رئيس الوزراء الكويتي يواصل الصمود بوجه عاصفة الاستجوابات النيابية

حكومة المبارك تعتمد في صمودها بوجه الاستجوابات النيابية على عدّة أساليب سياسية وقانونية مثل عقد صفقات مع النواب لتجنيب وزرائها عملية سحب الثقة أو إقالة الأعضاء المستهدفين.
الخميس 2019/05/16
صامدون هنا

الكويت – اتّضحت في الكويت معالم أسلوب جديد تتّبعه حكومة رئيس الوزراء الشيخ جابر المبارك الصباح بمواجهة الاستجوابات النيابية المستخدمة على نطاق واسع ومتواتر من قبل نواب البرلمان بطريقة كثيرا ما يبدو أنّها تتجاوز هدفها الأصلي وهو الرقابة على عمل الحكومة بهدف تقويمه والرفع من جدواه، إلى تصفية حسابات شخصية وحزبية وقبلية، على صلة في كثير من الأحيان بصراعات على السلطة.

والغاية من هذا الأسلوب هي الصمود والحفاظ على استمرارية الحكومة، بدل الاستسلام، واللجوء إلى الاستقالة وما يستتبع ذلك غالبا من حلّ البرلمان وإعادة تنظيم انتخابات جديدة، الأمر الذي أدخل الكويت بشكل متكرّر في دوامة من عدم استقرار السلطتين، وهو “ترف” لم تعد الظروف الاقتصادية والأمنية تسمح به، مثلما ذهب إلى ذلك أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد في أكثر من مناسبة.

وتعتمد حكومة المبارك في صمودها بوجه الاستجوابات على عدّة أساليب سياسية وقانونية مثل عقد صفقات مع النواب لتجنيب وزرائها عملية سحب الثقة في إثر الاستجوابات، أو إقالة الأعضاء المستهدفين في حال بدا من الصعب تجنيبهم سحب الثقة.

وفي الجانب القانوني برزت عملية إحالة الاستجواب إلى لجنة الشؤون القانونية والتشريعية البرلمانية، للنظر في مدى دستوريته، ما يفتح الباب لإمكانية الطعن فيه وإسقاطه.

وتمّ استخدام هذه الوسيلة القانونية مجدّدا لتجنيب رئيس الوزراء الشيخ جابر المبارك الصعود إلى منصّة الاستجواب بناء على طلب تقدّم به النائب عبدالكريم الكندري وناقشه مجلس الأمّة (البرلمان) الكويتي الثلاثاء.

وضمّ الاستجواب المقترح من الكندري ثلاثة محاور يتعلق أولها بـ"غياب السياسة العامة للحكومة والتنازل عن اختصاصات مجلس الوزراء لجهات أخرى”، ويتعلّق الثاني بـ“التناقض في السياسة العامة للحكومة حول ترشيد الإنفاق وتأثيره على الحالة المالية للمواطن”، في ما يتعلّق المحور الثالث بما اعتبره النائب “إخفاق رئيس مجلس الوزراء في الدفاع عن الهوية الوطنية".

 وتقول دوائر سياسية كويتية إنّ الشيخ جابر مستهدف سياسيا ضمن صراع شيوخ تجدّد بالكويت، وأنّ الهدف إسقاط حكومته وحلّ البرلمان. وتتحدّث ذات الدوائر عن سعي مؤيدي الشيخ ناصر صباح الأحمد، نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع والابن الأكبر لأمير الكويت، للتعجيل بترتيب موقع متقدم له في السلطة، كما يدور الحديث أيضا عن تأييد للشيخ ناصر من قبل الشيخ أحمد الفهد والشيخ محمد صباح السالم نجل أمير الكويت السابق الشيخ صباح السالم من أجل إيصاله إلى موقع رئيس الوزراء.

قرار واضح بالحفاظ على استمرارية عمل الحكومة ومواجهة الاستجوابات النيابية بعدة وسائل سياسية وقانونية

وبفضل الدعم الذي يحظى به الشيخ جابر المبارك من قبل رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم وعدد من نواب البرلمان المؤيدين للغانم نفسه، تمت إحالة استجواب الكندري إلى لجنة الشؤون القانونية والتشريعية حيث من شبه المؤكّد أن يجري الطعن في دستوريته وإسقاطه.

ووافق مجلس الأمّة على الإجراء بناء على طلب من وزير العدل وذلك في جلسة سرية عقدها الثلاثاء، وأعلن الغانم بعدها أنّه عند مناقشة بند الاستجواب طلب رئيس مجلس الوزراء الشيخ جابر المبارك إحالة الاستجواب إلى اللجنة التشريعية، مبينا انه بعد مناقشة الطلب من مؤيدين ومعارضين تم التصويت عليه، ووافق المجلس على إحالة الطلب إلى اللجنة.

وهذه هي المرّة الثانية التي يحال فيها استجواب موجّه لرئيس الوزراء الكويتي إلى اللجنة التشريعية بعد أن تمت في نوفمبر الماضي إحالة استجواب تقدّم به أحد النواب بشأن “فشل وزارات الدولة في إدارة الكوارث ومواجهة الأزمات”.

وكان الشيخ جابر قد تفادى قبل ذلك الصعود إلى المنصة لمواجهة استجواب آخر تقدّم به نائبان شمل عدّة محاور من بينها “التعدي على الدستور وحق المواطنة بسحب الجناسي وسجن نواب الأمّة والتعدي على حقوق الإنسان”، لكنّ تم سحب الاستجواب بعد جهود ماراثونية ووساطات أفضت إلى وعود بإعادة النظر في قضيّتي سحب الجناسي وسجن نائبين إسلاميين مدانين في قضية اقتحام مبنى البرلمان مع مجموعة من المتظاهرين.

وحالت عوائق قانونية دون إنقاذ النائبين من السجن ما جعل زملاء لهم يتقدمون بمقترح لإصدار عفو عام وطرحوا ذلك للنقاش أمام البرلمان في جلسة انعقدت الأحد وتغيّبت عنها الحكومة ما جعلها تنفضّ دون التوصّل إلى نتيجة تذكر.

وطيلة الدورة البرلمانية الحالية التي ينتظر أن تختتم بداية يوليو القادم أظهر النواب تحفّزا لإثارة عاصفة من الاستجوابات بوجه حكومة المبارك. وما يميّز الحياة السياسية في الكويت الاستخدام الكثيف لنواب مجلس الأمّة لحقّ الرقابة على عمل الحكومة الممنوح لهم بنصّ الدستور.

وكثيرا ما كانت العلاقة المتوتّرة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية سببا في كسر نسق الاستمرارية في عملهما، إذ منذ تولي أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد مقاليد السلطة عام 2006، لم يكمل أي برلمان مدته الدستورية البالغة أربع سنوات، حيث تم حلّه مرارا والدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة.

ويبدو الآن هذا الوضع بصدد التغير مع بروز ملامح سياسة جديدة في إدارة العلاقة دائمة التوتر بين الحكومة والبرلمان، باتجاه “التمرّد” عما ما بات يعبّر عنه في الكويت بـ“تعسّف” النواب في استخدام آلية الاستجواب.

وترى أوساط سياسية كويتية أنّه لم يعد من الممكن التمادي في عمليات حلّ البرلمان مرارا وتكرارا وإجراء الانتخابات المبكّرة وإعادة تشكيل الحكومات جرّاء الصراعات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، مشيرة إلى وجود إرادة على أعلى مستوى لتجاوز حالة عدم الاستقرار السياسي وتأثيرها على عملية التشريع واتخاذ القرار وتنفيذه.

ولا تستثني ذات الأوساط اللجوء إلى استخدام سلطات أمير البلاد في الحدّ من “فائض السلطة” التي يمنحها الدستور الكويتي لنواب مجلس الأمّة وبات البعض منهم يفرط في استخدامها خارج نطاق المصلحة العامّة ودفاعا عن مصالح ضيّقة وأحيانا لتصفية حسابات حزبية وشخصية وقَبَلية.

3