حطموا "أصنام" نيتشه.. ولا تصنعوا أصناما جديدة

سقوط "التماثيل" لن يتم إلا بسقوط "الأصنام" الفكرية ونظريات الاستعلاء التي تعضدها، وبإدراك الجميع أنها بالفعل "أصنام".
الأحد 2021/10/17
استنطاق الأصنام الخالدة

إذا كان تشييد التماثيل يأتي لتخليد ذكري شخص وتكريم ما يجسده من أهمية تاريخية في الخطاب الرسمي/السلطوي، فإن تحطيمها أصبح ظاهرة متكررة يُقدم عليها الثائرون المحتجون على السياسات العنصرية التي تنتهجها الأجهزة القمعية التابعة للسلطة في العديد من بلدان العالم الأوروبي والعربي سواء، ويرمز فعل التحطيم المادي في العادة إلى التفكيك الأخلاقي لما تحمله تلك التماثيل من “قيم” غرستها السلطات وخطابها المعرفي – كرها – في وعي شعوبها بوصفها جزءا من أحداث تاريخية مؤثرة في مسار الدول.

أبرز حوادث الهدم ما وقع مؤخرا في الولايات المتحدة الأميركية عندما أقدم الغاضبون من مقتل المواطن الأميركي ذي الأصول الأفريقية جورج فلويد” – على يد شرطي “أبيض” قام بالضغط على عنقه لمنعه من الحركة أثناء الاعتقال فأودى بحياته خنقا – على تحطيم عدة تماثيل ترمز في أذهانهم إلى سياسات استعمارية عنصرية تكرس لتفوق الأبيض وأحقيته في “إصلاح” البشرية والتعامل مع السود والملونين كمواطنين من درجة أدنى.

وبدلا من هدم التماثيل كمحاولة لإزالة رموزها العنصرية من الإرث التاريخي، قد يقبل الثائرون على بناء تماثيل لضحايا العنصرية كي تجابه التراتبية الغربية وتتجرأ على خلخلتها، لتصبح بمثابة استراتيجية بديلة تزيح المعايير السلطوية عن المركز وتطرح مفاهيم مضادة تقاوم كل السياقات التي تخدم التفوق الثقافي الغربي على ثقافة الآخر. ويمثل فعل البناء – في تلك الحالة – تمردا مدفوعا بالإيمان بأن النُصب تمجد السيادة البيضاء على مجرى التاريخ، وهو ما آن الأوان لتغييره.

من أمثلة هذه الحوادث ما وقع في فيينا عندما قامت مجموعة من النشطاء بمنظمات حقوق الإنسان بوضع نصب من البرونز وسط العاصمة فيينا للتذكير بما حدث للاجئ النيجيري ماركوس أموفوما الذي مات أثناء ترحيله من النمسا إلى بلغاريا بعد أن قام الشرطي المسؤول عن ترحيله بتكميم فمه لمنعه من الصراخ، ليصبح رمزا لتجارب التمييز العنصري التي تعرض لها المهاجرون الأفارقة في دول أوروبا.

وهنا تجسد ثنائية الهدم/البناء نوعا من “العنف الشرعي” – كما أسماه فرانز فانون – الذي يجابه الأنظمة المستبدة ويفكك أدواتها بهدف تحطيم المركز وتأسيس الهامش، ومن ثم التخلص، من كافة أشكال الهيمنة سواء الداخلية/النفسية أو الخارجية/السياسية. ولأن العنف “المؤسسي” يُمرر غالبا عبر الثقافة بصورها المتباينة، فإن العنف “الشعبي” المضاد يمكنّه أن يؤسس لنفسه ثقافة بديلة تنبعث من المقاومة التي تكفل له “التحرر” من سلطات الاستبداد من جهة، ومن الصورة النمطية الزائفة التي أضفتها تلك السلطات عليه من جهة ثانية، لتصبح عملية الهدم/البناء – بما تنطوي عليه من طقوس عنف – خطوة وظيفية الهدف منها هو تحقيق الاعتراف بالهويات المهمشة أو المنبوذة وبحقها في العدل والكرامة.

فهذه الآلية – إذن – هي بمثابة تمرد على ما تمارسه مؤسسات الدولة من “عنف إبستمولوجي” – وفق تعبير جياتري سبيفاك – في حق الفئات المهمشة التي تسعى لإسكاتها ثقافيا وتمثيلها وفق محددات تعيينها بنفسها؛ حيث تحاول فئات الشعب المستبعدة أن تعبر بوعيها الخاص عن ذاتها، دون أن تخضع للإطار الذي حدده لها المجتمع، فيصبح الهدم – في حد ذاته – إعادة بناء إبستمولوجي يقوم به “التابع” لنفسه بعيدا عن التصورات التي يبنيها “أصحاب السلطة” عنه، فيقوم، ردا على جراحات التمييز والعنصرية الممارسة ضده، باختراق كافة القيود المجتمعية دون اعتبار للتبعات المترتبة على هذا الاختراق.

Thumbnail

ويبقى التساؤل المُلّح: هل تدمير/تشييد التماثيل يمكنه أن يصحح ذاكرة التاريخ أو يقوم بمراجعتها، لترسيخ وجود ما تقبله الشعوب ومحو ما ترفضه، بالأخص في ظل تغير رمزية بعض تلك المنحوتات مع تغير قيم المجتمعات من عصر لآخر؟ ففي الغالب، إن إزالة بعض التماثيل أو وضع بدائل لها لن تؤدي دورها المنشود في تحديد هوية الشعوب وذاكرتها الجمعية إلا إذا رافقها تغير في وعي الأفراد – الحاكمين والمحكومين – وإدراكهم بأنه لا أحد يجب أن يحيا كما أراد له الآخرون، فسقوط “التماثيل” لن يتم إلا بسقوط “الأصنام” الفكرية ونظريات الاستعلاء التي تعضدها، وبإدراك الجميع أنها بالفعل “أصنام” يجب تحطيمها وعدم الإصغاء إلى “أصنام” جديدة.

ولعل هذا المشهد يحملنا إلى “أصنام” نيتشه التي تعني – وفق وصفها في كتابه “أفول الأصنام” – التصورات الوهمية التي يعيش الإنسان معتقدا أنها هي الحقائق المطلقة، ولذلك عليه تحطيم كل تلك “الأصنام” التي خلقها على مرّ العصور وآمن بها، ومحاولة تفكيك قدسيتها بعيدا عن الوصاية الأخلاقية أو الدينية أو السياسية. أبرز نماذج تلك “الأصنام” – في رأيه – القوالب الأيديولوجية النمطية التي ترسخ لفكرة تمجيد بعض القطاعات البشرية – كرجال الدين أو الفلاسفة أو الساسة الأوروبيين – وتخويلهم سلطة “إصلاح” البشرية بدافع امتلاكهم للخطاب المعرفي أو للحكم الأخلاقي أو الديني.

ولذلك فإن الإنسان الذي “يُصلحه” الساسة أو رجال الدين أو غيرهم من ذوي “القوامة” الثقافية أو الأخلاقية أو الدينية داخل المؤسسات المهيمنة في المجتمع، يتم في الواقع “إضعافه لجعله أقل قدرة على الضرر، وتحويله عن طريق الأحاسيس المحبطة، كالخوف والألم والجوع والعقاب، إلى إنسان مريض مهموم ناقم على نفسه وممتلئ بالريبة تجاه كل ما قد يجعله سعيدا أو قويا”. ففي الوقت الذي تدّعي فيه أجهزة الدولة أنها قد “أصلحت” الإنسان، فإنها صاغته بناء على ما استقر لديها من سلوكيات الهيمنة تجاه شعوبها التي تحاول الاستحواذ عليها، حتى إن كانت “الوسائل التي تستخدمها لجعل البشرية أكثر أخلاقية، جميعها لا أخلاقية في الأساس”.

هذه الهويات المذوتّة تحاول – من وقت إلى آخر – التحرر من التبعية وإثبات وعيها خارج طوق التذويت الذي تنحصر داخله، فتلجأ إلى التمرد على “العنصر المتفوق” وتحاول تحطيم “الأصنام” التي أحاطت بعقولها لفترات ماضية. وهنا ينبغي عليها ألا تخلق – أثناء ذلك – أصناما جديدة تصنعها أوهامها عن وجودها الخاص، فتتعصب لها بوصفها حقائق مطلقة، فوضعية التمرد على الوضع الماضي/الكائن لا يجب أن يرافقها إضفاء القداسة على وضع جديد/ممكن.

وهو ما يستدعي في الذهن طرح الفيلسوف الفرنسي فرانسوا ليوتار في دعوته ألا تقدم السرديات/الأصنام المضادة نفسها بوصفها سرديات/أصنام كبري بديلة، لتتحول بذلك إلى مركز بديل يمارس الإقصاء والعنف ضد غيره. ولذلك، عليها ألا تدعي الشمولية والكمال بل يجب أن تتعامل مع أحداث تاريخية محددة ووضعيات خاصة تسعى إلى انتقادها وكشف تحيزاتها وتقويض أدواتها، ثم تفكك ذاتها بعد تحقيق غايتها دون أن تستأثر لنفسها بسمة “المركزي” وتهمش غيرها من الخطابات أو الأيديولوجيات.

في هذا السياق، يعد تبنّي مفهوم التعددية الثقافية بشكل يؤدي إلى قبول الاختلاف بين الانتماءات المختلفة، هو الوسيلة الآمنة التي تتيح التفاعل بين الهويات، بالأخص داخل المجتمعات التي تتكون من هويات متصارعة. فإذا أدركت المجتمعات – أفرادا وحكومات – أن تكوين بنية ثقافية تعددية يتيح دعم التفاهم بين الثقافات دون صدام، وينفي التصنيف التراتبي للبشر الذي يعطي الأفضلية لنموذج بعينه على النماذج الأخرى، هو المخرج الذي قد يذيب الفروق الإقصائية القائمة على اللون أو الدين أو النوع أو الأصل وغيرها من أشكال التمييز العنصري، فعندئذ سيكون أفول “الأصنام” الخالدة – التي تشيدها كل فئة عن نفسها وعن الآخرين – مهمة أكثر سهولة.

ينشر بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الثقافية اللندنية

10