تونس تعجز عن ردع لوبيات تهريب السجائر

ازدهار بيع السجائر في الأسواق الموازية وانتشار مستودعات التخزين في الأحياء الشعبية دليلا على عجز الجهات الرقابية في مواجهة ظاهرة التهريب.
الأربعاء 2019/10/09
قصة الشاب التونسي مع السجائر لا تنتهي

  تونس - سلط غياب أنواع أصلية من السجائر في السوق الرسمية التونسية خلال الأسابيع القليلة الأخيرة الضوء مرة أخرى على لوبيات التهريب والاحتكار، التي باتت المتحكم الأول في مزاج التونسيين.

ويقدم ازدهار بيع السجائر في الأسواق الموازية وانتشار مستودعات التخزين في الأحياء الشعبية دليلا على عجز الجهات الرقابية في مواجهة ظاهرة التهريب.

وغير بعيد عن شارع الحبيب بورقيبة، المعلم الرئيسي للعاصمة، يظهر بائعو السجائر المهربة وهم منتشرون بين الشوارع الفرعية، وسط غياب مصالح الشرطة البلدية أحيانا.

ويستنكر خبراء استمرار هذا الأمر، لأن عملية الإنتاج في القطاع هي حكر على الدولة، وأن المنتجات مسعّرة ومحددة مسبقا من وزارة المالية، وأن تجارتهم خارج القانون تستنزف إيرادات الموازنة العامة للدولة.

ولمواجهة منافسيهم في السوق السوداء، اضطر البعض من تجار السوق الرسمية إلى مخالفة القوانين من خلال اللجوء إلى رفع الأسعار من تلقاء أنفسهم، وهو ما تسبب بتذمر المستهلكين.

ولاحظت “العرب” اختفاء العديد من أصناف السجائر وارتفاع الأسعار لدى التجار الرسميين بنحو 20 بالمئة تقريبا للأنواع المستوردة، في حين تتراوح الزيادة بين 10 و15 بالمئة للعلامات التجارية محلية الصنع.

وتدحض هذه الوضعية، التي تفاقمت منذ 2011 بشكل كبير كافة تأكيدات السلطات بأن الأمور تحت السيطرة، خاصة بعد أن استنزفت هذه التجارة ملايين الدولارات كانت يفترض أن تذهب إلى خزينة الدولة.

لكن المدير العام للإدارة العامة للديوانة (الجمارك)، يوسف الزواغي، يؤكد أن بلاده تسعى بكل الطرق والوسائل إلى مكافحة التهديدات الناجمة عن التهريب عموما، وتهريب السجائر على وجه التحديد.

وألحقت تجارة السجائر المهربة ضررا كبيرا بالصناعة المحلية، وأدت إلى تضاؤل حجم الإنتاج لمستويات قياسية أدخل الوكالة الوطنية للتبغ والوقيد الحكومية والشركات الأخرى في أزمة خانقة.

وتشهد الوكالة المملوكة للدولة صعوبات مادية كبيرة يُرجح أنها قد تؤثر على مستقبلها، وبات وجودها مهددا بعد أن عجزت إدارتها عن إيجاد حلول لإنقاذ الصناعة المحلية من التدهور وتصريف كميات السجائر.

وتؤدي ظاهرة تهريب السجائر إلى ارتفاع الأداء على القيمة المضافة وزيادة نفقات الصحة العامة، جراء استهلاك سجائر لا تستجيب للمواصفات الدولية.

وتشير التقديرات إلى حوالي 25 مليون علبة سجائر مهربة تدخل الأسواق شهريا، ما يعني 300 مليون علبة مهربة سنويا، الأمر الذي يكبد قطاع صناعة السجائر خسارة تتجاوز 250 مليون دولار.

وتظهر بيانات لوزارة التجارة والصناعة أن تونس تكبدت ذلك المبلغ في 2015 وحده، وأشارت إلى أن التجارة الموازية في هذا القطاع تشكل نحو 40 بالمائة.

ويشكك خبراء في تلك الأرقام، لاسيما مع استمرار بيع السجائر المهربة على قارعة الطريق بشكل مفرط وعدم وجود إرادة قوية لإنهاء هذه الفوضى التجارية.

وكانت شركة بريتش أميركان توباكو البريطانية قد كشفت في دراسة قبل أربع سنوات أن تهريب السجائر يكلف الاقتصاد التونسي أكثر من نصف مليار دولار سنويا، حيث يتم استغلالها من قبل عصابات الجريمة المنظمة والتنظيمات الإرهابية.

وتكافح الجمارك للتصدي للمهربين، لكن جهودها تبدو غير كافية خاصة بعد أن أعلنت عن إحصائيات تظهر أنه تم حجز بما قيمته 6.33 مليون دولار في الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري.

ويؤكد عادل الجديدي، رئيس وحدة الاتصال في الإدارة العامة للديوانة، أنه تم حجز 70 بالمئة من السجائر المهربة بولايتي مدنين وتطاوين جنوب البلاد، أما النسبة المتبقية فتتوزع على إقليم تونس الكبرى وبنزرت ونابل وقابس وسيدي بوزيد.

اختفاء أصناف عديدة من السوق الرسمية سمح لتجّار بزيادة أسعار أنواع أخرى بنحو 20 بالمئة

وتظهر بيانات معهد الإحصاء أن أعلى نسبة تضخم خلال الشهر الماضي تم تسجيلها في قطاع التبغ والسجائر، وتقدر بنحو 23.6 بالمئة.

ونسبت وكالة الأنباء التونسية الرسمية إلى الخبير في مجال المحاسبة، وليد بن صالح، تأكيده أن عشرات المليارات ذهبت إلى جيوب المهربين في ظرف بضعة أسابيع.

وأشار إلى أن موازنة العام الجاري لم تنص على زيادة الرسوم في هذا المجال، وهو ما استغله التجّار لزيادة أرباحهم دون سند قانوني.

وفي ظل تفاقم تداعيات ظاهرة التهريب على الاقتصاد التونسي عموما، ينبه الخبراء الاقتصاديون إلى ضرورة مكافحة هذه الظاهرة للحد من خطورتها على الاقتصاد والجباية.

ووضعت مصلحة الجمارك خطة لمكافحة التهريب، عبر تعزيز الانتشار الميداني بمعدل 3 آلاف دورية تجوب شهريا كامل البلاد، فضلا عن الوحدات المختصة في النقاط الحدودية.

ويقول المتحدث باسم الجمارك، هيثم الزناد، إن الخطة تعتمد على الاستعلامات وتدعيم إمكانيات إدارة الأبحاث مع تعقب شركات التهريب العالمية، علاوة على الاستشعار المسبق وتكثيف التعاون مع الشركاء المحليين والدوليين.

وتستهدف تونس التقليص من حجم الاقتصاد الموازي من 50 إلى 20 بالمئة بحلول العام المقبل، وهو أمر يرى خبراء اقتصاد أنه من الصعب تحقيقه خاصة في ظل التجاذبات السياسية التي لم تنته.

10