جنرالات بدينون ومنحوتات فولاذية

المنحوتات الفولاذية تحيلنا إلى صور كالحة لجيش من مخلوقات حجرية خارقة خارجة عن منطق وهشاشة الحياة البشرية.
الجمعة 2020/02/14
جيش بشري من جدران مصفحة

إن صادف مرورك أمام واجهة صالة “أجيال” الفنية بالعاصمة اللبنانية بيروت، ستلفت نظرك مجموعة منحوتات فولاذية مهمة حضرت على هامش الثورة اللبنانية والعراقية على السواء كطلاسم فنية/ سحرية معنية بكل ما يجري على أرض الوطن.

ستقف طويلا أمام الواجهة، مستغربا افتتاح الصالة لمعرض فني في ظل ظروف قاسية تنذر باستمرارها لفترة طويلة.

كان لهذا المعرض عنوان مغناطيسي “آخر الجنرالات”. عنوان كفيل بأن يستقطب انتباه وحضور كل مهتم بالفن المشحون بالآزمات السياسية والأمنية.

أما “اقتراح” كون هؤلاء الجنرالات غليظي البنية والروح هم “آخر” الجنرالات، كما يشير إلى ذلك عنوان المعرض الحاضر إلى جانب المنحوتات في واجهة الصالة، فله جاذبية قصوى لناحية قابليته الشديدة بأن يشكل نوعا من القراءة المستقبلية في أحوال جنرالات الموت بأشكاله المتنوعة، والذين سينقلب الزمان عليهم ناهضا من عجينة برونز الفنان العراقي معتصم الكبيسي.

عجينة مدعومة بمواد الأكسدة التي استخدمها الفنان كي يعطي تنويعات لونية مختلفة لمنحوتاته تراوحت ما بين تدرجات اللون البني والأخضر والأسود “المُعتق”، إن صحّ التوصيف.

وأشار بيان صالة “أجيال” إلى أن المعرض يضم “تماثيل برونزية لشخصيات في أوضاع كاريكاتيرية ممتلئة الجسم، ومشوهة، وخبيثة، وسخيفة منذ غزو العراق، حيث أصبح عمل الفنان، مثلما حياته الشخصية، يستند إلى مواجهة طغيان آلة القتل”.

واللبناني الفضولي سيدخل إلى الصالة الفنية وستأسره الأعمال الفنية المعروضة، والتي تضم أكثر من ثلاثين عملا نحتيا بأحجام مختلفة تسرد مشاهد من الحياة الوجدانية والعملية لجنرالات أشداء.

غير أنه سيتناسى أو ينسى الخلفية التاريخية لهذا المعرض وكونه مستوحى من غزو أميركا للعراق وتواطؤ أفراد من الداخل العراقي معها، وسيجد في المعرض كل ما يصارع هو ضده في ساحات الثورة عاريا من الأسلحة غير الإيمان بمبادئ الثورة والصبر ضد ما يشيّد أمامه من جدران افتراضية وواقعية رفعتها ولا تزال السلطة لتزيد من “عجينة” الفساد التي لاكت بها لبنان أكثر من ثلاثين سنة.

أول ما يبهر في أعمال معتصم الكبيسي هو استطاعته أن يشيّد أجسادا مضغوطة كجدران إسمنتية تقف حينا أفرادا معزولة عن بعضها البعض ومُدرعة بلباس عسكري مُحكم الإقفال يوحي باستحالة اختراقه، وتقف حينا آخر مجتمعة كأدوات القتل وكمؤامرة وحدتها المصلحة المشتركة لهؤلاء الجنرالات.

أجساد مضغوطة كجدران إسمنتية
أجساد مضغوطة كجدران إسمنتية

قد يجد بعض النقاد أن الفنان توجه بعيدا عن الواقع لينحت هامات برونزية رمزية أكثر منها واقعية، غير أن زائر المعرض الذي هو على تماس مباشر وآني مع مأساته سيشعر إما أنه يتجول ما بين هؤلاء “الجنرالات” الواقعيين جدا وهم يتحركون على أرض الواقع، وإما أنه  في حالة تصفح للأخبار اليومية عن تدميرهم الوطن، لا بل لمفهوم الوطن، على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي.

أما المشاهد البسيطة التي ارتأى الفنان العراقي أن يصوّرها كجنرال يدفع أمامه عربة أطفال أو كآخر جالس على كرسي يتغوّط، فقد يرى فيها البعض نوعا من الكوميديا السوداء. لكن وعلى الأرجح، أن أصحاب الجرح الحي، لن يعثروا على أي فكاهة في الأمر، وإن كانت مجبولة بنبرة سوداء، بل سيجد فيها اجتياح الهمّ لجميع مرافق الحياة اليومية الروتينية حد الاختناق. وسيجد فيها كما ذكرنا آنفا أشكالا متنوعة من موت بطيء منشغل بتفعيل فصوله، وكأن شيئا لم يكن.

كما يحيلنا جنرالات معتصم الكبيسي إلى صور كالحة لجيش من مخلوقات حجرية خارقة خارجة عن منطق وهشاشة الحياة البشرية، تسيّرها طاقة شريرة ما، كما في مشاهد سينمائية من أفلام الرعب والخيال العلمي.

غير أن الفنان العراقي يطمئننا، كما يكشف من خلال عنوان معرضه، بأنهم جنرالات النهاية. نعم، هنيئا لنا. إنهم آخر الجنرالات التي علينا مواجهتهم والثورة عليهم. ولكن من ناحية أخرى يمكن أن تكون هذه المنحوتات التي تملك العديد منها وجوها مخيفة لجماجم بشرية، هي إعلان عن بداية نهاية الحياة البشرية.

أغلب الظن أن الفنان يتيح لنا فرصة أن نستقرأ ما تشير إليه منحوتاته، كما يحلو لنا، أي أن نكون على يقين عجائبي بأن أصحاب تلك الهامات البشرية المرعبة والمستطيلة والمكتنزة هولا ستتحوّل في لحظة ما غير متوقعة إلى رماد مُذرّى في مهب رياح الثورات المُحقّة.

17