حصاد الصحوة.. الجهاد في سبيل تحريم كروية الأرض

جيل "الصحوة" لم يكن يحلّق في فراغ، فلا ينطلق في هذا الفضاء الوعظي اليقيني إلا من تأسست له قاعدة صلبة يتضافر فيها المال والسياسة والنفوذ والعقيدة.
الخميس 2019/05/16
يصعب تصديق توبة أتباع الصحوة

الاعتذار باسم “الصحوة” الذي قدّمه الداعية عائض القرني، لا يمكن تصنيفه سوى في خانة أن من وهب عمره لامتهان نشر فكر متشدد تحت يافطة دعوة المسلمين للإسلام، يريد اليوم بعد سقوط مشروعه أن يعترف بأنه كان مجرّد بوق دعائي في جهاز أغدقت عليه الأموال لتكريس الصدام الدائم بين العقل والدين، وهذا الطريق تم نهجه بعدما توفّرت كل العوامل التي فرضت نفسها على الجميع بغية التوجه نحو تعميم مشروع الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم، فكيف يمكن تصديق توبة واعتذار جيل كامل من المتبنين لفكر هذا التيار الذي لم تخلف حصيلته سوى تحريم حقائق علمية لم ينزل القرآن لإثباتها أو نفيها، كتحريم كروية الأرض ودورانها حول الشمس.

لا أثق بمراجعات فكرية يضطر إليها شيخ يخايله ذهب المعزّ وسيفه. بعد الاعتذار التلفزيوني للداعية عائض القرني عن “الصحوة” وثمارها، لم يسعفني إلا الشيطان بقوله في سورة “إبراهيم” لما قضي الأمر: “وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ”.

ولم أكن أصدّق القرني ورفاقه ممن يمتهنون دعوة المسلمين إلى الإسلام، ويتجاهلون قوله تعالى “لا تغلوا في دينكم”، ولكني لا أنكر أن لهؤلاء الغلاة جيوشا من مريدين وهتّيفة كانوا يفتدونهم بالروح والدم. ولن أصدّق هذا التراجع المذلّ إلا بمبادرة أو نتيجة، وكلتاهما (المبادرة والنتيجة) تذهب بصاحبها إلى أقصى درجات رد الفعل وأكثره صدقا، وليس هذا التطرف جديدا أو غريبا على من قضى عمره غارقا في التطرف، وحلا له فاستمرأه واستثمره.

حين ينهار “مشروع”، بسبب عوامل ذاتية من داخله، أو تحديات خارجية أكبر من قدرته على الصمود، فلا يكون أمام “أداة” هذا المشروع إلا أن يبادر بالاعتراف بأنه استخدم في المشروع، مجرد ميكروفون دعائي، ترْس في جهاز جبار استهلك وعّاظا ومشرّعين، واستثمرت فيه أموال واشتريت ذمم. ويلي هذه المصارحة إعلان الشيخ للتوبة والاعتذار، وطلب السماح على الإسهام في الإفساد في الأرض، والتبرؤ من كل تصريح شفاهي أو كتابي استهدف به ترغيب الناس، باسم الله، في هذا المشروع.

وأما “المؤمن” الصادق بهذا “المشروع” فعليه أن يتمسك بما يؤمن به، وأن يدافع عما وهب حياته له، أيا كانت النتيجة ولو أوذي في سبيل إيمانه، بدلا من خاتمة منزوعة الكرامة لعمْر من “الجهاد”. وإذا تبين لهذا “الداعية” أنه عاش وهما كبيرا، “وأضلّه الله على علم”، فلا أقل من نتيجة اسمها الانتحار، وهو سلوك يلجأ إليه العجزة عن بلوغ ما طمحوا إليه. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أقدم على الانتحار “نبلاء”، لخسارتهم الرهان على نجاح التجربة الاشتراكية.

لم يكن جيل “الصحوة” يحلّق في فراغ، فلا ينطلق في هذا الفضاء الوعظي اليقيني إلا من تأسست له قاعدة صلبة يتضافر فيها المال والسياسة والنفوذ والعقيدة. وقد ظل رجل مثل عبدالعزيز بن باز المسكين يصارع طواحين العلم، ويتسلح بما يعتبره “الشرع”، لكي يحارب حصاد العقول التي حثّها الله على التفكر “في ملكوت السماوات والأرض”. ولا أعرف بالضبط ماذا استفاده، ابن باز والدين الإسلامي معا، من تحريم كروية الأرض ودورانها حول الشمس؟ للرجل فتاوى تلفزيونية تكذّب هذه الحقيقة، ويعتبرها ادعاء “لا يمكن أن نسلّم لهم بذلك.. لا يمكن لذلك الزاعم أن يكون صادقا سواء كان شيوعيا أو نصرانيا أو يهوديا”.

كانت كتب ابن عثيمين وابن باز وغيرهما من آباء “الصحوة” تصلنا في أعماق القرى، في طباعة توزع ببذخ مجانا بعد صلاة العيدين والجمعة وغيرها، فأطلع عليها وأتخلص منها، ولم يبق عندي على سبيل التذكار إلا كتاب “تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام”، وفيه يؤكد ابن باز أن من نذر نذرا للأموات “مشرك كافر لا تجوز مناكحته، ولا دخوله المسجد الحرام، ولا معاملته معاملة المسلمين، ولو ادعى الجهل حتى يتوب الله عليه من ذلك. لقول الله عز وجل ‘ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ… ولا تنحكوا المشركين حتى يؤمنوا، ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم'”.

من القواعد الفقهية المحفوظة أن الحكم الفقهي يدور مع علّته وجودا وعدما، وتثبت العاصفة الحالية في الحجاز أن الفتاوى أيضا تتسم بالمرونة، فتتجه إلى قِبلة التوجه السياسي العام، وجودا وعدما.

وليس لدي إحصاء بحصاد “الصحوة”، وحجم ما أنفق في سبيل تكريس الصدام بين الدين والعلم، وعدد العاملين في حقل التجهيل، أو ضحاياه. ولن يبقى من تراث هذا الجيل إلا فكاهات تحريم حقائق علمية لم ينزل القرآن لنفيها أو إثباتها. ولا يسيء إلى العقيدة ما يصل إليه العلم من فتوحات أكبر من قدرة واضعي أصول الفقه على التخيّل.

حين ينهار "مشروع"، بسبب عوامل ذاتية من داخله، أو تحديات خارجية أكبر من قدرته على الصمود، فلا يكون أمام “أداة” هذا المشروع إلا أن يبادر بالاعتراف بأنه استخدم في المشروع، مجرد ميكروفون دعائي

يمكن تجاوز وهاد التجهيل بإرساء مبادئ التربية العقلانية النقدية، ولكن “الصحوة” مسؤولة عن جرائم ذات طابع جنائي بالتحريض على الدماء. وإذا كان يوسف القرضاوي، بعد سقوط حكم الإخوان في مصر عام 2013، ناشد مسلمي العالم “في كل مكان” أن يجاهدوا في مصر، فإن عائض القرني تقمص دور القائد في الجيش الحر، ودعا الشعب السوري إلى حمل السلاح ومواجهة الجيش، وأذكى نيران الحرب الأهلية وسوّغها؛ بحجة أن “الجهاد” لإسقاط بشار الأسد “أوجب من قتال إسرائيل”، مؤكدا أن قتال الأسد بكل الأسلحة ولو بالحجارة “واجب شرعي نصّت عليه الأدلة الشرعية”.

ليست تلك التصريحات أقل من شراكة في الدماء توجب الاعتذار على الأقل، والاعتراف المستند إلى آية “أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا”. ولكن القرني بدلا من ذلك ينكر فتاواه المتاحة صوتا وصورة، وينفي أنه حرض على القتال في سوريا، متحديا ذاكرة للتكنولوجيا لا تدع مراوغا يطمئن بكذبه، فقال “لم أذكر الجهاد في العراق أو سوريا، وأتحدى أن يؤتي بشريط حول فتوى لي بهذا الشأن”.

القرني الآن يتبنى ما وصفه بمشروع الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم “الذي نادى به سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان”؛ إذ قضي الأمر، وتبرأ الشيطان وهو يعظ قائلا “وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم”. ولا أدري من ألوم؟ وكيف أكتب وأنا مشوّش؛ لأن علي إنهاء هذا المقال في موعده، على الرغم من وقوعي تحت ضغط ثلاثة ميكروفونات في الشارع، تبثّ صلاة التراويح من داخل مسجد صغير إلى ثلاثة مصلين على الرصيف، ولا يبالي الناس بالقرآن الكريم وجلاله الذي يسيء إليه غلوّ تبرأ منه الشيطان. وآخر دعوانا في الشهر الكريم: أما آن لهذه “الصحوة” أن تنتهي في مصر؟

13