جورج دورينياك فنان فرنسا المنسي يستعيد ألقه في معرض باريسي

دورينياك فنان شهد له رفاقه بالتفرد، ولكن الحظ لم يسعفه، لا في حياته إذ عاش فقيرا وقضى فقيرا، ولا بعد مماته.
الاثنين 2019/09/16
أسلوب فريد في الرسم أشبه بالنحت

يحتفي متحف مونمارتر بالعاصمة الفرنسية باريس بفنان طوى النسيان ذكره هو جورج دورينياك، هذا الذي قال عنه رودان إنه ينحت رسومه. فرغم انتمائه إلى مدرسة باريس، وإنجازه أعمالا بأسلوب متفرد، لم يُنظَّم له أي معرض منذ قرابة قرن.

 لم نصدق أن آخر معرض أقيم لجورج دورينياك (1879-1925) كان عام 1928، وهو الذي كان صديقا لموديلياني ورودان وسوتين، وكان إلى ذلك عضوا في ما سمّي بمدرسة باريس، وشارك في صالون الفنانين المستقلين. والسؤال الذي يطرحه اليوم الكثير من زوار معرضه في متحف مونمارتر الباريسي، أي في الحي الذي قضى فيه جانبا من حياته: كيف اختفى فنان بهذه القيمة من الذاكرة الفنية الجمعية؟

ولد دورينياك في بوردو حيث التحق في سن الثالثة عشرة بالمدرسة المحلية للفنون الجميلة، ثم انتقل إلى باريس لينخرط في المعهد الوطني للفنون في مرسم ليون بونّا (1833-1922) الذي كان يلقب برسام البورتريهات الأول في الجمهورية الثالثة، ولكنه لم يبق فيه سوى ستة أشهر، غادر إثرها المرسم ليبدأ مسيرته كفنان مستقل، حيث تميزت أعماله الأولى باستلهام منجزات الحركة الانطباعية، ومؤثرات المدرسة الإسبانية.

أقام أول الأمر في هضبة مونمارتر الشهيرة، وبدأ يسجّل حضوره في الساحة الفنية، خصوصا بعد مشاركته عام 1902 في صالون الفنانين المستقلين الذي كان يرأسه بول سينياك، ثم انتقل إلى إحدى ضواحي باريس الشمالية (فرنوي سور سين)، حيث أنجز عدة أعمال في الرسم والنقش والزخرف والخزف، متأثرا بأعلام بارزين في ذلك الوقت، أمثال أوجين كاريير، وجان فرنسوا مِيّي، ورودان، إلى جانب سينياك.

وبقي فيها إلى أن سلبه أحد المتحيّلين ما جمّعه طيلة أربعة أعوام، وكان يؤمل بيع بعضا من تلك الأعمال ليضمن عيشه، ما اضطره إلى الانتقال إلى باريس حيث أقام في حي مونبرناس، وكان مركز الحركات الفنية والأدبية في ذلك الوقت.

هناك خالط عدة فنانين وربطته صداقة متينة بموديلياني وشاييم سوتين، وسرعان ما غيّر أسلوبه بشكل جذري، إذ تخلّى عن اللون، وبدأ مرحلته السوداء التي اشتهر بها، والتي تميّزت بوجوه ومناظر عري في لون الأبنوس، باستعمال قلم الفحم، والحبر الدهني. وكان في موازاة ذلك يشتغل على عدة مشاريع كالسجاد، والخزف، وزجاج الكنائس، حول ثيمات مقدسة أو مدنسة، يستلهمها من العصور النورماندية والوسطى والقوطية، كلما أنجز لافتة صالون الخريف عام 1922 ليكشف عن وجه آخر من موهبته.

وتميز دورينياك عن التيارات الفنية السائدة في عصره بأسلوب اختطّه لنفسه، واعتمد أساسا على رسم الجسد في شتى وضعياته، بالدهن الزيتي والأصباغ المائية في البداية، ثم باستعمال قلم الفحم الذي يسمح بالحصول على ألوان سوداء عميقة، تعكس نوعا من اللمعان والتألق، وتعطي انطباعا بالرقة والنعومة.

وفي هذه الأعمال، يقترح دورينياك أجسادا موتورة، منحنية، ينظر إليها في الغالب من خلف، وتبدو في لون الأبنوس، تحت ضوء خافت، مؤطرة بشكل يجعلها تجريدية تقريبا، وهو ما أسماه النقاد بالتقنية الغسقيّة. وكان يمكن أن يمضي بعيدا في تجاربه الجريئة والمتميزة، لولا الموت الذي باغته وهو في سن الخامسة والأربعين.

فنان قال عنه رودان إنه ينحت رسومه
فنان قال عنه رودان إنه ينحت رسومه

كانت مسيرته تبشّر بمستقبل واعد، وهو الذي دأب على تجديد أساليبه، وتنويع أعماله، ولكن الموت كان راصدا له، إذ توفي عام 1925 عقب قرحة في المعدة. في العام الموالي، أي عام 1926، أقيمت له أربعة معارض، عقبها معرض استعادي في غاليري مارسيل بيرنهايم عام 1928، قبل أن يطوي النسيان خبره نهائيا، وكأنه لم يعش ولم ينتج، لاسيما أن مراسلاته كلها ضاعت، وأن أعماله لا تزال متناثرة ولم يقع رصدها كلها.

وهذا المعرض، الذي أراده المشرفون على متحف مونمارتر الفرنسية بباريس ردَّ اعتبارٍ لفنان مهضوم الجانب، يضم أكثر من ثمانين عملا فنيا من لوحات ورسوم مائية، وبورتريهات مطلية بالأحمر أو مرسومة بقلم الفحم، أنجزها دورينياك ما بين عامي 1901 و1924، أغلبها لم يسبق عرضه إطلاقا.

وخصّص القسم الأول للمرحلة الانطباعية حينما بدأ دورينياك يقلد أساتذته برسم بوتريهات أسرته على طريقتهم، ويتلمّس مسارا خاصا يميّزه عنهم. وهو ما نلاحظه في القسم الثاني الذي حوى نحو خمسين عملا، أهمها “أوراق بالأسود”، وسلسلة الأقنعة والوجوه، وسلسلة العمال، وسلسلة الراقصات، وسلسلة العري.

وقد وضعت أعمال القسمين في موازاة أعمال الأساتذة الذين أخذ عنهم أو استلهم منهم، أمثال سينياك وكاريير وخاصة رودان، الذي قال عن دورينياك “إنه ينحت رسومه”، ملمحا بذلك إلى معرفته التامة بتكوين الجسد، وموهبته في رسم تفاصيله، كحصيلة لما تعلمه في معهد الفنون الجميلة على يدي أستاذه ليون بونّا.

وأما القسم الثالث فخصّص للمشاريع الزخرفية التي أعدها الفنان للزرابي والخزف والزجاجيات وحتى الفسيفساء، والطريف أنها تختلف جذريا عن بقية أعماله. ويتواصل المعرض خارج المتحف، في كنيسة سان فرنسوا داسيز التي تقع بجواره، حيث تعرض لوحة ضخمة لدورينياك بعنوان “المسيح مصلوبا”.

هو فنان شهد له رفاقه بالتفرد، ولكن الحظ لم يسعفه، لا في حياته إذ عاش فقيرا وقضى فقيرا، ولا بعد مماته.

16