خالد الحمزة رسام تجريدي برؤى إنسانية عميقة

الطابع الحركي للجسد البشري هو ما يشكل مصدر الإلهام الأساس للتكوين في رسوم الفنان الأردني من خلال ذلك الطابع يكتشف الفراغ والثغرات التي تفصل بين فكرة وأخرى.
الأحد 2020/12/06
فنان أردني سحره الإنسان واحتضنته الطبيعة

"هذا هو الفن" عبارة مضللة ومراوغة وواسعة المعاني إضافة إلى أنها قد تؤدي إلى سوء فهم صعب. تلك العبارة هي عنوان أحد كتب الفنان الأردني خالد الحمزة. وإذا ما عرفنا أن الحمزة معني بتاريخ الفن يمكننا أن ننفتح معه على آفاق العبارة التي لم يتعامل معها من منظور ضيق.

في رسومه تمتزج الأساليب وليس من الصعب الاهتداء إلى مصادر إلهامه التي غالبا ما تتحول من مشاهدها البصرية الأولى لتأخذ طابعا ينسجم مع سلوك يده وهي تسعى إلى بناء عالم مجاور.

النظر عن قرب

الفن "حلم حياة"
الفن "حلم حياة"

تجريدي، غير أن أصول مفرداته لا تختفي نهائيا، بل إنه أحيانا يعود إلى تلك الأصول فتستعيد المفردات الأشكال البشرية التي انطلقت منها لتكون الخلاصة هذه المرة مرتبطة بالرغبة في التعبير عن مزاج يتغير أثناء الرسم.

لقد تعلم من التجريد كيف يكون تشخيصيا. علاقة تبدو مقلوبة لأول وهلة غير أن تأمل رسومه التجريدية لابد أن يجعلنا قادرين على اكتشاف أسرار اللعبة في اقتناص مشاهد عضوية وتحويلها إلى مجموعة من العلاقات الجمالية.

في أقصى مراحل انشداده إلى الإيقاع، يحافظ الحمزة على صلة من نوع ما بالتركيب العضوي الذي تبدأ منه محاولة الرسم ولا تنتهي إليه. تلك الصلة تجعله واقفا على أرض صلبة يمكنه من خلالها أن يغني رؤيته التجريدية بالكثير من المشاهد ذات الصلة بالحياة اليومية.

وإذا كانت الطبيعة بشكل عام قد لعبت دورا كبيرا في الإلهام التجريدي فإن الحمزة يضع الإنسان موضع الطبيعة التي لا يتنكر لها في لعب ذلك الدور. والإنسان هنا عبارة عن أجزائه التي تظهر من خلال حركته.

الطابع الحركي للجسد البشري هو ما يشكل مصدر الإلهام الأساس للتكوين في رسوم الحمزة. من خلال ذلك الطابع يكتشف الفنان الفراغ والثغرات التي تفصل بين فكرة وأخرى.

لا شيء مما يمكن أن يُسمى استهلالا أو خاتمة. الشيء بالنسبة للرسام يُرسم لكي يستمر في تحوله ولكي يوحي باستمراره في الحركة. مفردات الحمزة هي أشبه بالكائنات التي تتحول من شكل إلى آخر حسب الطريقة التي تُرى بها والزاوية التي يُنظر من خلالها إليها.

فنان تعامل مع النتائج الجمالية من الداخل
فنان تعامل مع النتائج الجمالية من الداخل

لذلك فإن استعادة أشكالها العضوية يمكن أن تساعد على التماس مباشرة مع أصولها البشرية والنباتية. ستكون الحيلة جاهزة. أن نرى عن قرب فتكون الأشياء مختلفة.

ولد عام 1955 وأكمل دراسة التربية الفنية بجامعة حلوان، ثم نال شهادة الماجستير من الجامعة نفسها. كان عنوان أطروحته “القيم الفنية في تصميم محراب المسجد كمصدر لتصميم جداريات داخلية”. كما نال شهادة ماجستير ثانية في تاريخ الفن والعمارة من جامعة أوهايو بالولايات المتحدة التي أكمل فيها دراسة الدكتوراه. ومنذ عودته إلى بلده وهو يمارس عمله في جامعة اليرموك أستاذا لتاريخ الفن والعمارة العالمية.

أقام الحمزة أول معارضه عام 1980. بعده أقام أكثر من عشرة معارض في أمستردام وجدة وبيروت وعدد من المدن الأردنية. وبسبب تخصصه الأكاديمي في الجانب النظري من الفن فقد كان الحمزة حريصا على تأليف كتب مزج من خلالها بين الجانب التاريخي والجانب النقدي في ما يتعلق بالنظرية الجمالية. من بين تلك الكتب نذكر “الفن والزمن” و”هذا هو الفن” و”الكرسي والتوقيع”. كما ألّف كتابا عن تجربة صديقه الفنان محمود صادق بعنوان “الفن حلم حياة”.

درس الفنون الإسلامية وكان تأثيرها واضحا في فنه لكن بطريقة غير مباشرة. لقد تعلم الأسس التي أقيمت عليها تلك الفنون واستلهمها في فنه من غير أن يقتبس عناصرها. ففي فنه يظهر التكرار جليا غير أن ذلك التكرار لم يكن لغايات زخرفية. كما أن الإيقاع يلعب دورا مهما في إنجاز نظام التكوين ويتحكم بعلاقات المفردات، بعضها بالبعض الآخر.

تعامل مع النتائج الجمالية من الداخل بحيث أنه كان قادرا على الوصول بتلك النتائج إلى أسسها واستعمال تلك الأسس في صناعة لوحة حديثة تمثله وتستجيب لتجربته في الحياة وفكرته عن الرسم. تلك صيغة فريدة من نوعها في التعامل مع التراث والاستفادة منه من غير الانزلاق في مشكلات الهوية القومية المفتعلة. وهو ما جهّز الفنان بأرضية مستقلة انطلق منها في اتجاه هويته الإنسانية. أبدع الحمزة أعمالا هي انعكاس لتجربته الحية.

اللعب في الطبيعة بموادها

لأساليب تمتزج في رسومه، وليس من الصعب الاهتداء إلى مصادر إلهامه التي غالبا ما تتحول من مشاهدها البصرية الأولى لتأخذ طابعا ينسجم مع سلوك يده وهي تسعى إلى بناء عالم مجاور
الأساليب تمتزج في رسوم الحمزة، وليس من الصعب الاهتداء إلى مصادر إلهامه

في أعماله الفنية المعاصرة يمزج بين أنواع فنية كثيرة لينتج عملا فنيا منسجما مع مواده ومعبرا عن فكرته. فهو يلجأ إلى التركيب واستعمال المواد الجاهزة منغما بين عناصرها كما أنه يصنع مشهدية خارجية مستعارة من “فن الأرض” وفي بعض الأحيان يكون “فن الحدث” حاضرا. وفي ذلك كله يسعى الفنان إلى التخلص من حدود العرض في قاعات فنية ضيقة.

حين يعرض أعماله في الفضاء المفتوح فإنه يخلص إلى المواد الجاهزة التي استعارها من الطبيعة، لا ليعيدها إلى وظيفتها الأولى بل لكي يضفي عليها وظائف جديدة تكون في الجزء الأكبر جمالية غير أن ذلك الجزء لا يضيق الخناق على الوظيفة الفكرية التي تخلى الفنان بسببها عن الرسم ولجأ إلى وسيلة مختلفة في التعبير.

تبدو أعماله في ذلك المجال صادمة فهي لا تذكر بتجربته في الرسم وهو ما يشكل إشارة إلى بحثه الموسع في الفنون المعاصرة بحيث يبدو كما لو أنه فنان آخر. لقد مشى في عالم مختلف، عالم سيكون من خلاله الآخر الذي يؤسس لوجوده في مكان، سيكون علينا أن نتعرف عليه من جديد. إنها محاولة لصياغة نوع جديد من الحياة.

يتخذ الحمزة من الطبيعة مسرحا لنشاط فني غير مألوف، ومن خلال أعماله تلك يمكننا أن نتأمل علاقات جديدة بالطبيعة لا يغلب عليها التجريد الشكلي بقدر ما تغلب عليها الأفكار. إنه لا يموسق مشاهده كما لو أنه يرغب في إظهار وحدتها الداخلية. في بعض الأحيان ينفعه أن تتماهى مواده مع ما يفرضه عليها من تضاد وهو يبعثرها. تلك فكرة ستكون أشبه بالدعابة التي يتسلى المتلقي من خلالها. يمكنه أن يجمع مواده ويخفي أثرها غير أن أثرها لن يُمحى.

أينما تمد يديك

الحمزة يلجأ إلى التركيب واستعمال المواد الجاهزة، منغما بين عناصرها
الحمزة يلجأ إلى التركيب واستعمال المواد الجاهزة منغما بين عناصرها

يظل الحمزة رساما تجريديا حريصا على مصادر إلهامه التي تقع في المشهد الإنساني. لذلك فإنه لا ينفي علاقته بالتشخيص. إنه يرسم بشرا على هيئة حشود. حينها يكون كل واحدة من أولئك البشر مفردة تثبت التجريد ولا تنفيه.

أما علاقته بالطبيعة فإنها تأتي على هيئة اعتراف. فهو يحتاج إلى الطبيعة لا بسبب المواد التي يستعيرها منها لخلق “أساطيره المعاصرة” فحسب بل وأيضا لأنها تشكل الفضاء الذي يقوم بعرض مشاهده المتغيرة فيه.

الإنسان والطبيعة يشكلان مصدري إلهام وفي الوقت نفسه مرجعين. فحين يتراجع الفنان عن غموضه التجريدي يعثر على ما يغيثه. المادة التي تسبح في الكون. وهي صلته بحياة لا تزال مستعدة لاستقباله.

لقد استفاد الحمزة من الأشكال العضوية واستعملها في لوحاته غير أن عينه تظل مصوّبة إلى الأصل. وهو في ذلك ينسج علاقة لا يمكن التفكير في نهايتها. هي علاقة الابن الذي يعود إلى بيته كلما شعر بالغربة. أينما يمد يديه يعرف الحمزة أن هناك مَن يستقبلهما.

9