ذكريات مع بكر الشرقاوي

بكر الشرقاوي ينتمي إلى جيل الأربعينات الذي أعتبره جيلا "سعيد الحظ"، فقد عاش ما شهدته الحركة الوطنية والطبقة الوسطى المصرية من صعود بلغ ذروته قبيل نهاية الأربعينات.
الأربعاء 2019/04/10
صحوة سياسية واجتماعية تأسست على أكتاف عدد من قامات الفكر والفن والثقافة في الأربعينات (لوحة للفنان ياسر أبو الحرم)

عرفت الكاتب والمفكر بكر الشرقاوي عن قرب لسنوات طويلة في لندن، كان الرجل الذي رحل عن عالمنا مؤخرا عن 90 عاما، يدهشني بثقافته العريضة وفكره الثاقب، كما كان يتمتع بتجربة ثرية في العمل السياسي أو السينمائي والثقافي عموما.

ينتمي بكر الشرقاوي إلى جيل الأربعينات الذي أعتبره جيلا “سعيد الحظ”، فقد عاش ما شهدته الحركة الوطنية والطبقة الوسطى المصرية من صعود بلغ ذروته قبيل نهاية الأربعينات، وكانت الصحوة السياسية والاجتماعية التي تأسست وقامت على أكتاف عدد من قامات الفكر والفن والثقافة، كان كثيرون منهم قد ذهبوا للدراسة في أوروبا في زمن البعثات العلمية الكبرى قبل مرحلة الانغلاق الفكري والسياسي و“التشكك” في الأجنبي والأوروبي بوجه خاص في مرحلة الصعود القومي والتحرر من الاستعمار مما أدى إلى التشكك في الغرب وجامعاته ومراكز أبحاثه، وهي نظرة لا تزال قائمة على نحو ما حتى يومنا هذا.

عاصر بكر الشرقاوي ازدهار الحركة اليسارية في مصر، وكان عضوا ناشطا في أكثر تنظيماتها علاقة بالثقافة، تنظيم “الشرارة” (إيسكرا)، وقد اعتقل وسجن لخمس سنوات في العصر الملكي إلى ما بعد حركة الضباط في 1952، رغم أن التهمة كانت الاشتراك في تنظيم سري لقلب نظام الحكم “الملكي”، ثم اعتقل مجددا عام 1954 بموجب التهمة نفسها وقضى فترة في السجن الحربي حيث تعرّف على أحمد المصري، وهو أحد ضباط سلاح الفرسان الذين اعتقلهم عبدالناصر بعد أزمة مارس الشهيرة التي انقسم خلالها ضباط يوليو بين معسكر سلاح الفرسان الذي طالب بعودة الجيش إلى الثكنات واستمرار التجربة الديمقراطية، وأنصار الحكم الدكتاتوري المباشر.

وقد حُكم في البداية على أحمد المصري بالإعدام، ثم خفف الحكم وأطلق سراحه في ما بعد وأوكل النظام إليه مسؤولية “المركز المصري للسينما” الذي يعد اللبنة الأولى لما عرف بـ“القطاع العام السينمائي”.

بموجب علاقة بكر الشرقاوي بأحمد المصري التحق الشرقاوي بالسينما، وقد روى لي كيف أن تأميم أستوديوهات السينما المصرية جاء في خضم صراع مكتوم على النفوذ وقتها، بين عبدالحكيم عامر وعبدالناصر، فقد كان عامر يعتزم تحريك الدبابات والاستيلاء على الأستوديوهات وضمها للجيش، وعندما علم عبدالناصر بذلك أصدر قرار تأميمها.

وبعد ظهور “مؤسسة السينما”، انضم إليها الشرقاوي وعمل تحت إدارة صلاح أبوسيف في قسم قراءة السيناريو، كما كتب عددا من السيناريوهات في الستينات، وكنت أستمع إليه مبهورا عندما كان يروي لي تفاصيل غير معروفة عن أسرار تلك الفترة، وكان يمتلك كنوزا من المعلومات، كما كان حكاءً عظيما.

 وكنت أعتبره بمثابة أبٍ لي، ألجأ إليه عند الشدة، أستشيره واستمع إليه وألتمس رأيه، وكان هو مستمعا جيدا كما كان قادرا على احتواء غضبي بأسلوبه الساحر، وكثيرا ما كنا نلتقي ومعنا الأستاذ محمد الدسوقي في أحد فنادق لندن، نتبادل الرأي ونتشارك في تجاربنا في المهجر.

وأعترف أن الأمر الوحيد الذي كان يجعلني أختلف معه كثيرا هو إيمانه الشديد بجمال عبدالناصر، رغم خلفيته السياسية وتعرضه للسجن في عهده، لكنه كان يرى أن مصر في حاجة إلى زعيم عسكري مثله، يستعيد العظمة المصرية القديمة من زمن الفراعنة. وكان مهتما كثيرا بمصر الفرعونية، وقد تعلم بعضا من اللغة الهيروغليفية، كما كتب مسرحية “أصل الحكاية” التي تدور في مصر الفرعونية.

أما روايته “وقائع ما حدث يوم القيامة في مصر” فكانت تقوم على فكرة أن عبدالناصر لم يمت، بل كان يتخفّى ويترقب لحظة الظهور من جديد بعد أن تردت الأحوال في مصر في عهد السادات، وقد عاد سرا واختبأ داخل تمثال رمسيس الثاني في ميدان محطة قطارات، وعندما علم الناس بوجوده تحركوا إليه وأحاطوا بالتمثال الذي أخذ يتحرك متجها نحو الهرم الأكبر، فقد عادت الروح تدب في الشعب مجددا.

رحم الله بكر الشرقاوي ألف رحمة.

16