حفيدات شهرزاد في مرآة النقد الغربي

كتاب يعيد اكتشاف الكاتبات العربيات بعيدا عن سياق الجنس وانغلاق الذات، وتمركز المرأة في دائرة الدفاع عن ذاتها للخروج من شرنقة الذكورية.
الأحد 2019/10/06
لوحة الفنان جبران هدايا

يبدو أن تجربة المرأة العربية في الكتابة لم تستوقف النقاد في العالم العربي فقط، بل امتد تأثيرها إلى الآخر الغربي، فأُوليت كتابات المرأة عناية خاصة على مستوى الترجمة حيث عنيت سلسلة جارنيت بترجمة الكثير من إبداعات المرأة العربية، في إطار مشروعها الكبير الذي هدف إلى جعل ترجمة كتابات الروائيات العربيات متاحة في إنكلترا، وهو نفس الدور الذي لعبته دار “زد” بإعادة نشر أعمال الكاتبات العربيات، بمقدمات جديدة، وهو ما يعدُّ تطورا لافتا في مجال النشر. وأيضا جاء الاهتمام على مستوى الممارسة النقدية، كنوع من اختبار المقولات الغربية وأبرزها النقد النسوي، وتأثير ما بعد الكولونيالية على هذه الكتابات.

وفي هذا السياق يأتي كتاب الناقدة البريطانية أنستازيا فالاسوبولس “الروائيات العربيات المعاصرات تعبير ثقافي” والذي صدر عن المركز القومي للترجمة، بترجمة سمير محفوظ بشير. وجاء هذا الكتاب في ستة فصول ضافية، توزعت على نماذج من الكاتبات العربيات على اختلاف بيئاتهن؛ كهدى بركات ونوال السعداوي وحنان الشيخ، ومي غضوب، وأحلام مستغانمي، وأهداف سويف، وآسيا جبار وغيرهن..

استشراق جديد

يكشف الكتاب عن ولع غربي – يفوق التصور، ومع الأسف غائب عن الترجمة-  بدراسة النتاجات العربية، في محاولة استشراق جديد، تستهدف هذه المرة البحث عن الأفكار والرؤى، ومحاولة استكناه الخيال وقراءة ما خلفه، وما يرمي إليه. الشيء المهم أن هذه الكتابات النقدية تتعامل مع هذه الكتابات لا على أنها وثائق تسجيلية، وإنما كأدب يعكس سياقات ثقافية وسياسية.

ترجع المؤلفة انحيازها للرواية كنوع أدبي عن باقي الأنواع الإبداعية التي برَعت فيها المرأة، إلى أن الرواية تستحوذ على الاهتمام الأكبر، ومن ثمّ ستكون أكثر تمثيلا للإبداع الأدبي. وسعت عبر مؤلفها لأن توضح كيف أن الأنوثة بكل ما يحيط بها من غرابة -وفقا لتعبيرها- كذلك كل النظريات الثقافية التي نشأت مع أدب ما بعد الكولونيال، يمكن لها جميعا أن تلعب دورا مهمّا في تفهّم هذه النصوص. إضافة إلى الدور الذي تلعبه الثقافة التخيلية والأشكال الأخرى من الثقافات الشعبية في العالم العربي والتي تستطيع أن تشدّنا لتفهم أعمال الكاتبات العربيات وإدراكها. فأشكال الثقافة التي يحتك بها المرء يوميّا، فإنها تستحوذ على الكثير من التأثيرات العاجلة.

في الفصل الأوّل الذي جاء بعنوان “النساء لسن بطلات أو رموزا تعبر عن الحداثة”، أبرزت المؤلفة النقد الذي وُجه لكتابات المرأة، كما اهتمت بمتابعة العلاقة بين النشاط الإبداعي النسوي الذي كان له فضل السبق. ومن خلال عرض جهود  النسوة العرب، كما اهتمت باستعراض الأفكار الاجتماعية العربية ونظرية ما بعد الكولونيالي.

ترجع المؤلفة انحيازها للرواية كنوع أدبي عن باقي الأنواع الإبداعية التي برَعت فيها المرأة، إلى أن الرواية تستحوذ على الاهتمام الأكبر، ومن ثمّ ستكون أكثر تمثيلا للإبداع الأدبي

وفي معالجتها لهذه الكتابات النقدية استرعاها أن تاريخ تلقي كتابات الأديبات العربيات وقبولها شابَه الكثير من الخلط. فبعض النقاد عرضوا لوجهات نظر ذات مدلول اجتماعي تاريخي، في حين أن آخرين كانوا أكثر حرصا على عرض الشكل الثقافي للنصوص، وإن كانت ترى “أنستازيا” أن هذه النصوص يجب أن تُقرأ في ضوء الاتجاهين، وأيضا بسبب ما تبرزه من خبرات مكانية والتأثيرات الثقافية، والتعبير عن الهوية الوطنية، والخبرات الجنسية، والتعبير عن دور الجنوسة  وما يثار من استفسارات تختص بمدى الاستجابة للمرحلة التي عاش فيها العالم العربي مستعمَرا.

وتسهب في حديثها عن النسوية العربية، على اعتبار أنها من تأثيرات الغرب، وتشير إلى أن هذا المصطلح له تاريخ معقد في الشرق الأوسط، بل وكثيرا ما يرتبط على المستوى الشعبي باعتباره تصويرا مهجّنا يشير إلى وجود صلة تربطه بالتداخلات الأجنبية وكل الاتهامات الأساسية الخاصة بالتأثير على مجريات الثقافة في العالم العربي في ما يختص بالنسوية التي تصوّر باعتبارها شكلا من أشكال هيمنة الغرب.

وتقرُّ بأن الإحاطة بالموضوعات الأنثوية في العالم العربي مهمة شاقة، في ظل الكثير من العقبات، بل وترى أنه حتى الآن لا يوجد قبول عام لتعبير النسوية، أو الأنثوية في اللغة العربية، وإن كان ثمة عدة صور تمّت صياغتها، لكي تتناسب مع احتياجات المرأة التي تعيش في كنه العالم العربي، وتعيش أيضا داخل نطاق مجتمع ديني أو علماني يسمح للتأثيرات الدينية بأن تتفعّل وتؤثر، أو داخل مجتمع يشجع العلاقات المثلية. وإن كان هناك بعض النشاطات الأنثوية التي تم قبولها باعتبارها احتياجات ضرورية، مثل الحاجة إلى تعليم النساء، وقبول عمل المرأة في نشوء الاحتياجات الاقتصادية، وتحقق هذا لا يعني إغفال غياب احتياجات أخرى لازمة مثل الحرية العامة المطلقة.

تخصّص الفصل الثاني من الكتاب للمصرية نوال السعداوي، ويأتي في ثلاثة مباحث الأول أشبه بقراءة لبواكير السعداوي، تسرد عبرها رحلتها من الطب إلى السياسة إلى الرواية، فترى في السعداوي نموذجا للمرأة المتفتحة الواعية بالتناقضات المتوارثة في المحيط الاجتماعي والثقافي، وتبرز إعجابها بعالم السعداوي الروائي، لإسهامه في خلق دعوة عالمية لتحرير المرأة، فالسعداوي وفقا لهذا تسعى لتأصيل الكرامة الإنسانية التي يجب أن تسود على مستوى العالم أجمع.

كما أنها تسعى لأن تقدّم مفهوما يهدف إلى النظر إلى إنسانية المرأة، واعتبارها امرأة بكل تحديداتها وصفاتها المعلومة. وفي ظني ثمة إفراط في مشروع السعداوي تحديدا، خاصة أن هناك قامات تعلو شامخات بإبداعها على مشروع السعداوي الذي ينحصر في ذاتها، والجسد، على عكس كاتبات مصريات أخريات ربطن بين ذواتهن والوطن في الرغبة في التحرر، كلطيفة الزيات، ورضوى عاشور، على سبيل المثال لكن نظرا لتابو الجنس الصريح عند السعداوي الذي جعل منها أيقونة لدى ناقدات الغرب، حتى أصبحت أداة للاستعمار الغربي، معطية بذلك للعرب سمعة سيئة على حد تعبير فدوى مالطي دوجلاس في كتاب “رجال ونساء وآلهة”.

في تحليلها لرواية “امرأة عند نقطة الصفر”، تركز الناقدة على الإطار الأنثوي للرواية، خاصة برفض فردوس بطلة الرواية القوانين الأرضية في محاكمتها، فرفعت من شأن بطلتها وأصعدت روحها فوق هذا العالم الذي تشعر بإزائه بالقلق وعدم الأمان.

الخطر والإبداع

جاء الفصل الثالث تحت هذا العنوان “الخطر والإبداع”، فكما تقول نوال السعداوي هل يوجد أكثر من الخطر كي يحفّز إبداعنا؟ وقد ركزت فيه المؤلفة على روايات الحرب اللبنانية، وتناولت فيه روايات حنان الشيخ، ومي غضوب، خاصة رواية “حكاية زهرة” للشيخ، ورواية “مغادرة بيروت” لغضوب. فكلتاهما قامت بكتابة خبراتهما في الحرب، لا لتوثيق الحرب، وإنما لكي تعيدا تشكيل كيف بزغت تلك المجموعة من الخبرات، ولكي تعيدا تشكيل حجم الإمكانيات التي أصبحت متاحة أمام النساء.

ورأت مع أن هذه الأعمال تناولت ثيمة الحرب، إلا أن الكتابة النقدية للمشاهد الحربية ليست بالضرورة قادرة على أن تصل بنا إلى تحقيق تأكيدات وتفسيرات ذات محتوى سياسي. فمع انغماس الكاتبات ووقعوهن في دائرة الحرب، وردود الأفعال حولها، إلا أنهن في الوقت ذاته يبدين اهتماما بالبناء الفني. كما أن الظلم والاضطهاد لا ينبثقان بوصفهما منتجا من منتجات الحرب، وإنما كظاهرة اجتماعية مألوفة سلفا للنساء، ومن ثم يُعاد تفسير المعايير الدينية والسياسية والجنسية التي تدل على هذا المنتج بواسطة النساء، فهن يستخدمن الكتابة كوسيلة للنظر في أنفسهن وهن يؤدين بعض مظاهر الجنوسة.

الكتاب يقدم لنا في الوقت ذاته وسائل إيجابية منتجة في مجال كتابات الروائيات العربيات
الكتاب يقدم لنا في الوقت ذاته وسائل إيجابية منتجة في مجال كتابات الروائيات العربيات

كما أن هذه الأعمال بما أنها مقاومة غير عنيفة تتيح للنساء أن يتصرفن بشأن خبراتهن الخاصة لكي يتفهمن أنفسهن كنسوة، ولكي يعدن تفسير ما يستطعن فعله خارج ما هو مألوف ومعروف من التصرفات السائدة وقت السلم. وبتدمير الأشكال الاجتماعية القديمة وهدمها، يمكن حينئذ للنساء أن يحققن التخلص والتحرّر من فيض الرغبات. فالكاتبات اللبنانيات ينظرن إلى حقائق الحرب باعتبارها فرصة لجعل مشاعر الظلم والاضطهاد وتحدي الكراهية واضحة.

وتتوقف في الفصل الرابع عند دور سلسلة جارنيت في ترجمة العديد من الأعمال تحت عنوان “الكاتبات العربيات” وكيف أن هذا المشروع كان يهدف إلى نشر أعمال الأديبات التي تكشف نوعية الاهتمامات والموضوعات، التي تتطرق إليها هذه الأعمال مثل الخبرات المكتسبة من الحروب، والصراع السياسي، وموقف الفرد بأن يكون فعّالا أثناء النضال. وترى أن السلسلة كان ينبغي لها أن تخضع للتقييم، والتساؤل لهذه الكتابات المختارة، هل عبّرت كل واحدة عن مجتمعها، ومدى قدرتها على الانغماس في الموضوعات العامة التي تمثل صعوبة في خلق التجانس والمواءمة عند المتلقي؟

أما الفصل الخامس فقصرته على الجزائرية أحلام مستغانمي، والمصرية أهداف سويف. وقد وجدت أن اعتماد الكاتبتين على شكل يمزج الاجتماعي بالسياسي يعدّ ربطا مشتركا بينهما، حيث من خلال هذا الربط تحدث المعايشة واكتساب الخبرات من خلال حياة الفرد. ومن خلال التحليل استطاعت أن تربط بين ما هو سياسي وما هو شخصي. فالحياة الشخصية للأفراد، وكذلك عواطفهم تتأثر بمدى واسع من المطالب والاحتياجات، وهذه المطالب على تنوّعها تحدّد الخبرة الشخصية للأفراد. حيث يصبح تفهُّم الأحداث السياسية والاجتماعية وتأثيراتها غير ممكن إلا من خلال تحويلها إلى نوع من العلاقات مع الحبيب على الأخص الحبيب الذي يخيّب الظنون.

في الفصل الأخير تتناول أعمال آسيا جبار وليلى صبار، وكيف أن أعمالهما كانت بمثابة إعادة تأسيس وإنشاء لشكل التغريب، وتقول إنهما كانتا قادرتين على ولوج المنحى الاستشراقي، وقدرتهما على تبصيرنا بما يعتمل في نفسيهما من تأثيرات منظومة الكولونيالية التي تظهر أحيانا وهي تحتك لا شعوريّا داخل النص. فعلى سبيل المثال في رواية  “شهرزاد” لليلى صبار، تستخرج صبار بكل مهارة خبرة شهرزاد الاستشراقية بشكل مضاد لتصورات “جوليان”، فتكشف عن ذلك الولع الذي يحدثه الاستشراق والتغريبة في وجدان بطلتها. فعبر الشراك التي تنصبها الفنون الاستشراقية يمكن أن تقنن مشاعر الإنسان لأنها في منتهى الوضوح، وهو ما يفسره شعور شهرزاد بالراحة وهي إلى جانب هذه اللوحات. فشهرزاد لا تهرب مما تثيره هذه اللوحة فيها، وإنما تهرب ناحية عالم آخر.

وترى في رواية أحلام مستغانمي “ذاكرة الجسد” التي صدرت عام 1985، وترجمت إلى الإنكليزية عام 2000، أنها تمثل لحظة مهمة في مسار نشاط الروائيات العربيات، ومرجع هذا كما تقول ليس لأن بطل الرواية فنان ذكر، ويعتبر واحدا من مقاتلي الثورة الجزائرية السابقين في المقاومة، بل لأن الرواية بأكملها يظهر التعبير فيها كأنما هو كتالوج مفعم بمعاناة الحبيب التي ينقلها إلى حبيبه، وأيضا كما تقول عايدة بامية، وقد تناولت تحليل ونقد الرواية قبل الترجمة،  إن “هذه الرواية أحيت موضوع الحرب الجزائرية من أجل الاستقلال بكل قسوة وصراحة”.

في النهاية، الكتاب يعيد اكتشاف الكاتبات العربيات بعيدا عن سياق الجنس وانغلاق الذات، وتمركز المرأة في دائرة الدفاع عن ذاتها للخروج من شرنقة الذكورية، ويقدم لنا في الوقت ذاته وسائل إيجابية منتجة في مجال كتابات الروائيات العربيات، التي تعمل بما يفوق حدود السياق الاجتماعي والسياسي.

11