حصاد قصب السكر موسم الخير في صعيد مصر

العسل الأسود وجبة رئيسية للفقراء في فصل الشتاء.
الأربعاء 2021/02/24
شقاء وفرح

ينتظر العمال الزراعيون في صعيد مصر موسم الحصاد فهو موسم الخير والرزق لهم، منه يسددون ديونهم ويدخرون بعض المال لأيام العوز والبطالة، كما ينتظرونه لتزويج أبنائهم وبناتهم، ومن القصب يصنعون عصيرا يعد وجبة رئيسية للفقراء، خاصة أثناء فصل الشتاء في المنطقة.

قنا (مصر) - “القصب.. القصب.. والقصب عاوز الميّه يا واد” بهذه الكلمات تنطلق حناجر سكان القرى في صعيد مصر وهم يغنّون لمحصول قصب السكر الذي ينطلق في أول شهر من بداية كل سنة.

ويغادر الشاب العشريني عبدالرحمن العريان منزله في الصباح الباكر لحصد محصول قصب السكر في قنا، أكثر محافظات صعيد مصر زراعة لهذا المحصول الاستراتيجي.

ويعتبر القصب في صعيد مصر “موسم الخير” للجميع، لمن يملك أرضا ويزرع قصبا، ولمن لا يملكون أيضا، فالفقراء الذين لا يملكون أرضا ينتظرون موسم كسر القصب لإطعام مواشيهم من “قلوحه”، وينتظره العمال البسطاء أيضا للعمل في كسره وتحميله.

وقال العريان (23 عاما)، وهو عامل موسمي من إحدى قرى مركز دشنا بقنا لوكالة أنباء (شينخوا)، إن “موسم حصاد القصب يمثل لنا موسم سداد الديون وقضاء الحاجات، ومعظم شباب القرية ينتظرون هذا الموسم بفرحة كبيرة، لأنه مصدر رزقنا في الفترة من شهر يناير حتى مايو من كل عام”.

ويبدأ العريان عمله في حصاد القصب في الساعة السابعة صباحا وحتى الثالثة عصرا مقابل 100 جنيه يوميا (الدولار الأميركي الواحد يعادل نحو 15.68 جنيه مصري).

الكثير من الأسر في صعيد مصر تنتظر موسم القصب لتوفير نفقات خطبة أبنائها وبناتها أو إتمام مراسم زفافهم

وأوضح الشاب الصعيدي أن “العمل في هذه المهنة يحتاج إلى يقظة شديدة بسبب الآلات الحادة المستخدمة في حصد القصب”.

وبات لمحصول القصب مكانته في الموروث الشعبي المصري، حيث يردّد المصريون الكثير من الأغاني مع بداية موسم  القصب ونهايته، أو موسم الخير كما يطلقون عليه.

ومن هذه الأغاني “القصب.. القصب حلاوته السنة ديه يا واد.. القصب كسرناه .. ع المصنع رحّلناه.. وعريسنا ودخلناه وعروسته السنة ديه يا واد”.

ونظرا إلى أهميته كمصدر رئيسي للدخل، فإن موسم حصاد القصب بات مناسبة أيضا للخطبة والزواج، فالكثير من الأسر في صعيد مصر تنتظر هذا الموسم للحصول على ثمنه من مصانع السكر، لتوفير نفقات الخطبة أو إتمام مراسم الزفاف لأبنائها وبناتها .

ومن أعواد القصب السكري يجري “العسل الأسود” أنهارا بعد أن تمرّ  عبر ماكينة عصر، ليخرج من طرفها الأول قشّ وشوائب، ومن الطرف الآخر عصير يوضع في أحواض كبيرة ويخضع لدرجات غليان مرتفعة، يتحول بعدها إلى أنهار من العسل الأسود، الذي يعد وجبة رئيسية للفقراء في مصر خاصة في فصل الشتاء.

وتمر صناعة العسل الأسود التي تستغرق دورتها تسع ساعات يوميا بأربع مراحل رئيسية هي الجمع والنقل، والعصر، والطبخ، والتصفية والتعبئة، وفق صاحب المصنع حسن.

وأفاد حسن بأن الصناعة تبدأ بتجميع محصول القصب ثم نقله إلى المصنع، لتأتي مرحلة العصر عبر ماكينة توضع فيها أعواد القصب

فيخرج من مخرجها الأول القش والشوائب التي يعاد استخدامها كوقود في المصنع، ومن المخرج الثاني للماكينة يخرج عصير (سائل غني بالسكريات) ذو لون أبيض يميل قليلا إلى الأخضر.

ولفت أن مرحلة الطهي تأتي بعد ذلك، حيث يُصبّ العصير في أحواض كبيرة معدة خصيصا لغليه على مرحلتين، حتى يصير لونه أسود، ولذلك يسمى بالعسل الأسود.

ومضى قائلا “في هذه المرحلة يقوم بالتقليب بملاعق حديدية ضخمة عدد من الطباخين من أصحاب الخبرات الطويلة حيث تمتد أعمارهم في هذه الصناعة لسنوات ودون أي إضافات غير طبيعية، تستمر عملية طهي العصير أو طبخه لعدة ساعات”.

وجبة رئيسية للفقراء في فصل الشتاء
وجبة رئيسية للفقراء في فصل الشتاء

وأوضح أن المرحلة الرابعة والأخيرة، وهي مرحلة المخزن، تتم فيها تصفية العسل من الشوائب ثم تفريغه في عبوات بلاستيكية أو صفائح حسب الكمية المقررة من نصف كيلوغرام إلى 5 كيلوغرامات.

وتابع حسن “شركات ورجال أعمال يشترون منتجنا على مدار العام، ولو توقفت مصانع السكر عن شراء القصب بعض الوقت في السنة، يقوم المزارع ببيع محصول القصب إلى تجار العصارات لتقديمه كعصير إلى المواطنين خاصة في فصل الصيف”.

وتعد العمالة إحدى المشكلات التي تواجه زراعة قصب السكر في صعيد مصر، بحسب المزارع القناوي صبحي عبدالرسول، الذي أشار إلى أن حصاد الفدان الواحد يحتاج إلى عشرة عمال لمدة خمسة أيام، فضلا عن العمالة الخاصة بتجميع القصب وتحميله.

ومن بين المشاكل أيضا المياه، حيث يستهلك قصب السكر كميات كبيرة من المياه، إلى جانب مشكلة نقل المحصول من الأرض إلى المصانع، إذ يتم نقله عبر الجرارات، ما يعرض المزارع إلى فقدان جزء من محصوله بسبب طول
الرحلة.

ومع ذلك، يقرّ عبدالرسول بأن قصب السكر يتمتع بـ”شعبية وجاذبية طبيعية لدى المزارعين” في صعيد مصر والذين يفضلونه على الكثير من المحاصيل الأخرى.

وتزرع قنا نحو 50 في المئة من إجمالي مساحة أراضيها الزراعية بمحصول القصب، حسبما ذكر أشرف عبدالرازق وكيل وزارة الزراعة في هذه المحافظة بصعيد مصر.

وأوضح عبدالرازق أن المساحة المزروعة بالقصب في محافظة قنا تبلغ حوالي 120 ألفا و480 فدانا، من إجمالي مساحة الأراضي الزراعية بالمحافظة والبالغة 250 ألفا و528 فدانا.

ويتم توريد محصول القصب الذي يزرع فقط في الصعيد إلى شركة السكر والصناعات التكاملية المملوكة للحكومة المصرية.

وقال علاء محمد علي، وهو مهندس في الشركة، إن مزارعي القصب يوردون للشركة نحو 10 ملايين طن من القصب الخام من بينها أكثر من ثلاثة ملايين طن من محافظة قنا.

وتملك هذه الشركة الحكومية ثمانية مصانع لإنتاج السكر في الصعيد، وهي موزعة ثلاثة منها في قنا، ومصنعان في أسوان، ومصنع واحد في كل من المنيا وسوهاج والأقصر.

وأوضح علي أن المصانع موزعة على هذه المحافظات بعناية حسب المساحات المزروعة بالقصب الذي يعد المحصول الأول في صعيد مصر.

20