تونس تتأرجح بين الوعود الانتخابية وثوابت الدبلوماسية الكلاسيكية

ملامح سياسة خارجية غير واضحة في بداية ولاية الرئيس قيس سعيد.
الثلاثاء 2020/01/21
سياسة قائمة على الهدم وإعادة البناء

يُتم الرئيس التونسي قيس سعيد، الخميس القادم، مئة يوم منذ تسلمه سدة الحكم في قرطاج دون أن تتضح بعد الملامح العامة للسياسة الخارجية خاصة بعد تغيّب تونس عن مؤتمر برلين الذي ناقش الأزمة الليبية. ورغم أن عاملي التاريخ والجغرافيا يعطيان الأحقية لتونس لتكون حاضرة في أي مبادرة تتعلق بليبيا بالنظر إلى ما تكتسيه ملفات دولة الجوار من أبعاد أمنية واقتصادية، إلا أن تونس بدت مؤخرا خارج دوائر صنع القرار أو طرح المبادرات الرامية لتسوية سياسية بين الفرقاء في ليبيا، مما يؤكد وجود تخبط في الدبلوماسية التونسية التي بدت مرتبطة أيضا بتشكيل الحكومة الجديدة.

تونس – يومان فقط يفصلان الرئيس التونسي قيس سعيد على إتمام مئة يوم في قصر قرطاج وهو ما يدفع إلى تساؤل الرأي العام التونسي والطبقة السياسية عن كافة تعهداته في مجال صلاحياته الدستورية المرتبطة أساسا بحبك السياسات الخارجية للبلد.

تسلّم سعيد السلطة رسميا يوم 23 أكتوبر 2019 بعد أدائه اليمين الدستورية في البرلمان. وكشف في بيانه أمام نواب الشعب أن الدبلوماسية التونسية ستتمسك بالثوابت الكلاسيكية للدولة التي رسخت منذ دولة الاستقلال عام 1956.

وأكد سعيد في خطابه أمام البرلمان، أنه يسعى إلى إضفاء جرعة جديدة على الدبلوماسية التونسية قوامها المزيد من الانفتاح على العالم والعمل من أجل القضايا العادلة وأولها القضية الفلسطينية وخاصة نسج علاقات جديدة مع الدول الأخرى وفي مقدّمتها دول الجوار وبالتحديد ليبيا والجزائر.

ووعد الرئيس التونسي حتى قبل تسلمه الرئاسة أي خلال حملته الانتخابية أن أول زيارة سيقوم بها خارج البلاد ستكون إلى الجزائر وأنه سيلعب دورا هاما في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين في ليبيا.

لكن ما حصل خلال ثلاثة أشهر من رئاسة سعيد أن تونس تغيبت عن مؤتمر برلين الذي ناقش الأزمة الليبية، كما أن زيارته الأولى خارج البلد كانت وجهتها سلطنة عمان لتقديم واجب العزاء في وفاة السلطان قابوس بن سعيد.

مسؤولية مشتركة

أحمد ونيس: القطع مع سياسة قائد السبسي لا يخدم صورة تونس
أحمد ونيس: القطع مع سياسة قائد السبسي لا يخدم صورة تونس

يرى المتابعون في تونس أن قيس سعيد لا يتحمّل لوحده مسؤولية التخبط في عدم وضوح الدبلوماسية التونسية في عهده إلى حد الآن ويربطون هذا التعثر بفشل الأحزاب الفائزة في الانتخابات التشريعية في تشكيل حكومة جديدة تقود البلاد في الخمس سنوات القادمة.

ومنذ الانتخابات التشريعية، في 6 أكتوبر، لم تتشكل حكومة حتى الآن، ومن ثم لا يوجد بعد وزير خارجية قادرا على التنسيق بشأن علاقات تونس الخارجية.

ورفض البرلمان، في 10 يناير، منح الثقة لحكومة شكلها الحبيب الجملي، وقدمت أحزاب مرشحيها إلى سعيد، لتكليف شخصية بتشكيل حكومة جديدة.

وبعد فشل الجملي في تشكيل حكومته مرت تونس إلى السيناريو الدستوري الثاني الذي ينص على أن يكلف الرئيس الشخصية التي يرى فيها القدرة على تشكيل الحكومة.

ويؤكد العارفون بالدبلوماسية التونسية أن الأزمة السياسية المتعلقة بتشكيل الحكومة ساهمت في تعطيل خطط وتوجهات قيس سعيد، مرجحين أن سياسته الخارجية ستتضح أكثر بعد النجاح في تشكيل حكومة جديدة.

ورغم وجود إجماع على أن الخطابات السياسية التي أدلى بها سعيد بشأن الدبلوماسية التونسية تؤكد عدم حيادها عن ثوابتها الكلاسيكية، إلا أن تسرع الرئيس في إقالة وزير الخارجية خميس الجهيناوي أظهر عزمه على القطع مع السياسة التي توخاها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي.

ويقول الدبلوماسي التونسي السابق أحمد ونيس إن “البدء بعزل وزير الخارجية خميس الجهيناوي ووزير الدفاع عبدالكريم الزبيدي يظهر خلفه معارضة لسياسة الرئيس قائد السبسي، وهذا لا يخدم صورة تونس بالخارج”.

وتابع “ما يُفهم من هذه العملية يحط من جوهر الخيارات السياسية العميقة للرئيس السابق”. وقررت رئاسة حكومة تصريف الأعمال التي يقودها يوسف الشاهد، في أواخر أكتوبر، إعفاء الوزيرين الجهيناوي والزبيدي من مهامهما، بعد التشاور مع الرئيس سعيد، وعملا بأحكام الدستور.

واعتبر طارق الكحلاوي الرئيس السابق للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية (مؤسسة رئاسية)، أن “الحكم على السياسة الخارجية لسعيّد ومدى تطابقها مع ما وعد به في حملته الانتخابيه أو في خطابه الأول لا يزال مبكّرا”. وأضاف أن “سعيد بصدد صياغة وتحديد ملامح السياسة الخارجية، رغم وجود عوامل وملفات ضاغطة، منها المسألة الليبية”.

وأردف “هناك عوائق أمامه، فلا يمكن أن يُحدد سياسته الخارجية دون تركيز تشكيل حكومة ووزير خارجية ودفاع ومجلس أمن معطل، للتنسيق في مسائل عديدة تهم العلاقات الخارجية”.

 الملف الليبي وما يحمله من تطورات واحتراب بين حكومة الوفاق والجيش الوطني الليبي من أوكد الملفات التي أثارت الجدل في تونس في بداية عهدة قيس سعيد

ووجهت العديد من الانتقادات للرئيس سعيد خاصة بعد استقباله للرئيس التركي رجب أردوغان ورئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج بعد توقيع الأخيرين لاتفاقية عسكرية مثيرة للجدل.

كما استقبل سعيد رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا خالد المشري المحسوب على جماعة الإخوان دون أن يلتقي بأي طرف من ضفة الصراع الأخرى التي يمثلها المشير خليفة حفتر القائد العام  للجيش الوطني الليبي. ويرى المتابعون أن الرئيس الحالي دفع للقطع مع سياسة سلفه قائد السبسي الذي قدم في عام 2017 مبادرة ثلاثية هامة تضم كلاّ من تونس ومصر للبحث عن سبل إنهاء الأزمة الليبية.

لكن ورغم عدم الحضور في مؤتمر برلين وذهاب طيف واسع إلى التأكيد على أن الرئاسة مصطفة مع حكومة الوفاق الرافعة لشعار الشرعية، فإن الرئاسة التونسية أكدت في عدة بيانات وقوفها على الحياد بين طرفي النزاع. وقال ونيس إنه “من حسن حظنا أن سعيد واصل في الخيار الذّي بدأه الرئيس السبسي بشأن ليبيا، وهو خط الحياد، الخط الصحيح في الحرب”.

وتعليقا عن عدم مشاركة تونس في مؤتمر برلين الدولي بشأن ليبيارأى أن “جوهر السياسة والموقف التونسي سيكونان حاضرين بقوة في برلين”. وعقب اجتماعه بمجموعة من النخب وممثلي المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية، أصدر سعيد، في 23 ديسمبر “إعلان تونس للسلام”.

ويدعو الإعلان كل الليبيين للجلوس إلى مائدة الحوار بهدف التوصل إلى صيغة توافقية للخروج من الأزمة، ضمن الاتفاق السياسي الداخلي (لعام 2015)، واحترام الشرعية الدوليّة، والانتقال منها إلى الشّرعيّة الشعبية.

بينما رأى الكحلاوي أن “السياسة التونسية في ليبيا تميزت منذ سنوات بالغياب أو الحضور الدبلوماسي الضعيف، ولا يوجد تشبيك علاقات ولا استثمار لموقع جيوسياسي”.

العلاقات مع أوروبا

طارق الكحلاوي: الحكم على دبلوماسية قيس سعيّد لا يزال مبكّرا
طارق الكحلاوي: الحكم على دبلوماسية قيس سعيّد لا يزال مبكّرا

أثيرت في بداية عهدة سعيد الكثير من الأسئلة حول مصير العلاقات مع الشريك الأوروبي خاصة بالرجوع إلى حملة سعيد الانتخابية التي تميزت بخطابات منتقدة لطبيعة العلاقة خاصة مع فرنسا التي طالبها في أكثر من مرة بالاعتذار عن سنوات الاستعمار وإعادة مراجعة الكثير من الاتفاقيات الخارجية.

واعتبر ونيس أن “تونس لا تزال، بالنسبة للعواصم الكبرى وخاصة الاتحاد الأوروبي، نقطة استفهام، فقائد السبسي كانت صلة وثيقة بتلك الدول”.

واستدرك “لكن المنظومة الجديدة ما زالت نقطة استفهام، وبمجرد تشكيل الحكومة الجديدة، ستسعيد الدولة مكانتها وتقديرها”.

وتابع “ما سمعناه في خطاب التنصيب ليس فيه جديد بالنسبة للخيارات الدبلوماسية التونسية، بل لمسنا فيه أولوية للعالم العربي وفلسطين، وتونس دائما ما كانت في صدارة ذلك”.

وتصاعد الجدل مرة أخرى، الاثنين، بعد ورود تقارير إعلامية متطابقة تحدثت عن إمكانية واردة لتغيب الرئيس التونسي عن مؤتمر دافوس الاقتصادي.

ومن بين انتظارات التونسيين من مؤتمر دافوس  الاقتصادي أن يطرح الرئيس قيس سعيد موضوع الأليكا (اتفاقية التبادل الحرّ المعمق والشامل مع أوروبا).

ويحذر تونسيون من أن الاتفاقية، التي كان مقررا توقيعها أواخر 2019، ستؤثر سلبا على الفاعلين الاقتصاديين التونسيين في قطاعي الخدمات (البنوك، التكنولوجيا، الصحة، الاستشارات المختلفة، المطاعم والترفيه والسياحة) والفلاحة، ما قد يترتب على ذلك من عوائق كبيرة على راسها  البطالة وغلق لمؤسسات صغرى ومتوسطة، إضافة إلى تأثيره على الأمنين الغذائي والطاقي.

6