جولة استعراض للقوة الصينية في الشرق الأوسط

بكين حافظت على الحياد مع كافة دول المنطقة بعدم إثارة أي غضب إقليمي.
الجمعة 2021/04/16
نظرة مغايرة للمنطقة

تدخل الصين آخذ في الترسّخ في الشرق الأوسط، وجولة وزير خارجيتها في ست دول بالمنطقة مؤخرا كان دليلا قاطعا على ذلك، حيث تشمل أهداف بكين، إلى جانب الوجود الأمني في الخليج العربي وتعزيز العلاقات مع إيران وتركيا، رفع مستوى الزيارات الدبلوماسية وإقامة مشاريع اقتصادية جديدة طموحة مقترنة بالرغبة في ممارسة المزيد من النفوذ العالمي ليس فقط بحثا عن شراكات تجارية بل عن شراكات استراتيجية أيضا.

لندن - نجح رئيس الوزراء الصيني وانغ يي في جولاته السريعة التي استغرقت أسبوعاً أواخر مارس الماضي زار خلالها ست دول في الشرق الأوسط خلال سبعة أيام عقد خلالها اجتماعات مع المسؤولين الخليجيين والأتراك والإيرانيين، وسارت الأمور بسلاسة كما كان يأمل رئيسه شي جين بينغ.

وأثناء زيارته إلى السعودية والإمارات والبحرين وسلطنة عمان وتركيا وإيران، بدا وانغ يي سعيدا للغاية، وكان مبتهجا في الصور التي تم التقاطها مع مختلف القادة، لاسيما وأنه أنهى جولة استعراض للقوة الصينية بعد أن وقع اتفاقًا ضخمًا مع طهران وعزّز العلاقات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية في كل مكان ذهب إليه.

ترسيخ الروابط مع الخليجيين

بدأ وانغ يي العمل في نيوم، مدينة المستقبل التي لا تزال قيد الإنشاء والتي تبلغ تكلفتها نصف تريليون دولار.

بكين تتطلع لبناء علاقات مع مختلف دول المنطقة ولكن مع اتساع رقعة تواجدها الإقليمي، قد تجد نفسها تتلقى الضغوط

وكان مضيفه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وقد دارت النقاشات في الغالب حول العلاقات الثنائية، لكن بالنسبة إلى الصين، كان الأهم هو أن السعودية كانت تتفق معهم بشأن قضية معاملتهم للأويغور المسلمين.

وبغض النظر عن مزاعم العمل القسري ومعسكرات إعادة التعليم والتعقيم القسري وأخذ الأطفال من والديهم، وتجاهل تهم الإبادة الجماعية، يدعم الأمير محمد بن سلمان بقوة “موقف الصين الشرعي بشأن القضايا المتعلقة بشينجيانغ وهونغ كونغ، ويرفض محاولة بعض الأطراف زرع الفتنة بين الصين والعالم الإسلامي”.

ومع ضغط الصين على هونغ كونغ، وأيضاً مع استمرار اضطهادها المستمر للأويغور، يرى البعض أن دعم ولي العهد السعودي سيأتي في صالحهم، لاسيما وأن جو بايدن يستخدم قضايا حقوق الإنسان لتكثيف الضغط على الصين.

والأمر سيكون مفيداً كذلك للأمير محمد بن سلمان أيضا، لتكوين جبهة وتنويع الشركاء لأن السعودية والصين يقفان على نفس الجانب من الاتهامات المتواصلة من إدارة بايدن حول حقوق الإنسان.

ولا شك أن وانغ أبلغ ولي العهد السعودي بأن الصفقة الكبيرة مع إيران، التي تم تسويتها الصيف الماضي، ستكتمل عندما يزور طهران. وبمجرد الإعلان عن الاتفاق الاقتصادي  والعسكري والبنية التحتية الذي قيل إن قيمته تبلغ نحو 400 مليار دولار، لم يُظهر السعوديون أي اهتمام بالأمر.

ورأت مؤسسة “عرب داجست” الاستشارية أن ذلك قد يكون مفاجئًا لأن الاتفاقية تزيل الضغط عن الإيرانيين حيث يحاول بايدن إعادتهم إلى طاولة المفاوضات دون رفع العقوبات. وقد تم تصميم الصفقة الأصلية للحد من قدرة الأسلحة النووية الإيرانية التي يعتبرها السعوديون تهديداً وجودياً، ناهيك عن قلقهم المستمر بشأن

 طموحات إيران الإقليمية. ووصف الصحافي الأردني أسامة الشريف في تقرير نشرته “عرب نيوز” الأمر بـ”مغيّر اللعبة” وتصور ما أسماه “حربا باردة جديدة تنشب بين الصين وروسيا من جهة والولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين من جهة أخرى” لكنه اختتم بالإشارة إلى أن “هذا يتطلب موازنة دبلوماسية دقيقة من قبل دول المنطقة حيث نشهد توابع جيوسياسية كبيرة”.

لكن لا يبدو أن هناك أي توابع في الرياض أو في العواصم الأخرى التي زارها وانغ. حيث لم تتسبب الصفقة في حدوث ضجة في وسائل الإعلام الحكومية في سلطنة عمان والإمارات والبحرين، حيث اختتم وانغ جولته في العاصمة المنامة والتقى الملك حمد بن عيسى آل خليفة ونجله.

 وعملت وكالة أنباء البحرين (بنا) على تغطية كيف أشاد الملك حمد بالصين من بين أمور أخرى “بسبب الدور المهم الذي لعبته على المستوى الدولي بفضل ثقلها الحضاري والسياسي والاقتصادي”. وبالنسبة إلى أصغر بلدان الخليج التي تعاني من ضائقة مالية، حرص العاهل البحريني على التأكيد على “فخر البحرين بعلاقاتها القوية مع الصين”.

ولم يكتف بذلك، بل أشار إلى أن “البحرين تولي اهتماما خاصا لتلك العلاقات، وتتطلع إلى تعزيز التعاون مع الصين على جميع مستويات الفرص الاستثمارية الواعدة التي توفرها البحرين في مختلف القطاعات الحيوية”.

ماذا عن الأتراك والإيرانيين

Thumbnail

لم يتم ذكر الأويغور على الإطلاق في العواصم الخليجية، والحقيقة أن الوحيدين الذين ثاروا ضد وانغ بشأن هذه القضية كانوا الأتراك، عندما صرح وزير الخارجية، مولود جاويش أوغلو، قائلاً إنه نقل “حساسيتنا وأفكارنا بشأن الأويغور الأتراك” إلى نظيره الصيني بينما نزل المئات من الأويغور إلى الشوارع في إسطنبول احتجاجاً على زيارة وانغ.

حتى أن وزير الخارجية الصيني نجح في التراجع عن عرض للوساطة بين الإسرائيليين والفلسطينيين كجزء من خطة من 5 نقاط لتحقيق “السلام والاستقرار الإقليميين في المنطقة”. فالصين، التي تم تجاهل عروضها السابقة للوساطة، ستكون على أتم الاستعداد لأن يتم تجاهلها مرة أخرى.

والأهم هنا هو إثارة السخرية من إدارة بايدن، خاصة بعد تبادل الآراء العنيدة بين الولايات المتحدة والصين في اجتماعهما في ألاسكا في الشهر الماضي.

عرب داجست: السعودية لم تعر اهتماما لصفقة الصين مع إيران عكس إسرائيل

وتشير “عرب داجست” إلى أنه بينما كان بعض المعلقين الإسرائيليين قلقين بشأن الزاوية العسكرية للاتفاقية الصينية الإيرانية، لم يظهر آخرون اهتماماً يُذكر مثلما فعل السعوديون.

ومثال على ذلك القلق، أعرب عاموس يادلين رئيس المخابرات العسكرية السابق في الجيش الإسرائيلي عن قلقه لموقع “واي نت” الإخباري بقوله “أحد البنود الأكثر إثارة للقلق في الاتفاقية بين إيران والصين هو تبادل المعلومات الاستخباراتية. يفهم الصينيون أن إدارة بايدن ليست إدارة ترامب، ويمكن حتى أن تكون أكثر عدوانية”.

ومن ناحية أخرى، تمثلت وجهة النظر غير المبالية في تصريحات ديفيد روزنبرغ في مقال كتبه في صحيفة “هآرتس” بعنوان “لا، إيران والصين لم تصبحا فجأة صديقين حميمين” قال فيه “هناك عدد من الأسباب التي تجعل من غير المحتمل أن تعقد بكين صفقات استراتيجية كبيرة مع إيران. فمن ناحية، قد تنتهك هذه الصفقات استراتيجية صداقتها للجميع، وتهدد العلاقات التجارية والاستثمارية مع دول الخليج العربية”.

من هنا تمكن وانغ من الحفاظ على وضعه المحايد ويبدو أنه لم يثر أي غضب إقليمي. ونظرا لطبيعة التنافس بين مختلف الدول، فهذا ليس بالأمر الهين. لم يقتصر الأمر على ادعاء الصينيين بأنهم وسطاء من أجل السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بل قاموا بتأمين إمداداتهم من النفط الرخيص من إيران لمدة 25 عامًا وحصلوا على دعم لأيديولوجيتهم القائلة بأن الانتقاد الدولي لحقوق الإنسان ينتهك السيادة الوطنية، وهي وجهة نظر يشاركها الكثير من القادة في الشرق الأوسط.

وبالنسبة إلى واشنطن، فالقصة مختلفة لاسيما وأن الصينيين عرقلوا مسيرة جو بايدن في ما يخص الاتفاق النووي الإيراني، وأيضاً عرقلوا محاولات الولايات المتحدة لفك الارتباط بالعراق.

وقالت كارولين روز من مجلة “نيو لاينز” في بودكاست “عرب داجست” مؤخرا إن “اتفاقية التعاون الاستراتيجي الأخيرة بين إيران والصين ستشجع الإيرانيين مبدئيًا على مواصلة الضغط. وقد تشعر طهران أن لديها مساحة أكبر للمناورة في مواجهة واشنطن في العراق كما لم يحدث من قبل”.

ومع لذلك، تعتقد روز أن الصفقة ستكون شريان الحياة الاقتصادي لإيران حيث يمكنها بعد ذلك العودة إلى الاتفاق النووي بشروطها الخاصة، إذا كانت تريد ذلك.

6