جميل بعذابه أيضا

الرسم التشخيصي مصدر جزع لإنسانية صارت تفكّر بكرامتها المهدورة.
الاثنين 2021/10/11
فرانسيس بيكون أثبت أن التشخيص لم يستنفد أغراضه

ساد النصف الثاني من القرن العشرين تصوّر خاطئ يقوم على فرضية انتصار الأسلوب التجريدي في الرسم على الأسلوب التشخيصي. يومها كانت التجريدية التعبيرية بنسختها الأميركية قد اكتسحت العالم بقوة الإعلام الأميركي.

كان هناك مارك روثكو، وليام دي كوننغ، جاكسون بولوك، جاسبر جونز وروبرت روشنبرك، بتجاربهم التي طغت على سواها في أسواق الفن وفي المتاحف وفي صالات العرض. لقد بيعت أعمالهم أثناء حياتهم بالملايين من الدولارات.

ولكن ذلك لم يكن المشهد التشكيلي العالمي كله. لقد التهم فن البوب “الشعبي” جزءا مهما من المشهد الذي سطت الفنون البصرية بصيغتها المعاصرة كفن المفاهيم والتجهيز وفن الفيديو هي الأخرى. غير أن ما لا يجب إنكاره أن ذلك الزمن لم يكن حكرا على التجريد أو الفن الشعبي ممثلا بأيقونته أندي وارهول.

كان هناك رسامون تشخيصيون عظام حرصوا على أن يكون الإنسان هو موضوعهم المثالي، يقف في مقدّمتهم النمساوي البريطاني لوسيان فرويد (1922-2011) والأيرلندي البريطاني فرانسيس بيكون (1909-1992). وهما صديقان يمكن إضافة صديقهما الثالث ديفيد هوكني إلى قائمة الرسامين التشخصيين.

وإذا ما كان فرويد وهو بالمناسبة حفيد عالم النفس المشهور سيجموند فرويد قد انتهى رساما للوجوه “بورتريه”، وكان قد رسم بورتريه صغير لملكة بريطانيا، فإن فرانسيس بيكون كان تشخيصيا بطريقة تغلب عليها القسوة. لقد عالج بيكون الظاهرة البشرية من خلال أبعادها التجريدية وفي مقدّمة تلك الأبعاد يقف الألم.

رسم بيكون البشر وهم يتألّمون. لن يكون الرسم التشخيصي سوى مصدر جزع لإنسانية صارت تفكّر بكرامتها المهدورة.

التشخيص لدى بيكون كان مناسبة لتحدّي معنى أن يكون الكائن إنسانا في عالم لا يعترف بإنسانيته. لقد ورث بيكون نداءات المعذّبين في الأرض القادمة من مختلف الجهات والعصور وصبّها في قالب جحيمي يفصح عن ديمومة العذاب، وفي المقابل فإنه يثني على قوة الإنسان ومقاومته وعدم استسلامه.

تأثير فن بيكون كان عالميا، حيث تخطى الفن الغربي إلى فنون الأمم الأخرى. وعلى مستوى تقني أثبت بيكون أن التشخيص لم يستنفد أغراضه، فهو باق بقاء الإنسان.

16