توجهات سياسية لكسر الفجوة بين السلطة والثروة في ليبيا

التوصل إلى حل وسط حول النفط قد يمهد إلى حل سياسي أشمل.
الأحد 2020/09/20
الليبيون يريدون توزيعا عادلا لإيرادات النفط

الاعتراف بوجود فواصل نفسية وتاريخية بين شمال ليبيا وشرقها وجنوبها أمر ضروري لفهم ما يجري من تطورات وتحالفات، وسرعة الاستجابة للتدخلات الخارجية. لكن هذا المعطى التاريخي خدم أخيرا الليبيين لصالح التوصل إلى حل وسط حول النفط، وقد يتسع إلى حل سياسي أشمل، لكن يظل مهددا بخطر الحسابات نفسها.

عمل من كرسوا الفواصل الجغرافية بين شرق وغرب ليبيا على توظيفها خدمة لمصالحهم السياسية، كأحد المداخل الرئيسية لزيادة النفوذ، وعدم تمكين القوة الصلبة من السيطرة على مفاصل الدولة، وتفويت الفرص على التحركات الجادة التي رمت إلى توفير الأمن والهدوء والاستقرار والحفاظ على وحدة ليبيا ومنع انفراط عقدها.

يصعب على من عرفوا ليبيا جيدا التسليم بالهوة الواسعة بين الجانبين، التي لعبت وسائل إعلام معينة دورا مهما في تجذيرها كوسيلة لتحقيق أهداف محددة تتعلق بالسلطة والثروة، مستندة تارة إلى التاريخ الحديث، وأخرى لتطورات على الأرض، وثالثة لإقناع الناس للتسليم بأنه لا مفر من التباعد السياسي، وإن قصرت أو طالت الحرب.

بدأت المحرمات، التي جرى افتعالها للفصل بين الشرق والغرب، في الطريق إلى كسر جملة من الحواجز الصلدة، حيث عقدت اجتماعات وحوارات علنية بين مسؤولين من هنا وهناك، يمثلون أطيافا متعددة، وتوصلوا إلى ملامح رؤية سياسية واقتصادية أوحت بعدم صعوبة التوصل إلى تفاهمات مشتركة تدحض مخاوف بعض الجهات القلقة.

أشارت اللقاءات التي عقدت في كل من سويسرا والمغرب ومصر، إلى أن الهالة التي جرى نسجها والهواجس التي تم نثرها من السهولة تحطيمها، ويسهم الواقع الاجتماعي في ذلك بدور معتبر، فالتداخل اللافت بين إقليمي برقة وطرابلس، وبالطبع فزان، يؤدي عمليا إلى تضييق الفجوة التي حاول البعض النفخ فيها سياسيا وعسكريا واقتصاديا وجغرافيا، كما أن عددا كبيرا من القيادات النشطة في إقليم ينحدر أصلا من إقليم آخر.

يحمل تجاهل الجنوب والعزف على وتر تهميشه المستمر، دلالة تتعلق بسلخ الأطراف من معادلة الشرق والغرب، وخلق بؤرة توتر دائم في الخاصرة الجنوبية، والسعي إلى تحييد هذا الإقليم كي لا يمنح وزنا لأي من الطرفين، وتتصاعد حدة الاحتقان، لكن هذه المساعي أخفقت، لأنه تم النظر إليه على قدم المساوة مع الشرق والغرب.

فروق وأوزان نسبية

خدمت الخطاب الذي استخدمه الكثير من الأطراف معادلة الحفاظ على التماسك، ومنع الاستسلام لرغبات من دفعوا نحو الإيحاء بالتقسيم، فهناك حكومة وجيش ومؤسسات مختلفة في الغرب، وأخرى في الشرق، يدير كل منها دولاب الدولة – الإقليم بالطريقة التي يراها مناسبة، وحققت هذه المسألة فوائد للعديد من أصحابها، ما جعلهم يطربون لها، ولا يقاومونها، ومنهم من ارتاح كثيرا لاستمرارها.

بصرف النظر عن الفروق النسبية في الأوزان المادية والمعنوية وحدود الاعترافات الدولية للجهات الرسمية على الجانبين، فهي في النهاية منحت الفصل صفة عملية، للدرجة التي حار معها بعض المسؤولين الأجانب، فإذا التقى أحدهم رئيس حكومة الوفاق فايز السراج، قبل أن يتعهد باستقالته نهاية أكتوبر المقبل، سعى إلى الانتقال للطرف المقابل، كنوع من التوازن.

أصبحت هذه الظاهرة تصلح كمؤشر لمعرفة الموقف السياسي للقوى الإقليمية والدولية المهتمة أو المنخرطة في الأزمة الليبية، فمن يذهب إلى طرابلس ينحاز لحكومة السراج، ومن يذهب إلى بنغازي أو الرجمة يميل للمشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني. وطرأت على هذا المقياس تطورات متنوعة، ارتبطت غالبا بصعود وهبوط أسهم كل طرف على الساحتين الداخلية والخارجية.

لجأ البعض إلى المواءمة لضمان عدم الخلل بالحسابات، في نوعية المسؤولين، وحدود التعاون والتنسيق، ومستوى الدعم الذي يقدم ومن أي نوع، وسُلطت الأضواء على كثير من الممارسات والتوجهات التي أسهمت في توسيع الأطر التي لعبت فيها الجغرافيا أكثر من غيرها دورا مهما في تصدير مشاهد من الفصل الضمني.

إرادات محلية ودولية تجتمع حول بلورة تصورات جديدة للحل في ليبيا، بما يمهد الطريق لوضع حد للفصل السياسي بين أقاليم الدولة

عندما ذهب الجيش الليبي لتحرير طرابلس من قبضة الميليشيات والإرهابيين لم يجد معارضوه أفضل من تصويره على أنه غزو جديد من الشرق للغرب لصب الغضب على الخطوة، ووضع العراقيل أمامها، حتى لا تتمكن من الوصول لأهدافها.

وعندما جرى استدعاء تركيا للتدخل عسكريا، تم استخدام خطاب في المنحى ذاته من الطرف المقابل في البداية، لأن كل الاتفاقيات البحرية والأمنية والاقتصادية التي وقعت بين حكومة الوفاق وأنقرة تمركزت في الغرب، ثم توسعت الأطماع التركية فمنحت فئة كبيرة فرصة للحديث على أنه غزو للبلاد كلها، وهي واحدة من العلامات التي أدت إلى زيادة الجزع من أنقرة، ودفعت نحو العمل على مقاومتها سياسيا.

ازدادت وطأة الشرق والغرب مع التدخلات السافرة، وقبلها كانت لغة الفصل موجودة، لكن تم التعامل بها على أنها مكايدة سياسية وعسكرية مؤقتة ومن الممكن وقفها، وهو ما أكدته اللقاءات المستمرة بين الفريقين المتخاصمين المتفاوضين في محطات متباينة، والتي تجمدت مع تصاعد رغبة بعض القوى لتقطيع أوصال الدولة الليبية.

حدود التوظيف السياسي

تمهيد الطريق لوضع حد للفصل السياسي بين أقاليم الدولة
تمهيد الطريق لوضع حد للفصل السياسي بين أقاليم الدولة

جاءت الخطورة من التعامل مع كل فريق على أنه كتلة متماسكة، ولها رؤى وتصورات متقاربة، ومواقف وحسابات تتسم بالتنسيق التام، وأجندة تحظى بالإجماع يتم العمل على تنفيذها وفقا لمنظومة هرمية متفاهمة من القمة إلى القاعدة، وهذه فرية لأن كل جانب تعتمل داخله خلافات لا تقل خطورة عن خلافاته مع الجانب الآخر.

كانت تجليات هذه القضية واضحة لدى المتابعين للتطورات في محطات متعددة، غير أنها زادت في الآونة الأخيرة، فالسراج ليس محل إجماع لدى المتحالفين معه، في الداخل والخارج، وظهرت علامات التشرذم مع خروج خلافه قبل أيام إلى العلن مع كل من وزير داخليته فتحي باشاغا، ونائبه أحمد معيتيق.

لم يكن الوضع أفضل حالا في معسكر الشرق، وممثليه المشير خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، لكن الفرق في وجود قوى إقليمية حريصة على توحيد جبهة حفتر – صالح، لأن تفرقهما لن يمكنهما من الحوار مع الشخصيات الوطنية في الجبهة المقابلة، وفي كل مرة يطفو خلاف لم يصل لحد القطيعة، بينما القوى الإقليمية والدولية وظفت التباين في معسكر طرابلس لصالحها، بغرض الاستفادة منه في الحصول على تنازلات أكبر من لاعبيه الأساسيين، ولم تعبأ بفكرة الوحدة، لأنها لا تعنيها من البداية، فوجود وانتشار وتغلغل أذرع هذه الدول يقوم على الفصل وليس الوصل.

على مستوى مجلس النواب، يصعب القول إن كلا من برلمان طبرق وبرلمان طرابلس ينضوي تحت جناح الإقليم المسمى باسمه كوحدة متماسكة، فداخلهما خلافات عميقة أيضا في التقديرات السياسية والعسكرية، وقد تكون مستترة في الأول، لكنها ظاهرة في الثاني، وهو ما جعله أقل تأثيرا.

أسهمت المسافات المتباعدة داخل كل فريق في تمديد خيوط التعاون مع عناصر في الفريق الآخر، وأوجدت من حيث يدري أو لا يدري أصحابها حالة حوار تتسع رقعتها، أفضت حتى الآن إلى قناعة متزايدة بضرورة تقويض الهوة، لأن المخاطر ارتفعت، وصار مصير الوطن مهددا، ولن تقتصر قسماته على شرق وغرب وجنوب.

تجتمع إرادات محلية وإقليمية ودولية حول بلورة تصورات جديدة للحل السياسي، تحظى بمؤشرات مباركة في الشرق والغرب والجنوب، وتجد أصداء إيجابية لدى المعنيين بالأمر في الخارج، بما يمهد الطريق لوضع حد للفصل السياسي بين أقاليم الدولة قبل أن تجرفها الرياح إلى مزالق يصعب الوقوف في وجهها. من هنا تأتي أهمية التوجهات الصاعدة لإذابة جليد الفواصل الجغرافية كمقدمة لجسر الفجوة على صعيدي السلطة والثروة.

تكمن الخطورة في أن يكون الدفء مؤقتا، أو دفعت به أطراف دولية لحسابات معينة، أو يتم تفجيره بأي من الألاعيب السياسية والعسكرية المعروفة. ولذلك على القيادات الوطنية استغلال بريق الأمل الراهن والقبض عليه قبل فوات الأوان.

4