تونسيون يديرون الظهر للمناظرات السياسية: الديمقراطية لم تغيّر حياتنا

الصراع السياسي يعيق العمل على تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي.
الأربعاء 2019/09/11
انتظار الحلول العاجلة

تونس - لم تحمل ثماني سنوات من ثورة 2011 تغييرا حقيقيا في أوضاع التونسيين، وخاصة في المناطق الريفية الفقيرة والأحياء الشعبية الكبيرة المحيطة بالمدن الكبرى، حيث لم تحدث الديمقراطية التونسية الناشئة أي تغيير يذكر في حياتهم.

ولم تغير المناظرات الحماسية بين المرشحين للرئاسة، والتي هيمنت على وقت الذروة في التلفزيون المحلي وعدد من الفضائيات الخاصة، نوايا غالبية التونسيين بعدم المشاركة في موعد 15 سبتمبر، وهو ما يكشفه الحضور الباهت للتجمعات الانتخابية التي ينظمها المرشحون بما في ذلك تجمعات الذين لديهم حظوظ كبيرة للمرور إلى الدور الثاني.

ويقول الكثير من الناس إنهم لا ينوون التصويت في الانتخابات المقبلة، ولا يعتقدون أصلا أن تغيير الحكام سيؤثر على حياتهم بأي شكل.

ويتنافس 26 مرشحا للفوز بالرئاسة في الدورة الأولى التي تجري، الأحد، في حين تجري الانتخابات البرلمانية التي ستفرز رئيس الحكومة ورئيس البرلمان في السادس من أكتوبر المقبل.

وبالنسبة للعديد من التونسيين الأكثر فقرا، قوض الفقر والبطالة وضعف الخدمات العامة الثقة بالسياسات الديمقراطية الجديدة في تونس.

وفيما تتنافس الأحزاب للسيطرة على البرلمان والمحليات وتنفق الكثير من الأموال في حملات انتخابية استعراضية، يزيد الوضع الاجتماعي سوءا خاصة مع ارتفاع الأسعار وعجز الحكومات المتعاقبة عن التحكم فيها، وغياب خطوات جدية لإعادة إنعاش الاقتصاد.

ويضاعف هذا الوضع الغضب في الشارع التونسي، ليس فقط بالنسبة إلى الفئات المهمّشة، ولكن أيضا بالنسبة إلى الطبقة الوسطى التي باتت أقرب إلى محدودي الدخل.

وفي وسط فرنانة (من محافظة جندوبة شمال غرب) كان يبدو واضحا غضب بعض الأهالي وهم يشاهدون حافلة حملة تتجول في البلدة عليها شعارات وملصقات أحد المرشحين الستة والعشرين للرئاسة.

وكان منذر الجوادي أحد سكان البلدة يلوح بيديه غاضبا بينما كانت امرأة أخرى تصيح موجهة الشتائم لفريق الحملة.

ويتحدث الجوادي (45 عاما) لرويترز قائلا “الديمقراطية لا تعني لنا شيئا سوى أنها حديث يردده السياسيون عبر شاشات التلفزيون”.

ويضيف “أنا أعاني جاهدا من أجل إطعام أطفالي الثلاثة ولا أحد يهتم بنا. لماذا تذكّرونا فجأة؟ أين حلولهم للمنطقة؟ هل سنأكل أو نشرب الديمقراطية؟”.

لكن مع حلول الوقت لاختيار خلف لأول رئيس منتخب ديمقراطيا، الباجي قائد السبسي، الذي توفي في يوليو الماضي عن 92 عاما، أصبح كثير من الناخبين في حالة مزاجية غاضبة ومحبطين من الحكام والطبقة السياسية عموما لفشلهم في تحسين نوعية الحياة اليومية.

ولاقت أول مناظرات رئاسية على التلفزيون المحلي اهتماما واسعا على اعتبار أنها إشارة جديدة لتدعيم الديمقراطية الناشئة. لكن محللين محليين يقولون إنها ديمقراطية فضفاضة تغلب عليها التصريحات والاستعراض ويغيب عنها المضمون وهو خدمة الناس وتطوير مستوى حياتهم.

ويحذر السياسيون من أن الفشل في إظهار تقدم اقتصادي واجتماعي حقيقي قد يعرض المشروع الديمقراطي نفسه للخطر.

وقال رئيس الوزراء يوسف الشاهد أحد المرشحين البارزين للرئاسة الشهر الماضي إن الفرص الاقتصادية يجب أن تتحسن حتى تلحق تونس بنادي الدول الديمقراطية القوية.

ويعد مهدي جمعة رئيس الوزراء السابق بدوره بإنعاش الاقتصاد التونسي المنهار. وتنصب أغلب وعود بقية المترشحين أيضا على تحسين ظروف المعيشة الصعبة للتونسيين.

ولا تخلو البلاد من إضرابات مستمرة في عديد القطاعات العامة للمطالبة برفع الأجور وتحسين ظروف العمل مما أدى في بعض الأحيان إلى احتجاجات مضادة. ويشكو التونسيون من سوء الخدمات العامة في أغلب المرافق مثل المستشفيات والنقل والإدارات العامة.

وخارج أحد مكاتب البريد الكبيرة بالعاصمة التي أغلقت لأيام بسبب إضراب هذا الشهر، حاول محتجون غاضبون اقتحام المكتب للمطالبة باستئناف العمل حتى يتمكنوا من سحب أموال. واحتج أيضا المئات من المتقاعدين ممن فشلوا في الحصول على معاشاتهم بسبب الإضراب.

وقالت سهام بن سالم وهي تبكي خارج مكتب البريد “لا يمكنني سحب 50 دينارا (17 دولارا) لقضاء شؤون عاجلة”.

وأضافت “العصابات، سياسيون ونقابات، سيطروا على البلاد وأصبحوا يتصرفون كأنها ملك خاص. هم فقط من استفادوا من الثورة وبقينا نحن نعاني الويلات”.

في الريف والمناطق النائية التونسية، يبدو أن الصخب السياسي الذي يطغى على العاصمة بلا معنى هناك، فكل هم سكان هذه الجهات هو تخفيف المعاناة من أوضاعهم الصعبة وعزلتهم.

وعلى بعد كيلومترات من فرنانة باتجاه الحدود الجزائرية، كان أهل وادي البربر يأملون في أن تجلب لهم الثورة المياه الصالحة للشرب وبقية مرافق الحياة الضرورية. لكن لسوء حظهم لا يزال يتعين عليهم ركوب الحمير لمدة ساعة كل يوم للوصول إلى البئر.

من يلتف إلى أوضاع هؤلاء
من يلتفت إلى أوضاع هؤلاء

وقالت نورة المشرقي (38 عاما) لرويترز بينما كانت بجانب عين تملأ منها الماء هي وقرويون آخرون “أعرف أن الرئيس مات، لكنني لا أعرف من هو الرئيس الآن. لا أحد يأتي هنا. لا قبل الثورة ولا بعدها”.

وتقطع نورة حوالي 10 كيلومترات يوميا على ظهر حمار لنقل الماء. وتقول إن طموحاتها بسيطة هي أن توفر لابنها وابنتها ما يلزم لمواصلة الدراسة.

وفي نفس المنطقة وعلى بعد كيلومترين فقط تقع ثلاثة أكواخ من الطين والقش، يسكنها ثلاثة أخوة من عائلة بن رباح مع زوجاتهم وأبنائهم في حياة تبدو معزولة تماما عن العالم وعن تونس وحتى عن فرنانة التي تقع على بعد 25 كيلومترا فقط.

هؤلاء يشربون مياها اختلطت بالتراب والحشرات وتنام كل أسرة منهم مكونة من ستة أفراد تحت سقف كوخ يكاد يسقط على رؤوسهم. الرجال عاطلون عن العمل يقضون يومهم في ملء المياه وزراعة بعض الخضروات والبقول ولا يجدون مالا لتعليم أطفالهم.

لكن رغم كل ذلك يقول أحمد بن رباح (49 عاما) إنه سيصوت في الانتخابات المقبلة، مع أنه لا يعرف أسماء السياسيين ولا برامجهم.

لذا سيسأل أحمد أهل القرية الذين يعرفون أكثر منه ليطلب رأيهم لمن سيصوت. مضيفا “سأصوت ولو كانت بارقة الأمل ضئيلة جدا.. من يدري”.

يتحدث أحمد بمرارة قائلا “في المرات القليلة التي شاهدت فيها التلفزيون، فهمت أن السياسيين لا يتحدثون عن أشخاص مثلنا”.

1