ربط زيارة طبيب الأمراض النسائية بأفكار مسبقة يزيد من تجاهل المرأة لصحتها

مخاوف النساء من الأحكام المجتمعيّة يحرمهن من ممارسة حقهن في امتلاك أجساد سليمة.
الأحد 2021/01/31
مساعدة المرأة على عدم الخجل من معالجة نفسها من الأمراض الجنسية ضروري

يولّد الخجل المبني على التعامل مع الجسد حرمانا صحيا لدى النساء كما أن قلة الوعي بأهمية الكشوفات، وربط زيارة طبيب الأمراض الجنسيّة بأفكار مسبقة عن الأسباب المخفيّة وراء الزيارة، ما زالا يشكّلان عند الكثير من النساء حالة من التجاهل التام لصحة أجسادهن، وهو ما يعرضهن للمخاطر. ويقر علماء الاجتماع بأن كشوفات الأمراض النسائية ما زالت تحتاج إلى تخطي صراعات ذاتيّة واجتماعية.

تساعد الزيارات الدورية لطبيب النساء وإجراء الفحوص اللازمة على الكشف عن الأمراض أو الاضطرابات في بدايتها وقبل تفاقمها، ما يقلل من مخاطر المرض ويزيد من فرص الشفاء، إلا أن شريحة كبيرة من أفراد مجتمعاتنا، تعتقد بأن زيارة المرأة لطبيب أمراض نسائيّة لا يجب أن تتم إلا عندما تكون حاملا، ويعتقدون أن وظيفة الرحم هو الحمل والولادة، وكأنه لا أعراض أخرى بإمكان المرأة أن تعاني منها.

تقول الكاتبة الصحافية والمدونة الفلسطينية رشا حلوة إن “الأزمة تكمن في مسألة الوعي تجاه الكشوفات الطبيّة لأجساد النساء، وضرورة الزيارات الروتينيّة. كما أن لدى غالبيّة المجتمعات المحافظة، فإن زيارة طبيب أمراض نسائيّة هو أمر يجب أن تفعله المرأة بعد مرورها بعمر الثلاثين فقط أو عندما تتزوج أو تحمل أو تنجب، وكأن كل ما يتعلّق بصحة جسدها ما قبل ذلك، ليس له أيّ أهمية”.

وتضيف أن معرفة الجسد، هو بالضرورة معرفة ما يطرأ عليه من تغييرات، لأن المرأة وحدها ستدرك ذلك وبالتالي تعرّفها عليه أو اكتشافها لهذه التغييرات، سيكون بمثابة حماية مسبقة لأعراض عديدة بالإمكان السيطرة عليها، منها اضطرابات الحيض والتهابات المناطق الحساسة في جسدها وتكيس المبيض وغير ذلك، وهذا ليس بالضرورة أن يكون له أيّ علاقة بالممارسة الجنسيّة.

وتشير إلى أن قلة الوعي بهذه الأمور، وربط زيارة طبيب الأمراض الجنسيّة بأفكار مسبقة عن الأسباب المخفيّة وراء الزيارة، شكّل ولا يزالان يشكّلان لدى الكثير من النساء حالة من التجاهل التام لصحة أجسادهن، وهذا التجاهل نابع من جهة عن خجل، ومن جهة أخرى عن مخاوف الأحكام المجتمعيّة عليهن إن قررن زيارة طبيب أمراض نسائيّة.

وتحدثت حلوة عن مخاوف بعض النساء من الكشوفات الطبيّة، وعن رسالة صديقة لها قالت فيها إنها كامرأة مطلقة، تفكر ألف مرة قبل أن تذهب لطبيبة نساء، وأنها ستذهب فقط لو كانت المسألة حياة أو موت. وأن الأمر غير متعلّق بالخوف، إنّما هو قلق من سماع كلام يجرحها. وأضافت المرأة، سأذهب فقط في حالات حرجة، لكن إن أردت الذهاب لكشف روتينيّ، سيعرف عندها الطبيب تاريخ حياتي ومعلومات خاصّة بي، وهنالك قلق من هذه الأحكام، لذلك أفضل عدم الذهاب.

وأكدت حلوة أن الأمر الآخر الذي يصدّ عددا كبيرا من النساء عن الذهاب إلى كشوفات طبيّة هو الخجل المبني على التعامل مع أجسادهن، وهو نتاج تراكمات عديدة، غير متعلّقة فقط بزيارة طبيب أمراض نسائيّة، إنّما بكل ما يتعلّق بعلاقتهن بأجسادهن. وقالت “إن الخجل لدى العديد منا، ينتج عنه عدم حماية مسبقة لأجسادنا، بدلا من أن تعتبر فحوصات الأمراض النسائيّة شبيهة تماما بفحوصات الدم”.

تقاطع النفسي والعضوي

رشا حلوة: الأزمة تكمن بمسألة الوعي تجاه الكشوفات الطبيّة لأجساد النساء

كما أكد الصحبي بن منصور المؤرخ التونسي وأستاذ الحضارة بجامعة الزيتونة أنه باستثناء حالات الولادة فإنه تكاد معالجة المرأة للأمراض التي تصيب مناطقها الحساسة تنحصر في تطبيق التجارب والوصفات العشبية التقليدية المتوارثة أو ما يرد منها في كتب طب الرحمة وغيرها من كتب أطباء العصر الوسيط بالنسبة إلى الفئة القليلة جدا من أهل القراءة ومالكي الكتب، مشيرا إلى أن حرص المرء على رعاية بدنه وتعهده بالعلاج يصطدم في أحيان كثيرة بحاجز الحياء إذا تعلقت العلل بالمناطق الجنسية.

وقال بن منصور “إن هذا الطرح التاريخي والتشخيصي لواقعنا لا ينفي أيضا تحرر المرأة المعاصرة لمعالجة نفسها من خلال اللجوء إلى طبيب النساء والأمراض التناسلية دون تمييز بين امرأة أو رجل، باعتبار أنها لا تفعل حراما أو لا تطلب متعة وإنما هي تعالج ألما وحساسية أو تشوها أو عطبا في وظيفة بعض أعضائها”.

وأضاف، أن الحياء يشمل هنا مجال تفطن أقاربها الرجال بأنها تعالج من مرض متصل بأعضائها الحميمة.

واستشهد بن منصور بالكاتب السوداني الطيب صالح في روايته موسم الهجرة إلى الشمال الذي تعرض إلى قضية المرأة التي تعاني من عدم قدرتها على الشفاء من أمراض جهازها التناسلي ما يجعلها في مفترق حياة ظاهرها جمال وسرور وباطنها ألم عاصف، وبالكاتبة المصرية نوال السعداوي التي توقفت طويلا في كتابها المرأة والصراع النفسي عند التقاطع النفسي والعضوي في حياة المرأة العربية داعية إلى تخطيها بواسطة معالجة العوامل الاجتماعية الكامنة خلفها والقائمة على التمييز السلبي بين المرأة والرجل وعلى دونية النظر والتعامل مع المؤنث.

وأشار بن منصور إلى أن المرأة العربية عامة والتونسية خاصة وعلى الرغم مما حصلت عليه من مستوى علمي واسع ومرموق تظل تعاني من الحرمان الصحي الذاتي المرتبط بالصحتين الإنجابية والجنسية، لاسيما في القرى والأرياف، رغم محاولات الدولة لتقريب الخدمات من خلال مراكز الصحة الأساسية ومراكز التنظيم العائلي والجمعيات والقوافل الصحية.

وأكد أن الجهود الأممية اليوم تتجه إلى تحقيق التمكين الصحي للمرأة في كل أقطار العالم ومساعدتها على نيل حقوقها الصحية كاملة بعيدا عن النظرة الدونية باعتبار أن المرأة أساس المجتمع وليس نصفه فقط وهي كائن حي تماما مثل الرجل. وفي هذا الإطار تنتشر برامج توعية صحية واجتماعية لمساعدة المرأة على عدم الخجل أو التردد أو التقاعس عن معالجة نفسها من الأمراض المتصلة بأعضائها التناسلية وكذلك لمساعدتها على تخطي كافة أشكال التعدي البدني واللفظي من الرجل عليها بسبب إصابتها بهذا النوع من الأمراض.

بدورها تشير حلوة إلى قضية التأمين الصحيّ وصعوبته في بعض البلدان العربية بسبب التكاليف الباهظة للاستشارات أو العلاجات الطبيّة، مؤكدة أن العديد من النساء لا يضعن مسألة الكشوفات الطبيّة لأجسادهن في أولوياتهن، خاصة في ظلّ أنظمة لا تعطي الإنسان القيمة التي يستحقها، وتجعل أمور صحّته دائما على الهامش.

وتقول حلوة إن مؤسسات عديدة للمجتمع المدني في بلادنا تعمل باستمرار للرفع من الوعي إزاء صحّة النساء الجسديّة، بطرق عديدة، منها العمل المباشر مع النساء، وكذلك تشكيل الضغوط على الجهات الرسميّة المسؤولة عن توفير الأمان الصحّي وغيره.

وتشير إلى أن قضية الوعي بالكشوفات الطبيّة الروتينيّة لأمراض النساء، هي إحدى القضايا العديدة التي تخص النساء، من حيث أجسادهن وحياتهن. وهي تماما كقضايا عديدة فيها تجاهل لقيمة المرأة كإنسان، وتهميشها وإهمال خصوصيّاتها؛ النفسيّة والجسديّة.

ويرجع الطيب الطويلي المختص التونسي في علم الاجتماع التوجس من الكشوفات الطبية الخصوصية إلى أن علاقة الفرد بالجنس لا تقتصر على كونها علاقة عضوية وإنما هي ظاهرة كلية تتجاوز الجسد إلى متدخلات أخرى نفسية واجتماعية وثقافية ودينية.

وقال الطويلي “إن كان التحرج من زيارة أطباء الأمراض الجنسية يهمّ الإناث قبل الزواج باعتبار خوفهن من الوصم ودخولهن في دائرة الشك من محيطهن الاجتماعي لأسباب تضعهن في موقع الدونية، فإن الذكر في مجتمعاتنا الشرقية يتحاشى زيارة الطبيب المختص في الشؤون الجنسية، وإذا اضطرّ إلى ذلك فإنه يحيط زيارته بسرية شديدة”.

الخجل المبني على التعامل مع الجسد يصدّ عددا كبيرا من النساء عن القيام بكشوفات طبيّة، وهو نتاج تراكمات عديدة غير متعلّقة فقط بزيارة طبيب للأمراض النسائيّة
الخجل المبني على التعامل مع الجسد يصدّ عددا كبيرا من النساء عن القيام بكشوفات طبيّة، وهو نتاج تراكمات عديدة غير متعلّقة فقط بزيارة طبيب للأمراض النسائيّة

وأشار إلى أن أسباب هذا التهرب هي نفسها بالنسبة إلى الجنسين، وهي الخوف من الوصم، عبر التشكيك في الطهورية الجنسية للمرأة المتمثلة في عذريتها من منظور اجتماعي، باعتبار أن قيام الأنثى بممارسات جنسية قبل الزواج وإن كانت سطحية أو بديلة يمسّ من طهوريتها المفترضة، هذا فضلا عن عذريتها البيولوجية التي يعتبر المساس بها شيئا من قبيل الكارثة على الفتاة وأسرتها.

وبالنسبة إلى الرجل أيضا فالخوف يكون من فقدان طهوريته المفترضة والمتمثلة في قدرته الجنسية وما يصطلح عليه في مجتمعاتنا الشرقية بالفحولة، والتي تضمن للذكر هيمنته وعلويته النفسية والاجتماعية بصفته قادرا على الفعل لا عاجزا عنه.

وتُعزى هذه المخاوف والمكبوتات والمحاذير الجنسية التي تحيط بها مجتمعاتنا نفسها إلى البؤس الجنسي العربي، الذي تحدث عنه علماء الاجتماع العرب مثل عبدالصمد الديالمي، الذي يحيلنا على ضرورة إعادة النظر في موروثاتنا الثقافية والتفكير في ما أسماه بالإصلاح الجنسي العربي.

وتنصح منظمات الصحّة العالميّة، بضرورة زيارة طبيب نساء على الأقل مرة كلّ عام، وذلك إن كانت المرأة لا تعاني من مرض ما أو من أعراض تحتاج إلى استدامة في الزيارات الطبيّة، كما أن هنالك أبحاثا تفيد بأنه من الضروريّ أن تبدأ الفتاة بزيارة طبيب نساء عندما تصل إلى سن المراهقة، وذلك للاطمئنان على التطوّر الطبيعيّ لجسدها، وكذلك حياتها الجنسيّة التناسليّة في المستقبل، كما أن مراجعة طبيب أمراض نساء في سن المراهقة هي أيضا لحماية جسد الفتاة من أمراض مستقبليّة، كمنحها لقاحا مضاد للإصابة بسرطان عنق الرحم.

ووفقا للكلية الأميركية لأطباء النساء والتوليد، فإن أول زيارة للفتاة إلى طبيب النساء يجب أن تكون في ما بين 13 و15 عاما. ويقوم طبيب النساء بأخذ معلومات عامة عن المرأة وسيرتها المرضية، كما يجري فحصا عاما وفحصا للجهاز التناسلي خارجيا، وداخليا إن دعت الحاجة إلى ذلك.

الجسد التابو

باستثناء حالات الولادة فإن معالجة المرأة للأمراض التي تصيب مناطقها الحساسة تكاد تنحصر في تطبيق الوصفات العشبية

ويشير علماء الاجتماع إلى أن جسد النساء في المجتمعات الشرقية، وخصوصا المحافظة منها، ما زال يشكّل التابو الأساسيّ الذي يخلق نوعا من التحفظ من قبل شريحة كبيرة من النساء ويصل حدّ إهمال الاهتمام بصحة أجسادهن بسبب الثقافة السائدة نحوها، وهو ما له انعكاسات عديدة نحو معرفة المرأة لجسدها وحاجتها وأوجاعها، بداية من كيفية التعامل مع الألم الجسديّ الأوّل. وفي الكثير من الأحيان، ولربما كان في الماضي أكثر مما هو اليوم، لا تُجَهّز الفتيات نفسيا وجسديا لهذا الألم الذي يزور أجسادهن مرة كلّ شهر.

وأوضحت الدكتورة إيفاث هوسكينز، الأستاذة السريرية ومديرة السلامة والجودة في قسم التوليد وأمراض النساء في جامعة نيويورك، أنها تعمل طبيبة رعاية أولية، مشددة على أن زيارة طبيب أمراض النساء هي أكثر من مجرد فحص المهبل والقيام بمسحة عنق الرحم.

وقالت هوسكينز “أنا أريد التأكد من حالتك العامة وأنك على ما يرام قبل أن أطلب منك نزع الملابس”. وأشارت إلى أن الطبيب النسائي لا يكتفي بفحص المريضة إنما يطرح عليها أسئلة تتعلق بأي ألم أو مشاكل في الأعضاء التناسلية، حيضها ونشاطها الجنسي، إضافة إلى بعض الأسئلة المقبولة رغم أنها تخرج عن السياق الطبي، على غرار العنف المنزلي، العادات الاجتماعية، تناول الكحول والتدخين.

وتختلف الفحوص بحسب العمر والحالة العامة للمريضة، فعلى سبيل المثال لا تحتاج المراهقات اللواتي لا يمارسن الجنس إلى فحص للأمراض المنقولة جنسيا، إضافة إلى أن الشابات دون سن 21 عاما لا يحتجن إلى فحوص مهبلية، إلا إذا كانت لديهنّ أعراض محددة وشروط طبية معيّنة. وإضافة إلى فحص الثدي الروتيني، يقوم الطبيب النسائي بإجراء مسحة عنق الرحم كنوع من اختبار لسرطان عنق الرحم.

وكانت مثل هذه الاختبارات تتم بشكل سنوي، إلا أن التوجيهات الحديثة توصي بإجرائها للمرأة التي تتخطى سن الـ21 عاما كل 3 إلى 5 سنوات. ومن بين سلسلة الفحوص الأخرى، يجري الأطباء في بعض الأحيان، فحصا للحوض، الذي يعتبر الجزء الأكثر إزعاجا للنساء، إذ يستخدم الطبيب منظارا لفحص المهبل وعنق الرحم وهو إجراء يهدف إلى تقييم ما إذا كان حجم الرحم وقناتي فالوب والمبيض وعنق الرحم صحيا وفي أماكنها الصحيحة، إضافة إلى محاولة الكشف عن سرطان المبيض أو غيره من أنواع السرطان التي تصيب الأعضاء الأنثوية. ويفتقر هذا النوع من الفحوص إلى الدقة، كما أن المرأة تشعر في العادة بالإحراج أو القلق، ما يجعلها تتجنب في بعض الأحيان زيارة الطبيب مرة أخرى، نظرا إلى أن فحص الحوض يسبب لها بعض الآلام.

وأوصت كلية الأطباء الأميركية في العام 2014 بعدم إجراء فحوص الحوض للمرأة غير الحامل والتي لا تشكو من أية أعراض. حيث يمكن تشخيص الأمراض المنقولة جنسيا، عبر اللجوء إلى مسحات المهبل أو تحليل البول، علما أن لا حاجة لهذا الإجراء ما لم تكن المريضة تستخدم حبوب منع الحمل، وهو أمر أكدته إيفاث هوسكينز، مشيرة إلى أن الهرمونات التي تحويها حبوب منع الحمل قد تؤثر على البطانة المهبلية وعنق الرحم، ويمكن لفحص الحوض أن يكشف عن هذه الآثار. وتوضح الطبيبة أنها تجري في العادة فحص الحوض للنساء اللواتي ينخرطن في “سلوكيات محفوفة بالمخاطر”، من خلال ممارسة الجنس مع أكثر من شريك.

ومن أبرز الفحوص التي تجرى للمرأة فحص الحوض، ومسحة عنق الرحم وفحص الثدي السريري، والتصوير الإشعاعي للثدي والفحص للإصابة بفايروس الورم الحليمي البشري “HPV” والذي يعد السبب الرئيسي للإصابة بسرطان عنق الرحم، وفحص الكثافة العظمية، وذلك لتقييم محتوى العظم من المعادن والكشف عن هشاشة العظام أو انخفاض نسبة المعادن في العظم.

20