حسين خيري.. راهب يواجه التنمّر في زمن الجائحة

نقيب أطباء مصر ينتصر لمهنة الحكمة والرحمة.
الخميس 2020/07/23
طبيب البسطاء

أصدر الروائي المصري يوسف زيدان روايته “فردقان” قبل نحو عامين، ليحكي جانبا من حياة الطبيب العربي الشهير ابن سينا، وذهبت إلى الرجل في منزله بالزمالك، وسألته عما دعاه إلى كتابة رواية عن جانب من حياة طبيب عربي عاش قبل ألف عام. وأجابني الروائي الشهير قائلا “أولا لأنه طبيب عظيم ذو رسالة إنسانية ولا نعرف قدره الحقيقي، بينما أطلقت جامعة أوروبية مثل السوربون اسمه على إحدى قاعاتها الكبرى، وتحتفل غوغل العالمية كل عام بذكرى وفاته، وثانيا لأنه أفاد الناس أكثر مما فعل حكام وسلاطين ودعاة دين وخطباء مساجد، وأمثاله ينبغي الفخر والإشادة بهم، وثالثا لأنه امتلك منهجا عقليا في التفكير والتدبير قائما على كل ما ينفع الناس”.

وصلت الرواية إلى القائمة القصيرة للبوكر العربية، وتعرض العالم لجائحة قاسية نثرت الحُزن على كافة الخرائط، لكن كلام زيدان عن ابن سينا بأنه “طبيب ذو رسالة تنفع الناس” لم تفارق ذاكرتي، كأنني تشبثت بها واعيا بقيمة الطبيب الإنسان الذي يعمل للخير لا للمال، ويتقرب إلى الله بأفضل عبادة وهي نفع البشر، معرضا نفسه للخطر، ومستغرقا جُل عمره في رعاية المرضى ومساعدة الضعفاء.

وفي ظني، لو كانت لجائحة كورونا ميزات بين أوجاعها الجمة، فإن أحدها هو كشف قدر الطبيب صاحب الرسالة لدى العالمين، فهو يد الله لمحو الآلام، وأداة العلم لمواجهة الأوبئة الفتاكة.

تلك السطور أراها ضرورية قبل الكتابة عن حسين خيري نقيب أطباء مصر في زمن الجائحة، والذي حاز ألقابا عديدة من قبل محبيه وتلاميذه ومرضاه، قبل تفشي الوباء وبعده، تنوعت بين “راهب قصر العيني”، وهو اسم أحد أكبر المستشفيات في مصر، و”طبيب البسطاء”، وحتى “آينشتاين العرب”.

الرجل الذي فاز بمنصب نقيب الأطباء في مصر للمرة الثانية في أكتوبر الماضي يمثل نموذجا من النادر تكراره في النقابات المهنية، وفي نقابة الطب تحديدا، كأنه الرجل الأنسب لهذا المكان في مثل هذا التوقيت الاستثنائي، فهو طبيب نقابي، وغير مُسيس، لا هو من رجال الحكومة، ولا هو منتم أو محسوب على حزب أو تيار سياسي بعينه. هو رجل أفنى عمره في رسالة الطب تعليما وعلاجا للمرضى، ولم يفتتح أبدا عيادة خاصة به، كما لم يعمل في مستشفى خاص، الأكثر من ذلك أنه لم يتزوج ويؤسس أسرة، فكان كل وقته قاصرا على الطب رسالة وعلما.

صدام مع الحكومة

موقف مصطفى مدبولي رئيس الحكومة المصرية لا يزال يستفز نقابة الأطباء التي ترى أن تصريحاته الأخيرة في غير محلها، حتى أنها أصدرت بيانا طالبته فيه بالاعتذار، منتقدة تجاهله للأسباب الحقيقية لوفيات كورونا
موقف مصطفى مدبولي رئيس الحكومة المصرية لا يزال يستفز نقابة الأطباء التي ترى أن تصريحاته الأخيرة في غير محلها، حتى أنها أصدرت بيانا طالبته فيه بالاعتذار

منذ اليوم الأول للجائحة كانت نقابة الأطباء المصريين والتي أسست في يناير سنة 1920، حاضرة بقوة ومتفاعلة ومراقبة للوباء، ومبكرا دعت النقابة الأعضاء إلى الاصطفاف والتكاتف والتفاني لدحر الخطر، وبدت النقابة بمثابة عين المراجعة لإجراءات الحكومة الخاصة بالمواجهة والوقاية، فنبهت لأوضاع بعض المستشفيات النائية الفقيرة إلى المستلزمات الطبية وأجهزة التنفس. وأشارت إلى جوانب الخلل في طرق الوقاية، وطالبت باهتمام حكومي أكبر بالإمكانيات الطبية المخصصة للأطقم الطبية العاملة في مستشفيات العزل، ووصل الأمر بها أن طالبت الحكومة بتطبيق إجراءات حظر واسعة النطاق للحفاظ على التباعد خلال ذروة الوباء.

يبدو أن ذلك الحضور كان سببا في صدام مكتوم مع بعض أجنحة الحكومة المصرية التي لا تحتمل توجيهات أو توصيات من خارجها، لكنه كان صداما مؤقتا وصحيا، استهدف الصالح العام، وساهم بالفعل في مضاعفة الجهود الحكومية المتخذة، وحفّز المسؤولين على زيادة الإمكانات المخصصة لمواجهة الجائحة.

مع إشارة مصطفى مدبولي، رئيس الحكومة، مؤخرا، إلى بعض التصرفات الفردية ذات الأثر السلبي لعدد من الأطباء الذين تغيبوا عن العمل في بعض المناطق، حرص على تقديم الشكر الواجب لمعظم الأطباء المصريين الذين عملوا بإخلاص وكد وتفان لعلاج المرضى.

ورغم ذلك، رأت نقابة الأطباء بقيادة خيري، أن العتاب في غير محله، وفي غير توقيته، فأصدرت بيانا تاليا لكلمة رئيس الحكومة طالبته فيه بالاعتذار، مؤكدة أن الرجل تجاهل الأسباب الحقيقية للوفيات من عجز الإمكانيات وقلة المستلزمات الطبية وأسرة الرعاية الصحية. ذكرت النقابة أن أطباء مصر منذ بداية الجائحة يقدمون أروع مثال للتضحية والعمل وسط ضغوط عظيمة في أماكن عملهم، وظروف صعبة، ونقص معدات الوقاية في بعض المستشفيات، واعتداءات متكررة على الطواقم الطبية، ومثل هذه التصريحات من شأنها تأجيج حالة الغضب والاحتقان ضد الأطباء وزيادة تعدي المرضى ومرافقيهم عليهم.

الاستقلال البنّاء

يتمتع خيري بسمات إنسانية فريدة، أبرزها الحرص الشديد على المصارحة والمكاشفة في مثل هذا التوقيت الهام، والإصرار على عرض الحقائق دون حرج أو مواربة، إيمانا بأن ظروف الجائحة لا تسمح بصمت أو بمجاملات، وإنما تلزم بالحوار المتصل.

من الواضح أن الرجل يدرك جيدا أنه مسؤول عن أطباء مصر، ومسؤول أمامهم عن حمايتهم وصيانة أرواحهم وتأمينهم من الأخطار، خاصة أن ضحايا الأطباء في مصر منذ تفشي الوباء بلغ عددهم نحو 85 طبيبا.

حضور نقابة الأطباء المصريين يبرز بقوة في هذه الفترة، متفاعلة ومراقبة للوباء، وهي التي دعت أعضاءها مبكرا إلى الاصطفاف والتكاتف والتفاني لدحر الخطر، منبهة إلى حاجة بعض المستشفيات النائية الفقيرة إلى المستلزمات الطبية وأجهزة التنفس

كشفت هذه المعركة جانبا من مكونات شخصية خيري، الذي يواجه التنمر ضد الأطباء في ثبات وقناعة وإصرار نابع من إيمان حقيقي بنبل مهنة الطبيب، منها الجرأة الشديدة، والشعور بالاستقلال البناء، فالرجل الذي لا يسعى لمغنم ولا يخشى من مغرم يدرك جيدا أن مواقفه يمكن أن تفسر لدى البعض باعتبارها مجابهة للحكومة في وقت توصف فيه أي معارضة بسوء النية.

وكما اعتاد وتعلم واختبر وعايش، يدرك خيري تماما أن امتلاك فضيلة الاستغناء هي أعظم منحة يهبها الله لعباده، فالرجل يبلغ من العمر ستين عاما، وليست لديه أسرة، ولا يرغب في منصب سياسي أو إداري ولا يلتفت لغير العلم، ولا يهتم سوى بخدمة الناس.

يكرر بين الحين والآخر أنه طبيب أولا وثانيا وثالثا، وهو نقيب لأطباء لا سياسي، والنقابة ليست ولا ينبغي أن تكون منبرا سياسيا، وإنما هي كيان غرضه الأول خدمة الأطباء وتحسين المنظومة الصحية، بما ينعكس إيجابيا على العامة من المواطنين.

جذور علمية

ينتمي خيري إلى أسرة طبية متوسطة الحال، تقدر العلم وتحترم أهله، فوالده كان طبيبا متخصصا في الجراحة في قصر العيني، أما والدته فكانت أستاذة للأمراض الباطنية، وربما زرع ذلك في نفسه محبة الطب بجنون واعتباره رسالة إنسانية لا مهنة حياة.

تخرج مطلع الثمانينات، وعُين في كلية قصر العيني، ومنها حصل على درجة الماجستير عام 1986، ثم الدكتوراه  في الجراحة 1989، وسافر بعد ذلك إلى بريطانيا لاستكمال تعليمه والعمل في مستشفى ميرفورد بيلمووث، وحصل على درجة الأستاذية في الجراحة متخصصا في الأوعية الدموية.

الأدوار التي يقوم بها خيري تسبب له الكثير من الإشكالات مع بعض أجنحة الدولة المصرية التي لا تحتمل توجيهات أو توصيات من خارجها، لكنه يبدو صداماً لتحفيز المسؤولين على زيادة الإمكانات المخصصة لمواجهة الجائحة
الأدوار التي يقوم بها خيري تسبب له الكثير من الإشكالات مع بعض أجنحة الدولة المصرية التي لا تحتمل توجيهات أو توصيات من خارجها

يحرص على العمل بإخلاص في مكان واحد هو مستشفى قصر العيني، دون العمل بنظام الساعات الإضافية مثل الكثير من زملائه في المستشفيات الخاصة، ويقضي جل وقته هناك، وفيها ذاع صيته بين الناس كأستاذ عالم موهوب، ما حشد حوله محبة واهتمام الطلبة من مختلف الأجيال.

بعد ثورة 25 يناير 2011 ترشح لعمادة طب قصر العيني وفاز باكتساح ليقضي أربعة أعوام في إدارة أقدم كلية طب في مصر، ويحقق خلالها إنجازات عظيمة تمثلت في تجديد البنية التحتية من شبكة المياه والمجاري والكهرباء لمستشفى قصر العيني، وفتح مشرحة جديدة للطلبة، وقسم طوارئ إضافيا، وقام بتأسيس نظام إلكتروني لربط أقسام وعيادات المستشفيات معا، وتجديد منافذ بيع الكتب الطبية وإنشاء مكتبة جديدة للطلبة. ويحكي بعض طلبة الطب عن خيري أنه ظل مع هذه المسؤوليات حريصا على تقديم دروس خصوصية مجانية للراغبين من طلبة قسم الجراحة بصفة يومية لعلمه بعدم قدرة الكثير منهم على تحمل تكاليف الدراسة.

في أواخر عام 2015 أجريت انتخابات نقابة الأطباء، وما إن سمع الأطباء باسمه حتى اجتمعوا عليه ففاز باكتساح شديد، وأكد يومها أنه خادم للأطباء ومهمته الأولى تحسين ظروف عملهم، ورفع كفاءتهم من خلال التدريب، والعمل على تطوير المستشفيات ودور الرعاية الصحية.

لا حاجة للمزيد من الأطباء

خيري قليل الظهور في الإعلام، لم يشاهد في الفضائيات سوى مرة واحدة مع الإعلامية منى الشاذلي، ونادرا ما يجري حوارات صحافية، إلا أن آراءه تتضح في بعض القضايا الخاصة بالطب والصحة عبر بيانات النقابة أو من خلال صفحة محبيه على مواقع التواصل الاجتماعي.

من تلك الآراء مثلا قوله برفض إنشاء كليات طب خاصة، لأنه لا توجد كلية طب خاصة لديها مستشفى جامعي للتدريب، ولا توجد جامعة خاصة بها مستشفى لتدريب الأطباء، والتعليم الطبي شرطه الأساسي هو وجود مستشفى لتعليم الأطباء وتدريبهم.  يرى أن اشتراك المستشفيات الجامعية في تدريب طلاب كليات الطب الخاصة أمر غير مقبول، فلا يمكن استخدام موارد المستشفيات الجامعية الحكومية في تدريب طلاب كليات الطب الخاصة، وترك خريجي الكليات الحكومية. يقول إن مصر ليست بحاجة إلى أعداد كبيرة من كليات الطب الخاصة، وإنما بحاجة إلى تطوير الخدمات وتوفير الدواء وتدريب الخريجين، والنظر في مرتبات الأطباء، ومنع حالات التعدي على المستشفيات، ولا يحق لغير الأطباء العمل في معامل التحاليل الطبية، ويجب أن يقوم الطبيب من خريجي كليات الطب بأخذ العينات وتحليلها، لأنه فقط من يدرس طبيعة الجسم البشري، وعلى علم ودراية به، والحديث عن ممارسة غير الأطباء للمهنة أمر غير مقبول، ويجب أن تعمل هذه المعامل تحت إشراف أطباء بشريين.

خيري يرفض إنشاء كليات طب خاصة، ويبرر ذلك بعدم وجود مستشفى جامعي للتدريب تابع لأي كلية طب خاصة، بينما التعليم الطبي شرطه الأساسي هو وجود مستشفى لتعليم الأطباء وتدريبهم

عمل هذا الراهب على زيادة معاشات الأطباء وزيادة بدلات العدوى، ووضع قانونا للمسؤولية الطبية، وشارك في تعديل قانون العلاج الطبيعي، فضلا عن إنهائه لكثير من مشكلات الأطباء المهنية. وفي دورة نقابته الأولى تعرض بعض الأطباء لاعتداء من شرطيين بعد رفضهم تزوير تقرير طبي، ما دفعه إلى تصعيد الأمر إعلاميا وتقديم بلاغ إلى النائب العام والضغط حتى تم تحويل الشرطيين المعتدين إلى القضاء.

 يُشبه خيري العالم الكبير ألبرت آينشتاين في ملامحه الشخصية وهيئته، ووقاره، تقول ملامح وجهه لمن لا يعرفه إنه عالم أو طبيب مخضرم، فمن عينيه العميقتين تطل نظرات المحبة والألفة للجميع وكأنه مبعوث سلام، ويتحدث بهدوء وبساطة وتواضع مع الجميع، ويتعامل بلطف مع الطلبة والأطباء وطواقم التمريض. ويحلو للبعض أن يفسر اللطف بكونه رد فعل طبيعي لتخصصه كطبيب في الجراحة العامة، حيث يرى مشاهد الدم بصفة يومية، ما يعني أنه في حاجة إلى مقاومة ذاتية لتلك المشاهد، لكن مَن يعرفه عن قرب يؤكد أن هذه الرقة سمة منغرسة فيه منذ الصغر.

12