جمع شتات المسنّين والأيتام معا ضمانة لاحتواء أسري مفقود

دمج الكبار مع الأطفال في مؤسسة واحدة يقوي روابطهم الإنسانية.
السبت 2021/01/16
حفاظ على نفسية الكبار والصغار معا

بدأت مصر تتوسع في دمج الأطفال الأيتام ومجهولي النسب والمشردين مع المسنين في دور رعاية اجتماعية واحدة تحت عنوان “الأسرة المفقودة”، حيث يعوض كلاهما الآخر بما يحتاجه من احتضان عائلي ودفء أسري، دون عزل الأجداد والجدات والأطفال وجعل كل فئة منهم في مكان مستقل، فلا أحد يسأل عنهم أو يختلط بهم، ليتركوا في عزلة لا يعيشون إلا مع نفس الفئة التي ينتمون إليها.

بدأت تجربة دمج الأطفال الأيتام ومجهولي النسب والمشردين مع المسنين بدار رعاية واحدة في محافظة الشرقية شمال العاصمة المصرية القاهرة، وتبين لوزارة التضامن الاجتماعي أن نتائج هذا فاقت التوقعات، وقررت التوسع في تطبيق هذه التجربة على الكثير من دور الرعاية الاجتماعية، طالما أن الهدف إنساني بحت وهو الحفاظ على نفسية الكبار والصغار معا.

وما زال الدمج بين المسنين والأيتام في مؤسسة واحدة فكرة بعيدة عن التطبيق في الكثير من الدول العربية، وذلك لأسباب ترتبط بالمخاوف من تبعات الخطوة، وعدم وجود شخصيات مؤهلة ومدربة على التعامل مع الطرفين، وإمكانية عدم تقبل أيّ من الفئتين العيش مع الآخر تحت سقف واحد، بحكم أن لكل طرف متطلبات معينة.

وتقْدم بعض المؤسسات الاجتماعية على القيام بتنظيم لقاءات دورية بين كبار السن والأطفال المقيمين في دور الرعاية، ويحدث دمج مؤقت ليوم أو اثنين أسبوعيا، وبلا إقامة دائمة للطرفين معا. وهذه استراتيجية مفعلة في الإمارات والسعودية والمغرب، حيث يتم التواصل والتلاحم بين الفئتين لتبادل مشاعر الحب والألفة.

وتعتبر كندا أول دولة تطبق سياسة الدمج بين المسنين والأيتام والأطفال المشردين في مؤسسة واحدة، ثم اتسعت الفكرة ليتم تطبيقها في دول أخرى. وميزة التجربة المصرية الجديدة أن مسؤولي دور رعاية كبرى وبعض المعنيين بحقوق الأطفال والمسنين، زاروا بعضا من هذه الدول للاطلاع عن قرب على طريقة الدمج والوقوف على فرص نجاحها، وتقويض النتائج السلبية.

وتجاوب عدد من المؤسسات الاجتماعية الخاصة مع التجربة، لكن بشكل أقرب للإقامة الدائمة بين كبار السن والصغار، بمعنى أن يكون هناك تعايش كامل في المسكن وتناول الطعام ومساعدة كليهما الآخر، حتى في أوقات التسلية وممارسة الرياضات البسيطة يتشاركان في كل شيء بعيدا عن كونهما بلا أسرة تسأل عنهما.

فكرة الدمج أثبتت فاعليتها في كل الدول التي طبقتها، لأن الطرفين يعوضان بعضهما في كل أوجه النقص

وقالت هالة حماد خبيرة علم الاجتماع، إن فكرة الدمج أثبتت فاعليتها في كل الدول التي طبقتها، لأن الطرفين يعوضان بعضهما في كل أوجه النقص مثل العاطفة والحب والمودة والاحتواء الأسري، باعتبار أن كليهما يعيش وحيدا.

وأضافت لـ”العرب”، أن أي شخص وصل إلى مرحلة متقدمة من العمر ويقيم في دار رعاية خاصة في أشد الاحتياج لشخص جديد في حياته يشغله ويحبه ويهتم به دون مقابل، ووجود طفل صغير معه طوال الوقت يجعله أكثر قدرة على صقل مهاراته البدنية والذهنية حتى لا يتأثر بالوحدة، وبمرور الزمن قد يفقد الذاكرة وينطوي على نفسه ويصاب بالاكتئاب.

ولفتت إلى أن المسنين بطبيعة حالهم، وتحديدا من تدفعهم قسوة الظروف للعيش في دور رعاية، يتشوقون لمن يُشعرهم بالمسؤولية، ويعيد إليهم قيمة الحياة، لأنهم بمجرد دخولهم المؤسسة الاجتماعية يفقدون أي أمل في البقاء أحياء. أما لو أقام معهم أطفال يتنامى لديهم الإحساس بقيمة أنفسهم، وسيشعرون بأن حياتهم لها معنى وهدف.

ولدى بعض المؤسسات الاجتماعية التي تطبق الفكرة أهداف أخرى من الدمج، كأن يكون وجود الأطفال مع المسنين بمثابة طريق أمثل لشفائهم بدنيّا من صعوبة الحركة، فبدلا من تلقيهم العلاج الطبيعي الذي يساعد على تحريك أعضاء الجسد، يقوم الصغار بهذه المهمة من خلال دفع الكبار إلى ممارسة نشاطات بدنية بالتفاعل معهم والتسلية.

ويزداد احتياج الكبار والصغار في دور الرعاية للعيش معا في ظل عدم وجود أسر تسأل عن الطرفين أو تهتم بالتواصل معهم، بالتالي فالدمج يضمن أن تكون هناك عائلات صغيرة مكونة من جد وجدة وطفل، ويتبادل كل منهم الحديث مع الآخر، ويعوضه عن الحنان والاحتواء المفقود ويمنحه مشاعر إنسانية إيجابية.

كندا تعتبر أول دولة تطبق سياسة الدمج بين المسنين والأيتام والأطفال المشردين في مؤسسة واحدة، ثم اتسعت الفكرة ليتم تطبيقها في دول أخرى

وأشارت هالة حماد لـ”العرب”، إلى أن المسنين والصغار عندما يعيشون معا لا يبالون بسؤال الأقارب عنهم أم لا، فقد وجدو البديل في ظروف مماثلة، وغالبا ما تكون المشاعر صادقة وبعيدة عن التزييف والكذب والنفاق، بعكس بعض أبناء المسنين مثلا، فإنهم يسألون عنهم بدافع تأدية الواجب وليس بغرض العاطفة.

وإذا كان الكبار يعوضون وحدهم بالصغار، فالأطفال في هذا المكان يشعرون بأن معهم الأهل والسند، فهناك جدة تحكي حكايات وقصصا قديمة وجذابة وتنقل إليهم خبرات حياتية يصعب أن يقتربوا منها طوال فترة إقامتهم بالمؤسسة الاجتماعية، وتمدهم بكل ما يحتاجونه من معلومات ومشاعر نبيلة، فضلا عن حنان الأمومة المفقودة.

ويرى مؤيدون للفكرة أن دور الرعاية، ولو كانت مهتمة بالأطفال لأقصى درجة وتوفر كل شيء لتعويضهم عن الاحتواء الأسري، فإقامتهم مع الأجداد والجدات توفر الدفء بعيدا عن المكسب المادي. ففي النهاية كل استشاري اجتماعي أو نفسي في المؤسسة يقوم بدوره مقابل راتب، أما الكبار فيحتضنون الصغار بدوافع أبوية.

ويقول هؤلاء، إن الفئة الأَولى أن يقيم معها أطفال ويتعايشون معا تحت سقف واحد، هم المسنون الذين لم يُكتب لهم أن يُنجبوا وعاشوا حياتهم قبل وصولهم إلى المؤسسة الاجتماعية بدون ابن أو عائل، ويمثل وجود الصغار في حياتهم أفضل تعويض عن الفترة التي قضوها بلا أبناء يمنحونهم عاطفة افتقدوها لسنوات طويلة.

وأكد أحمد مصيلحي رئيس شبكة الدفاع عن الطفل المصري، أن الصغار بطبيعتهم يدخلون في حالة نفسية سيئة ويرفضون تقبل الإقامة الدائمة بمؤسسة اجتماعية عندما يصلون إلى سن معينة، ويطلبون الانتقال إلى حياة بها احتكاك مع المجتمع، ووجود المسنين في حياتهم يزيد بداخلهم الشعور بالطمأنينة.

وأوضح لـ”العرب”، أن الخوف الوحيد لدى بعض الحكومات للتوسع في الدمج بين مؤسسات الأطفال والمسنين، أن تكون هناك صعوبة في التأقلم، أو تصعب السيطرة على تصرفات شريحة من الصغار ليتنمّروا بكبار السن ويسخرون منهم، وفي هذه الحالة قد يتم تدمير نفسية المسن الذي لن يستطيع مجاراة الصغير في نفس السلوك.

21