داود أوغلو يشقّ عصا الطاعة في وجه أردوغان

رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود أوغلو صاحب استراتيجية "صفر مشاكل" يؤسس حزبا جديدا لإنقاذ تركيا من قبضة أردوغان.
الأربعاء 2019/08/14
رئيس الدولة يجب أن يكون غير رئيس الحزب

أنقرة – بات أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء التركي السابق على أهبة الاستعداد لتأسيس حزب جديد ليعلن القطيعة بصفة تامة مع حزب العدالة والتنمية الحاكم والرئيس رجب طيب أردوغان، الذي أفقدت سياسته  تركيا علاقاتها المتينة مع عمقها الإقليمي وقفزت من استراتيجية داود أوغلو الشهيرة بـ”صفر مشاكل” إلى “صفر أصدقاء”. كما كرست الدكتاتورية في الداخل.

وتخرج هذه الخطوة موقف رئيس الحكومة، وزير الخارجية الأسبق، من حالة الغموض والتردد التي استمرت لأسابيع إلى وضع أكثر وضوحا ما يوسع دائرة الغاضبين على سياسة أردوغان من أصدقاء الأمس وينضم داود أوغلو إلى الرئيس السابق عبدالله غول، ووزير الاقتصاد السابق علي باباجان، وقيادات أخرى بدأت تبحث عن فضاءات حزبية جديدة بعيدا عن دكتاتورية الرئيس، الذي يريد أن يمسك بكل الملفات ويحتكر القرارات، فضلا عن إغراق الحزب بمقربين منه.

وكشف موقع أحوال “تركية” بأن مجموعة من السياسيين الداعمين لداود أوغلو باتت على أتم الاستعداد لإطلاق حزب سياسي جديد وافتتاح مقار له في 70 محافظة من محافظات تركيا البالغ عددها 81 محافظة.

وتولّى داود أوغلو منصب رئيس الوزراء عندما انتُخب أردوغان رئيسا لتركيا في عام 2014، لكنه هُمّش لاحقا واستقال من منصبه عام 2016، وبعد أن منُي حزب العدالة والتنمية الحاكم بسلسلة من الهزائم في الانتخابات المحلّية في مارس الماضي، أصبح داود أوغلو أحد من ينتقدون الحزب علنا، ونشر بيانا مُطوّلا على فيسبوك.

وزادت التكهنات منذ ذلك الحين بأن داود أوغلو يُخطط لإطلاق حزب سياسي جديد، لكنّه قال الشهر الماضي إن اتّخاذ مثل هذه الخطوة سيكون آخر ما سيلجأ إليه.

لكن إحدى الشخصيات البارزة التي تعمل مع داود أوغلو قالت إن الحزب الجديد أسس بالفعل مقرّات في إسطنبول وأنقرة، وإنه مستعد للانطلاق في 70 محافظة. وأشار المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إلى أن داود أوغلو سينشر بيانا جديدا للجماهير الشهر المقبل.

وأضافت الشخصية التي لا تزال عضوا في حزب العدالة والتنمية، أن الحزب الحاكم قرر إجراء تعديلات شاملة في هيكل الموظفين العاملين في المؤسسات البلدية بعد الانتخابات المحلية.

لكنه أشار إلى أن الحزب أجّل تنفيذ تلك التعديلات من أجل الحيلولة دون انضمام الأعضاء الذين سيتم إقصاؤهم إلى أي حزب سياسي جديد، قد يتأسس بزعامة داود أوغلو وعلي باباجان، النائب السابق لرئيس الوزراء.

وسيتبنى داود أوغلو الذي تولى منصب وزير الخارجية خلال الفترة من 2009 إلى 2014، المبادئ التأسيسية التي قام عليها حزب العدالة والتنمية، وتقاليد الحزب الإسلامية، وسيصوغ سياسات لن تقتصر أهدافها على تركيا فقط، وإنما ستشمل المجتمع الإسلامي الأوسع نطاقا، وفقا لما ذكره المصدر.

ومن شأن حفاظ الحزب الجديد على الهوية الإسلامية للحزب السابق أن يعيد إنتاج نفس الأزمة، وذلك من خلال سهولة تحويل الزعيم المؤسس إلى دكتاتور تحت مسوغ تقليد السمع والطاعة الذي يسيطر على الأحزاب المحافظة.

كما أن هذا التقليد قد يقود تركيا إلى التورّط مجددا في فتح الأبواب أمام رموز الإسلام السياسي المتطرف والتي تهدد أمن دول إقليمية وتوتر علاقاتها بأنقرة، وهو ما يعني التخلي عن استراتيجية “صفر مشاكل” والسقوط في الطريق الذي سلكه أردوغان.

لكن داود أوغلو، المعروف أيضا بأنه مُعلّم، نظرا لمهنته الأكاديمية، يُريد تغييرات في النظام السياسي.

دائرة الغاضبين على سياسات أردوغان تتوسّع
هزائم عديدة تلاحق أردوغان وتضغط عليه

وقال المصدر إن “المُعلم يريد بعض الأمور. أولا، هو يريد أن يكون رئيس الدولة شخصا آخر غير رئيس الحزب، فضلا عن أنه يرغب في زيادة صلاحيات البرلمان”.

وأضاف أن داود أوغلو يُريد أيضا أن يُنهي حزب العدالة والتنمية تحالفه مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف.

وتحوّلت تركيا من النظام البرلماني إلى نظام رئاسي تنفيذي بعد الانتخابات العامة في يونيو 2018. وفي ظل زيادة نسبة التصويت اللازمة لأعلى منصب في البلاد إلى 50 في المئة زائد واحد في إطار النظام الجديد، دخل حزب العدالة والتنمية في تحالف انتخابي مع حزب الحركة القومية. وواجه ذلك التحالف انتقادات لاذعة من جانب داود أوغلو.

وقال المصدر إن داود أوغلو سيُصدر بيانا جديدا في سبتمبر، ليعلن فيه مطالبه في مسعى أخير للتعاطي مع أردوغان. لكنه أشار إلى أن “أردوغان لن يقبل هذه (المطالب) أبدا بأي حال من الأحوال”.

وزار أردوغان، الأسبوع الماضي، مركز البوسفور للشؤون العالمية في إسطنبول، حيث مقر مجموعة (عصابة البجعة) التي يُقال إنها مرتبطة بصهر أردوغان، وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق.

ويُعتقد أن تلك المجموعة تعمل من خلال صحيفة (صباح) ومركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (سيتا) المرتبط بالحكومة.

ولعبت وثيقة حملت اسم “ملف البجعة”، تُنسب إلى هذه المجموعة دورا بالغ الأهمية في عام 2016، قبل استقالة داود أوغلو. وتناولت تلك الوثيقة 27 نقطة خلاف بين رئيس الوزراء والرئيس آنذاك، وطَرَحت داود أوغلو كشخصية تُقوّض حزب العدالة والتنمية. وقال المصدر إن زيارة أردوغان لمركز البوسفور للشؤون العالمية أثبتت أن الرئيس يقف مع عصابة البجعة.

وكشف المصدر أنه لم يتشكّل أي تحالف بين داود أوغلو ومجموعة تعمل مع باباجان والرئيس السابق عبدالله غول لتشكيل حزب آخر، لكن هناك جهودا بُذلت من أجل تعزيز الحوار.

وقال مصدر آخر مقرب من المبادرتين إن كلّا منهما حصل على ما يتراوح بين خمسة وعشرة في المئة من الأصوات المؤيدة في أحدث استطلاعات للرأي.

وأردف المصدر الثاني قائلا “كما أرى، فإنهما (باباجان وغول) سينتهجان سياسات لها منظور ديمقراطي لجذب أصوات الناخبين من الجماعات العلمانية”، كاشفا أنهم “يحاولون وضع سياسات تتمحور حول المدن، وإيجاد حلول للتجار والطبقة المتوسطة والأزمة الاقتصادية الحالية” مضيفا أن داود أوغلو سيلقى في الوقت ذاته قبولا لدى الإسلاميين والمحافظين.

وأضاف أن حزب داود أغلو “قد يكون مؤثرّا على وجه الخصوص بين الكوادر الإسلامية والنسوية الجديدة. في واقع الأمر، فإن حزب العدالة والتنمية تَمَكّن من زيادة عدد الأصوات المؤيدة له من خلال مثل هذا النموذج التنظيمي، ومن ثم وصل إلى السلطة. لكن المنظور القومي الذي تَفشّى في الحزب، فتح الباب في نهاية المطاف أمام نهج هدفه الوحيد هو إبقاء الوضع على ما هو عليه”.

1