توازنات شرق المتوسط تنعكس سلبا على التقارب بين مصر وتركيا

الحكم على تصرفات أنقرة يخضع للقانون وليس للأهواء السياسية.
الجمعة 2021/10/22
لا مكان لتركيا بيننا

ساد الهدوء العلاقة بين تركيا ومصر في الآونة الأخيرة بعد اعتماد أنقرة نهجا متشددا تجاه قيادات الإخوان المصريين وأبواقهم الإعلامية، في محاولة منها لإصلاح العلاقات مع القاهرة. إلا أن العلاقة بين البلدين لا يمكن أن تصلحها هذه الخطوة فقط؛ فأنقرة لم تلتزم بعد بإخراج مرتزقتها من الساحة الليبية، كما أن الحسابات السياسية والاقتصادية في شرق المتوسط تتحكم بدرجة كبيرة في توجهات مصر التي لن تنحاز إلى النفوذ التركي هناك على حساب المصالح المحلية والإقليمية.

القاهرة – يبدو أن ملفي الإخوان وليبيا ليسا هما فقط ما يعكر مؤشرات التقارب بين مصر وتركيا، فقد أكدت نتائج القمة التي عقدت في أثينا الثلاثاء الماضي بين مصر واليونان وقبرص أن ملف شرق البحر المتوسط لا يقل خطورة، وربما يفوقهما أهمية لتعدد تقاطعاته السياسية والاقتصادية إقليميا ودوليا، ما يجعل ثمة كوابح تعوق تطوير العلاقات بين القاهرة وأنقرة تفوق الثقة التي ظهرت ملامحها خلال الفترة الماضية.

وتحتاج مصر وتركيا إلى صراحة كبيرة في بحث المعوقات التي تطيل عمر الأزمة بينهما وتعيدها إلى سيرتها الأولى من التجاذبات أو تجعلها لا تبارح النتيجة التي تم التوصل إليها وتتعلق بتبريدها وليس البحث عن تسوية ناجعة لها؛ حيث أكدت التطورات أنها مكلفة على صعيدي الإخوان وليبيا بالنسبة إلى أنقرة، ومكلفة للقاهرة على صعيد حليفتيها أثينا وقبرص، فأي تقارب شامل مع أنقرة سوف ينعكس عليهما.

تقارب حذر

تسير كل من مصر وتركيا على خيوط رفيعة، فالأولى تريد تنازلات حاسمة منها في ملفي الإخوان وليبيا دون تفريط في منظومتها المتوسطية التي شُيدت وتركيا خارجها، بينما تسعى الأخيرة لتحقيق اختراق في هذه المنظومة بلا تنازلات كبيرة في علاقتها بالإخوان وليبيا، أملا في الحفاظ على المعادلة التي أقامتها بشأنهما.

من هنا تكمن العقدة الرئيسية، فقد وصل البلدان إلى مستوى من الهدوء يمكن أن يقودهما إلى إيجاد حل ناجز للخلافات الجوهرية، أو يهوي بهما إلى القاع، وهو سيناريو تريد القاهرة وأنقرة تجنبه بعد أن وصلتا إلى تفاهمات يمكن البناء عليها.

واختارت تركيا حلقة الإخوان الضعيفة وتعد أقل أهمية من الناحية الاستراتيجية، وأقدمت على مرونة تكتيكية مع الجماعة وأدخلت تعديلات على منهجها في التعامل معها ظهرت تجلياتها في التضييق الإعلامي والسياسي والأمني الذي فرضته على قياداتها المقيمة على أراضيها، سعيا لتخفف مصر ضغوطها في الملف الآخر.

فتح الباب لدخول تركيا إلى المنطقة ينسف الدور الاقتصادي لمصر واليونان وقبرص المتوقع أن يزدهر مستقبلا

وتريد أنقرة أن تحصل على مقابل مادي ملموس من القاهرة نتيجة تشددها مع الإخوان يتمثل في إعادة تصويب مسار شرق المتوسط لتكون تركيا جزءا أساسيا فيه.

وقد لاحت ملامح هدوء بين البلدين وتعمدت القاهرة استمرار علاقتها بكل من اليونان وقبرص على ما هي عليه من متانة، وزاد حرصها على تطويرها مع البلدين لتتمكن من تبديد أي هواجس تتولد لديهما بشأن انعكاس التقارب على التعاون في شرق المتوسط، لأن فتح الباب لدخول تركيا إلى هذه المنظومة -وهي تمارس ما يوصف بـ”البلطجة” في المنطقة- ينسف الدور الاقتصادي للدول الثلاث المتوقع أن يزدهر مع تزايد طموحاتهم في تصدير الطاقة إلى دول أوروبا.

ودعت اليونان ومصر وقبرص في القمة التاسعة التي عقدت في أثينا الثلاثاء الماضي تركيا إلى احترام القانون الدولي للبحار، في ظل تجدد التوترات بشأن موارد الغاز الطبيعي والنزاعات الإقليمية في شرق المتوسط، ما يعني أن الحكم على تصرفات أنقرة يخضع للقانون وليس للأهواء السياسية.

وقال بيان مشترك صادر عن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس “يجب على تركيا أن تمتنع عن الاستفزازات والأعمال الأحادية التي تنتهك القانون الدولي”.

وأثار تناغم مصر مع اليونان وقبرص في ملف تركيا ارتياحا لدى قيادتهما وخفض سقف الرهانات على إمكانية نجاح أنقرة في شق هذا التحالف عبر تقاربها مع القاهرة، خاصة أن الإشارة إلى تجاوزات تركيا جاءت واضحة وبلا مواربة.

وقد أدان قادة الدول الثلاث الانتهاكات التركية المستمرة للمجال الجوي اليوناني والأنشطة غير القانونية في المنطقتين الاقتصاديتين لليونان وقبرص.

معادلة صعبة

ملفي الإخوان وليبيا ليسا هما فقط ما يعكر مؤشرات التقارب بين مصر وتركيا

أصاب الخطاب الذي تبنته قمة أثينا تركيا بخيبة أمل مستترة في القيادة المصرية، حيث عوّلت على تبنيها مفردات أقل حدة تجعل الباب مفتوحا أمامها، وتمنحها أملا في الاصطفاف معها داخل منتدى شرق المتوسط الذي يمثل الجائزة الكبرى لأنقرة التي تسعى للحصول عليها من وراء مشروع التقارب الذي بدأته مع مصر.

وفي الوقت الذي استخدمت فيه تركيا لهجة حادة مع كل من اليونان وقبرص -وصفها البعض بـ”الخشبية” لأنها أعادت تكرار ألفاظها السابقة- استخدمت لهجة لينّة مع مصر، في محاولة للتفرقة بينهما ورغبة في استكمال الحوارات الاستكشافية معها.

وردت الخارجية التركية على البيان الثلاثي الذي صدر عقب القمة بأنه “مثال جديد على السياسات العدائية التي ينتهجها الثنائي اليوناني – الرومي (القبرصي)، ضد تركيا وقبرص التركية”، ووصفته بأنه “في حكم العدم”، في إشارة تؤكد عدم الاعتداد به.

وذكرت أنقرة أن انضمام مصر إلى هذا البيان “مؤشر على أن الإدارة المصرية لم تدرك بعد العنوان الحقيقي الذي يمكنها أن تتعاون معه شرقي المتوسط”، بمعنى أنها الأبقى والأكثر أهمية لها في المنطقة، وعليها تبني رؤى تصب في هذا الاتجاه.

واحتل ملف الغاز وقضية الاستقرار في شرق المتوسط مساحة كبيرة من المناقشات التي جرت بين الدول الثلاث في جميع القمم التي عقدت بينها خلال الفترة الماضية.

تناغم مصر مع اليونان وقبرص في ملف تركيا خفض سقف الرهانات على إمكانية نجاح أنقرة في شق هذا التحالف

ومع ذلك لم تغلق هذه الدول الباب تماما أمام التعاون مع الجانب التركي عندما أكد بيان قمة أثينا أن تعاونها مفتوح “لأي شخص يرغب في احترام السياسات الدولية”.

ودفع تعنت أنقرة تجاه القاهرة في الأزمة الليبية إلى دخول مصر مباشرة على خط قبرص التركية، حيث حاولت تجنب الانحياز إلى موقفي اليونان وقبرص وأرادت أن يقتصر الأمر على القضايا المشتركة، ما ينقل الخلاف إلى مربع ساخن يفيد بأن مصر يمكنها استخدام أدوات شبيهة بأدوات تركيا وتقترب من فنائها الخلفي ردا على اقترابها من ليبيا.

وتقلب هذه الزاوية المعادلة الحالية من جهة طمأنة اليونان وقبرص بأن الموقف المصري لم يتغير عقب تدشين حوارات مع تركيا، ومن جهة الضغط على أنقرة لتسريع وتيرة الاستجابة بجدية لحزمة المطالب المقدمة لها بصورة شاملة، ومن بينها خروج قواتها والمرتزقة من ليبيا، وبعدها يمكن التفكير في حل العقد التي تكتنف شرق المتوسط وفقا للقانون الدولي وليس لأهواء ورغبات وتطلعات أنقرة.

لذلك أدانت قبرص التركية دعم مصر لسياسة الجانب القبرصي الرومي التي قالت إنها تنتهك حقوق الشعب القبرصي – التركي، مؤكدة عدم التزامها الصمت حيال محاولات اليونان والإدارة الرومية وأطراف أخرى انتهاك حقوق قبرص التركية.

وتعاني قبرص منذ 1974 انقساما بين شطرين؛ شطر تركي في الشمال وآخر رومي في الجنوب، وفي 2004 رفض القبارصة الروم خطة قدمتها الأمم المتحدة لتوحيد شطري الجزيرة، ومنذ انهيار محادثات إعادة التوحيد بجنيف في يوليو 2017 لم تجر مفاوضات رسمية بوساطة الأمم المتحدة لتسوية النزاع في قبرص.

7