية وتقوم على حتمية الحل السياسي في ليبيا، وضرورة خروج القوات الأجنبية، وعلى رأسها الجيش التركي الداعم لحكومة رئيس حكومة الوفاق فايز السراج، والذي بات مصدر قلق إستراتيجي للجزائر وفرنسا، بعد بروز نوايا أنقرة في إرساء “تركيا جديدة” في المنطقة، عبر تعزيز شراكة عميقة مع شركائها الليبيين.

ويبدو أن الانزعاج من التمدد التركي في المنطقة، ومحاولات المساس بنفوذ فرنسا في أكبر مستعمراتها القديمة (الجزائر)، دفعا باريس إلى تقديم تنازلات نسبية في أكبر الملفات العالقة بينها وبين الجزائر “الذاكرة والتاريخ”، من أجل قطع الطريق على المساعي التركية، وتحويل ملفات الاختلاف إلى ملفات شراكة في الدبلوماسية، كما في الاقتصاد والتجارة والتعاون والهجرة والجالية.

وتبدي الجزائر مخاوف حقيقية من الأزمة الليبية، قياسا بتداعياتها الأمنية والعسكرية الخطيرة على الاستقرار في المنطقة، وخاصة أنها تقتسم مع ليبيا نحو ألف كلم من الحدود البرية ذات التضاريس الصحراوية الوعرة، إلى جانب محاذاتها لمصالح إستراتيجية كمحطات وآبار النفط والغاز، والشركات الدولية العاملة فيها.

ولم تتأخر القيادة العسكرية في تعيين الجنرال عمر تلمساني قائدا للناحية العسكرية الرابعة بورقلة في أقصى الجنوب الشرقي للبلاد، باعتبارها الهيئة التي تقع تحت اختصاصها الإقليمي الحدود البرية مع ليبيا، وذلك خلفا للجنرال حسان علايمية الذي وافته المنية إثر أزمة صحية، مما يؤكد الأهمية التي توليها القيادة المذكورة لجاهزية الكوادر البشرية ويقظة الوحدات العسكرية واللوجيستية تحسبا لأي طارئ على الحدود.

وكان الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون قد حذر في التصريح الذي أدلى به لوسائل إعلام محلية وفرنسية، من “سيناريوهات تحويل ليبيا إلى سوريا أو صومال جديدة، وإلى أرضية خصبة لتفريغ الجماعات الإرهابية، مما سيعصف بالأمن والاستقرار في المنطقة إلى الأبد”.

وجدد وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم، في اجتماع مجلس الأمن بشأن ليبيا الذي عقد أمس الأول، استعداد بلاده لـ”لعب دور الوسيط”، وشدد على أن “كل الأطراف الليبية موافقة على المشاركة في أي مبادرة جزائرية”، في إشارة إلى جهود الجزائر لحل الأزمة الليبية، بالتنسيق مع المجموعة الدولية.

ولخص بوقادوم مبادرة بلاده في ثلاثة محاور تتمثل في “وقف فوري لإطلاق النار، وخفض التصعيد في كل المجالات، بما في ذلك ما يتعلق بقطاع الطاقة وتوزيع الثروات، والمساعدة على جلب أطراف النزاع الليبيين إلى مفاوضات”.

وقال مراقبون إن مبادرة الجزائر رغم أهميتها بالنسبة إلى طرفي الأزمة في ليبيا، إلا أنها وحدها لا تقدر على تحقيق أي اختراق للأزمة، وهو ما يفسر مسعاها للتقارب مع الموقفين الروسي والفرنسي لتقديم مبادرة تحوز دعما أوسع.

واستقبل تبون في يونيو طرفي النزاع في ليبيا ممثلين برئيس حكومة الوفاق فايز السراج ورئيس البرلمان عقيلة صالح؛ وذلك بعد سيطرة الوفاق، بدعم من أنقرة، على الغرب الليبي وانسحاب الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر خارج العاصمة طرابلس ومحيطها.

ووصف أستاذ العلوم السياسية في المدرسة العليا للصحافة في الجزائر شريف دريس، مهمة بلاده بـ”الصعبة”، وذكر أن “المقاربة الجزائرية تحتاج إلى إطار أممي، وهندسة للحل بتعيين مبعوث أممي وعقد مفاوضات في دولة جارة، لأن الملف الليبي أصبح لديه تعقيدات بسبب تعدد الفاعلين في الأزمة”.

1