"ديك الجن" قصائد معاصرة بلا زخارف لغوية

الشاعر سمير درويش يهتم في مجموعته بالعلاقة بين السطور كوحدة جمالية بوصفها بعدا أساسيا في عملية التلقي لا تنفصل عن جماليات قصيدة النثر.
الخميس 2021/07/22
الشاعر يبني رؤياه بأشياء بسيطة (لوحة للفنان محمد العامري)

القاهرة- ينشغل سمير درويش في مجموعته الشعرية الأخيرة “ديك الجن” بموضوع كتابة الشعر والتداعيات التي ترافقها، إذ تتكرر كلمة “قصيدة” بشكل لافت في ثنايا الكتاب، وكأن الشاعر يعيش داخل لحظة الإبداع، ويتشارك مع القارئ المحتمَل تفاصيل صغيرة يُعيد اكتشافها وترتيبها بطريقة مُغايرة كي ينتج نصًّا يخصّه.

ويواصل الشاعر المشروع الذي بدأه في مجموعته الشعرية السابقة “انهيارات بطيئة” الصّادر عن دار مجاز بالقاهرة، في رصد مظاهر المعيش اليومي، والاحتفاء بمفردة القصيدة التي اختفت من دواوين الشعراء، فتأتي تسمية كل قسم بعنوان “قصيدة” مع إسنادها إلى مضاف إليه يكشف محتواها ويبرز دلالاتها في بعض الأحيان، في استعادة لجلال القصيدة ومكانتها، وقبلها استقلاليتها. فهذه قصيدة النبع، وتلك قصيدة الولع فالورع إلى الغزو والبوح والدخان والحنان والمرض، وصولا إلى البعث، وهو ما نراه جليا أيضا في مجموعته الجديدة.

سمير درويش يحاول فتح آفاق جديدة لقصيدته رغم ما في ذلك من مخاطرة بلغة الشعر وإيقاعه

تتسم لغة المجموعة الصادرة عن دار ميريت للنشر بالقاهرة مستهلّةً سلسلة “كتاب ميريت” الثقافية، بكونها قريبة من اللغة اليومية التي يسمعها المتلقي في البيت ومكان العمل والمدرسة والجامعة ويقرأها في الصحف ومواقع الإنترنت، بما ينسجم مع المَشاهد التي رصدها الشاعر من مفردات يومه: الشوارع والسيارات والأتربة والأصوات والأرصفة وغيرها، مواصلاً تجربته المنحازة إلى اليوميّ والهامشي والعابر. يقول الشاعر “لا أكتبُ القصيدةَ وأنا هائمٌ كالمجاذيب/ بل حينَ أمسِكُ مقبضَ بندقيَّتي كقُطَّاعِ الطُّرق/ لهذا ستكونُ قصيدةً عن الحُبِّ/ هذا المصحوبِ بصراخٍ وشتائمَ مجانيَّةٍ/ وحدائقَ تنبُت فوقَ الخدود!”.

ويهتم درويش في هذه المجموعة التي تحتوي على 32 قصيدة مشهدية دون عناوين بالبُعد البصري، بتناغم البياض والسواد في صفحات الكتاب، وبالعلاقة بين السطور كوحدة جمالية، بوصفها بُعدًا أساسيًّا في عملية التلقي لا تنفصل عن جماليات قصيدة النثر، تلك التي تُعطي للشكل أهمية توازي أهمية المضمون، وهو ما يظهر في توزيع الكُتَل على الصفحات.

ويأخذ سياق وتشكيل قصيدة النثر منحى جديدا على الأقل في قصائد درويش ليس على مستوى تشكيلها فقط، بل أيضا على مستوى موضوعاتها، فيما تخلو جل قصائده من أية زخارف فنية أو حتى صور بلاغية جميعها تنحو منحى السّرد اليومي واليوميات التي يصف بها حالته. هكذا تأتي فكأنه يقدم تقريرا عن حالته.

وفي مشهديتها تتماس قصائد درويش في مجموعته الأخيرة مع عوالم السينما، وهو ما كرسه الشاعر منذ مجموعته “يكيِّفُ جرائمَهُ على نحوٍ رومانتيكيٍّ” الصادرة في وقت سابق عن دار ميريت للنشر بالقاهرة.

وتتقاطع القصائد مع عوالم أفلام شهيرة في السينما الأميركية والعالمية، وتأخذ عناوينها من أسمائها، ما يصبغ الديوان بصبغة جمالية واحدة على مستويي الرؤية والتشكيل الفني، وهي سمة غالبة في معظم أعمال الشاعر، ما يحيلنا إلى العلاقة الوثيقة بين الشعر والسينما في طريقة تشكيل المشهد الشعري.

الشاعر يهتم في هذه المجموعة بالبُعد البصري وبتناغم البياض والسواد مدونا يومياته في قصائد بأسلوب مشهدي

مع تطور نظريات التلقي وتقدم الدراسات السيميائية للظواهر الفنية، وما عرفته كذلك اللغة الشعرية من تحولات كبيرة أغنت آلياتها وشفراتها، مثلما وسعت مفهوم الشعر في حد ذاته، وهو ما خلق تكاملا بين الفنين استفاد منه السينمائيون والشعراء أيضا على غرار سمير درويش الذي طوع أسلوب السينما لكتابة قصيدته.

وتحيلنا المجموعة الجديدة لدرويش إلى تساؤل كان أطلقه الناقد والكاتب البحريني أمين صالح حيث قال “هل الشعر، أو الطاقة الشعرية، موجودة حصرياً في القصيدة فقط، القصيدة كلغة، كقواعد، كنمط، كعناصر، كطريقة كتابة أو طباعة؟ ألا يوجد الشعر في أشكال وأنماط أخرى كالنثر والتشكيل والموسيقى والنحت والفيلم والمسرح؟ أليس بإمكان النثر أن يكون مشحوناً بالشعر، حيث الكلمات مكتنزة بطاقة سرّية، وحيث التيار الشعري الغامض يسري على امتداد العبارات غير المنسجمة، ظاهرياً، وغير الموزونة؟”.

ويبين صالح أن الكثيرين يعتقدون أن القصيدة وحدها تحتكر صفة الشعر، وأن الطاقة الشعرية موجودة حصرياً في القصيدة فقط، رغم أننا نجد المئات من القصائد التي تفتقر إلى الروح الشعرية والحساسية الشعرية. ألم يعلن نرفال ذات يوم “أن الشعر يهرب من القصيدة، ويستطيع أن يوجد من دونها”.

ووفق هذا التمشي يحاول درويش فتح آفاق جديدة لقصيدته، رغم ما في ذلك من مخاطرة بلغة الشعر وإيقاعه، مخاطرة قد تسقط القصيدة خارج الشعر إلى مستوى التقارير اليومية المفرغة والتي تدعي الالتقاط والفطنة فيما هي لا تذهب أبعد من شكلها السطحي المتشنج والذي يبقى رهان الشاعر تجاوزه.

ويُذكر أنّ سمير درويش أصدر سابقًا 18 مجموعة شعرية، آخرها “يكيّف جرائمه على نحوٍ رومانتيكي”، كما أصدر روايتين والكتاب الأول من سيرته الذاتية بعنوان “العشر العجاف – من الهزيمة إلى النصر”. وأعدّ كتابين وقدّمهما أحدهما عن الروائية العُمانية جوخة الحارثية بعنوان “تفكيك مركزية السرد.. قراءات في (سيدات القمر)”، والثاني عن الشاعر المصري الراحل رفعت سلام.

14