داليا بعاصيري فنانة تلتفت إلى الوراء من أجل المستقبل

الفنانة التشكيلية اللبنانية تصنع فنها بما ينسجم مع طريقة معاصرة في التفكير في علاقة الفن بالجمال من جهة بالحياة من خلال واجهتها السياسية ومن جهة أخرى.
الأحد 2021/04/04
فنانة تأخذها المنسيات إلى زمنها الشخصي

منذ عشرينات القرن العشرين والفنانون التشكيليون يخشون من الضياع إن اقتربوا من “الدادائية”، وهي حركة فنية عبثية ازدهرت ما بين عامي 1916 و1921. بدأت في زيورخ وانتشرت في أوروبا وعبرت الأطلسي. كان لها حضور في كل الأنواع الأدبية والفنية. ولأنها اتخذت من الهدم شعارا لها فقد بات الفنانون يخشون منها. وبالرغم من ذلك فقد تركت أثرا عميقا على العديد من الظواهر الفنية وفي مقدمتها فن البوب وجماعة فلوكسس. غير أن أحدا من العرب لم يسع إلى الاقتراب من مبادئ دادا، لا على مستوى الأفكار ولا على مستوى التقنيات. وتكاد اللبنانية داليا بعاصيري تكون الفنانة العربية الوحيدة التي اقتربت من دادا بوضوح وحكمة وتمكّن.

"دادا" مرجعية لا تُستعاد 

نظرت بعاصيري إلى العالم من منطلق دادائي وأتقنت استعمال التقنيات والأدوات الدادائية في صناعة فنها. لم يكن المطلوب أن تكون دادائية. ذلك ما لا يستحق عناء التفكير فيه. لقد مضى على صيحة دادا أكثر من قرن من الزمن وتغير الفن كما لم يحدث له في كل القرون السابقة منذ عصر النهضة.

بعاصيري هي ابنة الفن المفاهيمي وهي تصنع فنها بما ينسجم مع طريقة معاصرة في التفكير في علاقة الفن بالجمال من جهة ومن جهة أخرى بالحياة من خلال واجهتها السياسية.

وبهذا المعنى فإن ابنة صيدا لا ترغب في إحياء دادا التي أعلنت موتها بنفسها بل إنها تطبق واحدا من أهم مبادئ فكر ما بعد الحداثة حين تمد يدها براحة وخفة إلى واحدة من أكثر مراحل التحول الفني تفجرا وقلقا واضطرابا لتلتقط ما يناسبها وينسجم مع علاقتها بالعصر الذي تحاول المساهمة في هدمه ومن ثم إعادة بنائه.

أناقة بعاصيري في صنيعها الفني لا تتعارض مع بحثها عن طرق سالكة، ووعرة في الوقت نفسه، تقودها إلى الحياة السياسية التي يعيشها لبنان ومن خلفه العالم العربي

أناقة بعاصيري في صنيعها الفني لا تتعارض مع بحثها عن طرق سالكة، ووعرة في الوقت نفسه، تقودها إلى الحياة السياسية التي يعيشها لبنان ومن خلفه العالم العربي في نوع من الإثارة المربكة والصدام المرير بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي. وفي عمومه فإن فن بعاصيري يثني على دعوة جوزيف بويز إلى فن اجتماعي لا يفك ارتباطه بالسياسة.

حرب أنيقة تلك التي تخوضها بعاصيري دفاعا عن البيئة والإنسان وهي حرب عالمية ذات إطار محلي. وهنا كما أتصور يكمن جزء مهم من القيمة الاستثنائية لفنها.

ولدت في صيدا عام 1981 وتخرجت من الجامعة اللبنانية الأميركية بعد أن درست التصميم الغرافيكي. وحصلت على شهادة الماجستير من كلية تشيلسي للفنون بلندن.

عام 2017 أقامت معرضها الشخصي الأول وذلك في قاعة جانين ربيز ببيروت. قبل معرضها وبعده حصلت داليا على عدد من المنح الفنية التي أهلتها للإقامة الفنية في إيطاليا وإسبانيا. وقد أقامت معرضا شخصيا لأعمالها في برشلونة عام 2018. تعالج موضوعاتها من خلال الرسم والنحت والتجهيز والتصوير، وأتوقع أنها تصنع أفلاما. أما لماذا أتوقع ذلك؟ لأن فنها يعتمد في جزء منه على مساهمة حسية يقوم بها الآخرون لتؤكد من خلالهم موقفها السياسي.

“الخطوط موجودة في كل مكان ولكن لا يمكننا رؤيتها. مثل الخلايا تتكاثر وتتوسع وتتشابك بشكل تدريجي وتشكل إمكانيات لا حصر لها من الأشكال. إنني أرى العالم باعتباره رسما كرويا عملاقا. غرفة تسكنها كائنات وعناصر تتحرك باستمرار، تدفعهم نبضاتهم من نقطة إلى أخرى مما يخلق مسارات خطية” تقول بعاصيري.

قضت الفنانة الجزء الأكبر والأساس من طفولتها في ظل الحرب الأهلية وهو ما جعلها تندفع في اتجاه الرسم الذي وجدت فيه ملاذا. ربما صدر اهتمامها بالخط من تلك المرحلة التي امتلأت بالخطوط الفاصلة وفي مقدمتها خطوط التماس التي تفصل بين المناطق المتقاتلة.

صورة

لقد امتلأت طفولتها بالغبار. إحساس ظل يرافقها وهي تعيد اكتشاف الأشياء من حولها من خلال التعرف على السطح والحجم والسُّمك والوزن كما لو أنها لا تصور تلك الأشياء بل تسعى إلى استحضارها بكامل قوتها لتؤثث بها أعمالها. وهو ما ستفعله، لكن من خلال الاستعانة بالبقايا. وهو مفهوم ستبدو داليا بعاصيري من خلاله في أقرب حالاتها إلى الدادائية. من خلال مفهوم البقايا ستتسلل إلى آثار الإنسان التي تُترك على الأشياء.

زمن جمال لم تعشه

تملك بعاصيري فكرتها الشخصية عن صناعة لوحة لا تقوم على الأسس التقليدية التي تعلمتها أثناء الدرس الأكاديمي. لذلك فإنها تتعامل مع الأشياء باعتبارها وقائع يومية لا يتحكم بها البشر حين تنسل من بين أصابعهم بعفوية وهم يؤدون نشاطاتهم كتنظيف النوافذ وكنس الأرضيات. ما الذي يتبقى بعد أن ينجلي الغبار؟ تلك مواد ستكون جاهزة للاستعمال، كونها نسيجا منسجما من المادة الخام ومن الأثر الذي تركه الإنسان حين استعملها.

تمد الفنانة يدها بعد بصرها إلى العادي المهمل الذي يمكن أن يُنسى أو أنه أصبح منسيا بعد استعماله لتعيد إليه صلاحية كماله لكن في مكان آخر. ومن الصادم أن يكون ذلك المكان نبيلا.

لم تصل المحاولة الدادائية إلى هذه الدرجة من الإجلال للمادة. بعاصيري تجل موادها بطريقة تكسب أعمالها الفنية مكانة لافتة بين ما هو فني وما هو اجتماعي. ذلك ما تحاول العثور عليه في الرسم باعتباره المأوى الذي يضمها إلى جانب المواد التي صارت تستمد حيوية كامنة هي تلك الحيوية التي تصدر عن الذكريات الإنسانية. سيشك المرء في ما لو كانت الفنانة تحن إلى زمن لم تعشه ولكنها صارت تستحضره من خلال بشر عاشوه. ذلك الزمن لم يكن زمنها الحي ولكنه صار بسبب ارتباطها المفهومي به زمنها الجمالي. إنها تحيي زمنا من خلال أشياء ناسه المنسية والمهملة التي إن لم تعثر عليها فإنها ستخترع الوسائل التي تقودها إليها. وهي وسائل ليست خشنة، بل غالبا ما تكون رقيقة ومفرطة في حنينها.

صورة

“توثيق اللحظات العابرة“؟ ليس في الإمكان الحديث عن الذكريات وحدها بسبب تلك المهمة. هناك مواد وتقنيات هي من صلب الحقيقة التي لها صلة بتلك اللحظات العابرة. تستعمل بعاصيري مناديل سبق وأن استعملت من قبل بشر أريد لهم أن يستذكروا ماضيهم. ذلك ماض هو عبارة عن ركام من اللحظات التي لا يمكن الفصل بينها.  تصنع الفنانة لوحتها بمواد لا يمكن وصفها بـ”المستهلكة”، بالرغم من أن تلك المواد قد تم استهلاكها بالنسبة إلى الأشخاص الذين استعملوها. لقد تُركت تلك المواد باعتبارها منسيات ولكنها المنسيات التي أبهرت الفنانة بجمالياتها الخفية.

تستعمل تلك المناديل التي تحمل آثار بشر منسيين لتكون خلفية لا تخفيها مادة الأكريليك أو الفحم أو الغراء. يبقى كل شيء في مكانه ليؤشّر من خلال ثباته على زمن قررت الفنانة أن يكون زمنها المتخيل. يشبه الأمر ترميم أثر ما لا من أجل إبقائه حيا بل من أجل التعرف عليه كما لو أنه مادة لفيلم وثائقي لا ينتهي بعد أن تنتهي لقطاته.

توثق حياة مرت على شعب لم يعد قادرا على تذكر تفاصيلها غير أنها حين تنقب في أرض تلك التفاصيل تعثر على جماليات هي ليست من بنية ذلك الزمن العابر. تركب داليا بعاصيري زمنا على زمن لتفوز بزمنها الشخصي.

صورة

 

9