دمى وأزياء ومجسّمات تثير الرعب في "الهالوين"

جدل مصري حول الاحتفال بطقوس غريبة في عيد الهلع.
السبت 2020/10/17
طرد الأشرار وجلب المرح

هل يحق للشعوب أن تشترك في احتفالاتها فتعم البهجة العالم؟ سؤال لا يستحق جوابا لأن الأمر يتعلق بالفرح الذي لا يرفضه أحد، لكن في مصر أثير جدل حول احتفال المصريين بالهالوين الذي يرتبط بالأسطورة ولا يرتبط بدين دون غيره، بل هو مناسبة لهو وأدرينالين عند الناس.

القاهرة - مع اقتراب نهاية شهر أكتوبر تشهد بعض الدول العربية جدلا واسعا حول الاحتفال بـ”الهالوين” أو عيد الهلع في الغرب، والمبالغة في مظاهر استقباله، وأهمّها تصميم أزياء وعرائس وإكسسوارات محلية الصنع للأطفال والكبار لارتدائها وتزيين البيوت والمدارس والنوادي بها أثناء الاحتفال به.

ويعاد النقاش من جديد حول هذا الاحتفال، مما يولّد انقساما واختلافا في الآراء، بين من يعتبره تقليدا أعمى للغرب يرسخ نوازع العنف والهلع لدى الشباب، ومن ينظر إليه كمناسبة موسمية تدخل البهجة والتشويق والخروج عن ملل الحياة الرتيبة. وبين هذا وذاك، هناك من يرون أنه يمكن تحقيق توافق في الجانبين من خلال بعض الضوابط.

لم يعد الأمر يقتصر على تنظيم مجموعات من الشباب أو الفنادق والمقاهي لحفلات الهالوين، كما كان سائدا قبل سنوات، إنّما انضمّت له بعض المدارس الدولية والجامعات الخاصة، والغريب أن ثمة أمهات ينظمن هذه الحفلات في مصر.

وقالت سلمى إمام، وهي مسؤولة الأنشطة بإحدى المدارس الدولية في القاهرة، وتحرص على تنظيم هذا الاحتفال للعام الثاني على التوالي لـ”العرب”، “لا تجد إدارة المدرسة مشكلة في إقامة مثل هذا الاحتفال، إنه مناسبة تنجح في بث البهجة والمرح، ولا تتعارض مع عادات وتقاليد المجتمع، ولا تتماهى مع ديانة بعينها، هو عيد للسعادة”.

ملابس الهالوين تتراوح بين الشخصيات الكرتونية المفضلة لدى الأطفال وملابس وإكسسوارات الشخصيات شديدة الرعب في الأفلام لدى الكبار

وأضافت “لقد رصدنا لأي مدى ينتظره الشباب، ويستعدون له بفرحة وشغف، وتتعالى ضحكاتهم في أثناء الاحتفال، ومن ثم في الأيام التالية له، وتسيطر عليهم حالة من الانطلاق وتجدد النشاط وهم يستعيدون ذكرياتهم ويتبادلون الصور خلال هذا اليوم غير التقليدي”.

وتابعت سلمى قائلة “لا يتعارض احتفاء المدرسة به مع العملية التعليمية، واتخاذ إجراءات احترازية لفايروس كورونا، وليس صحيحا أنه نوع من مغازلة التلاميذ وإرضاء رغباتهم فقط، إنما هو في إطار احتوائهم بدلا من لجوئهم إلى تصرفات  خاطئة، فعلينا معرفة أن الهالوين ليس عارا، وهو احتفال تاريخي يعود إلى تقاليد مجموعة الشعوب الهندو-أوروبية، في حين يقول البعض الآخر إن جذوره تعود إلى أيرلندا واسكتلندا”.

وكانت هذه الشعوب تعتقد أن إله الشمس يقع في أسر الموت والظلام يوم الحادي والثلاثين من أكتوبر، وفي ليلتها تحاول أرواح الأموات العودة إلى عالم الأحياء.

ومن هنا يرتدون أقنعة وملابس مرعبة ليتمكنوا من طرد الأرواح الشرّيرة، حسب اعتقادهم، وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر استقبلت أميركا أعدادا ضخمة من المهاجرين الجدد، لاسيما من الأيرلنديين، بما ساعد على الترويج للاحتفال بالهالوين، ومع نهاية القرن تحوّل إلى واحد من أشهر الاحتفالات، ومنها انتشر في العالم.

إذن، الأمر لا يغدو كونه بمثابة أسطورة تثير شغف الأطفال بخيالهم الواسع، والشباب بحماسهم ورغبتهم في المرح والانطلاق، وبالتالي تصبح المسألة مجرد إشباع لهذا الشغف، طالما كان بعيدا عن الممارسات الخاطئة.

هالوين القاهرة

كسر الروتين والمألوف عند الكبار
كسر الروتين والمألوف عند الكبار

رصدت “العرب” في القاهرة مجموعة من التطورات في السنوات الأخيرة مرتبطة بالهالوين. فإلى جانب المراكز التجارية والفنادق والمقاهي، انضمت بعض المراكب النيلية التي ترفع شعار “لا نجاة” باعتبار أن البديل الوحيد لمن يطارده الشبح هو إلقاء نفسه في النيل، علاوة على بعض المطاعم التي تقدم أطباقها اللذيذة تحت شعار، “فكر بالطعام كالضحية”، لأنه سيكون هناك دم.

أضف إلى ذلك الفعاليات الصاخبة على أصوات الـ”دي.جي” في حفلات تنكرية بنواد في أحياء راقية مختلفة، ولمزيد من أجواء الإثارة وتقليد الشباب الغربي يفضل البعض الاحتفال بيوم الهلع في مناطق نائية هادئة، مثل التخييم في شواطئ البحر الأحمر، في مدن دهب ونويبع وسفاجا، مع الظهور بإطلالات مرعبة وطلاء الجسم بالألوان المضيئة.

وربما يكون من الغريب الاحتفال به في حواضن الأطفال تحت رعاية الآباء، بينما تخصّص بعض الملاهي الشهيرة ألعابا مرعبة، ومنها بعض الملاهي التي تخصص ثلاث غرف، الأولى تحمل اسم غرفة “دراكولا”، والغرفة الثانية تسمى “السجن”، أما الأخيرة فهي “المقبرة”، وتعتمد على عدة مراحل وعلى اللاعب الصغير أن يتخطاها بذكاء في أجواء من الرعب والمغامرة كي ينجو.

وبات الأمر مستساغا في بعض التجمعات السكنية، حيث يقوم بعض الأطفال صباحا على سبيل الدعابة بعد تنظيم ذلك مع إدارة التجمع بطرق أبواب أصدقاء العائلة وبيوت ذويهم بالتبادل في ما بينهم، ويرددون الجملة الشهيرة “?Trick or treat”، أي هل سيمنحهم أصحاب المنزل الحلوى أم يلحقون بهم الضرر عبر الخدع والسحر، بحسب تقاليد الاحتفال الأصلي.

مجسمات من البيئة

أزياء من الفلكلور الشعبي
أزياء من الفلكلور الشعبي

أكدت يسرا عبدالرحمن، مصممة الديكور المتخصصة في تصميم مجسمات وملابس للمناسبات المختلفة، أن الاحتفال بالهالوين أصبح ظاهرة في مصر، وبعد أن كانت هذه الظاهرة تلقى رفضا من جانب أولياء الأمور باتت الاحتفالات تقام الآن تحت رعايتهم وبتنظيم منهم.

وقالت المصممة  لـ”العرب”، “أقدم التحية للأمهات اللاتي يحرصن على ذلك، لأنه إذا كان من الصعب عزل أبنائنا عما يحدث في العالم وسط ثورة الاتصالات، فلتتم الاحتفالات في البيوت أو بأماكن خارجية تحت إشراف الآباء والأمهات”.

وأضافت “قد يندهش البعض ويتساءل عما دفعني إلى تصميم الملابس والمجسمات المرعبة. ببساطة هو حرص سيدة فاضلة على إقامة حفل هالوين لأبنائها، فقد كانت البداية حين طلبت مني أم لولدين أن أصمم وأنفذ لها خصيصا ديكور الهالوين في منزلها الخاص لاستقبال أصدقاء وصديقات طفليها في المرحلتين الإعدادية والثانوية احتفالا بهذه المناسبة، وتصميم ملابس تنكّرية دموية لهما، وكانت وجهة نظرها أنه أمام إصرارهما وافقت بشرط أن يكون الحفل في المنزل أمام عينيها، منعا لأي تجاوزات تتعارض مع الأخلاق”.

ومنذ ذلك اليوم قامت يسرا بتصميم الكثير من الملابس والمجسّمات والأقنعة لهذا الاحتفال والإعلان عنه على صفحتها على موقع  التواصل الاجتماعي فيسبوك لتلقى إقبالا منقطع النظير، إلى حد أنها أصبحت لا تقبل طلبات إلا بالحجز المسبق.

وتختلف ملابس الهالوين باختلاف السن، وتتراوح بين الشخصيات الكرتونية المفضلة لدى الأطفال وملابس وإكسسوارات الشخصيات شديدة الرعب المأخوذة عن أفلام هوليوود لدى الكبار، لكن يبقى الهدف وراءها واحدا، وهو المشاركة في حفلات تنكرية مثيرة ومشوقة تُعد في حد ذاتها ذكرى جميلة ومغامرة لا تُنسى.

حفلات قديمة

لهو ومرح عند الأطفال
لهو ومرح عند الأطفال

كشفت يسرا أن الفكرة في أصلها ومعناها العميق الشامل ليست مستحدثة كما يظن البعض، بل هي فكرة قديمة. فقد كانت مصر من أقدم الدول التي عرفت الحفلات التنكّرية، وشهدت القصور والفيلات وبيوت الأسر العريقة والجاليات الأجنبية حفلات تنكرية كانت تتيح للجميع التحرر من قيود الحياة ورتابة الواقع اليومي للاستمتاع بلحظات استثنائية.

وظهرت بالفعل الكثير من هذه التصرفات في العديد من كلاسيكيات السينما المصرية، وتألق نجوم ونجمات بالملابس التنكرية، والآن في عيد الهالوين يستعيد المجتمع المصري هذه الأجواء الاحتفالية المختلفة.

لا تنكر يسرا رفضها للملابس الدموية والإكسسوارات الخاصة بالرؤوس المقطوعة والأيدي المبتورة، لكنها تقول “هذا عملي، وأضطر إلى تنفيذ رغبة بعض الآباء والمسؤولين عن تنظيم هذه الحفلات، لأنها من وجهة نظرهم لا تغدو أن تكون مدعاة للمرح والإثارة والسعادة بعد الاستعانة في هذه الحفلات بمتخصصين في مستحضرات التجميل الدموية وتلطيخ الجسد بالألوان، وفي مقدمتها الأحمر”.

ونفت أن يكون ما تفعله يعد مشاركة في التغريب والتقليد عن مجتمعات أخرى، بعيدا عن الموروث الثقافي للمجتمع، لأنها تقدم جنبا إلى جنب مع هذه القطع المرعبة مجسمات وعناصر ديكور تحتفي بالفلكلور الشعبي والتراث.

وتقدم يسرا الآن نماذج عديدة لعروس المولد، حيث يأتي الاحتفال بالمولد النبوي الشريف الذي يهتم به المصريون كثيرا بالتزامن مع احتفالات الهالوين هذا العام، مثلما تقدم أعمالا في رمضان والأعياد والمناسبات الدينية.

وتتمنى أن يحاول المجتمع احتواء الأجيال الجديدة كي لا يقدموا على ارتكاب الأخطاء، إذا دفعوا إلى الاحتفالات في الخفاء، فمن الصعب ارتكاب سلوكيات مشينة في العلن أمام الأسرة، كما تتمنى “تمصير الهالوين”، طالما أصبح يحتل كل هذا الاهتمام، ويتم استلهام شخصيات مخيفة ومجسمات من التراث الفرعوني.

قصص الجدات والإبداع

أسطورة تثير شغف الأطفال بخيالهم الواسع، والشباب بحماسهم ورغبتهم في المرح والانطلاق
أسطورة تثير شغف الأطفال بخيالهم الواسع، والشباب بحماسهم ورغبتهم في المرح والانطلاق

تشارك مصممة العرائس غادة إبراهيم في الاحتفاء بالهالوين عن طريق تصميم  دمى لأيقونات مرعبة، لكن ربما بالنسبة لها يرتبط الأمر بسبب شخصي.

وأوضحت لـ”العرب”، أن ما دفعها إلى هذا الاتجاه هو حبها لقصص الرعب وللساحرات في الروايات والأفلام الأجنبية. ورأت أن مثل هذه الدمى التي يحرص الآباء، والحضانات على اقتنائها تعمل على اتساع خيال الصغار، وتنمية ذكائهم  وتعزيز سرعة البديهة لديهم، ولا ترى أنها ضارة بهم.

وتساءلت إبراهيم هل كانت حكايات الجدات حول “أبورجل مسلوخة” و”أمّنا الغولة”، وغير ذلك من القصص المرعبة، تفسد أخلاقنا أو تدمّر نفسيتنا أم أنها أثرَت خيالنا وزوّدتنا بالشجاعة والحماس، ودفعت الكثيرين إلى الإبداع والاستلهام خاصة في مجال الأدب والسرد؟

وأضافت أن المعيار الأساسي، ماذا تحكي الأمهات والمعلمات اللاتي يقتنين عرائس للصغار وهن يلعبن بها معهم، فهناك من يحكي لهم القصص ذات المضمون التربوي في الهالوين أو غير ذلك من المناسبات، وفي الأصل أصمم عرائس من أعماق مصر وإرثها الثقافي ما يحقق التوازن ويربط الصغار بجذورهم.

لكن هناك آراء ترفض فكرة الاحتفال بالهالوين، أو أي مظاهر وافدة  لجهة تناقضها مع الثقافة، وآثارها السلبية التي تتركها على شخصية الشباب والمجتمع ككل.

وأكد الدكتور عاصم عبدالمجيد حجازي مدرس علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، لـ”العرب”، أن الأمر خطير ومن الضروري توجيه الأبناء لمغبة الانسياق خلف الاحتفالات التي تحمل قيما زائفة ومخاطر عليهم.

وشهدت مصر منذ أيام قليلة حادثا مأساويا هز المجتمع، حيث انتحرت طفلة في العاشرة من عمرها شنقا في حي البساتين الشعبي بالقاهرة، متأثرة بولعها بمشاهدة أفلام الرعب بانتظام.

وطالب حجازي بضرورة الحرص على عدم التعارض بين رغبة الأسرة في إشاعة جو من الفرحة والبهجة، والحفاظ على العادات والتقاليد والتراث الثقافي، ويمكن للأسرة في حال عجزت عن إقناع الطفل بعدم الاحتفال بالهالوين أن تعمل على تفريغ هذا الاحتفال من محتواه العدواني وتقوم باستبدال ملابس من البيئة المحلية بتلك المرعبة، كذلك سائر بنود الاحتفال، مثل التنكر في شخصيات مرحة وفكاهية، ويمكن أن تصبح من الشخصيات الكرتونية التي يشاهدها الأطفال.

وبذلك تحافظ الأسرة على الهدف من الاحتفال، وهو إشاعة البهجة والفرحة مع التخلي عن الطقوس المرتبطة بمظاهر الرعب والخرافات والأساطير.

17