رسائل خليل حاوي إلى ديزي الأمير

خليل حاوي شاعر قاده الفشل العاطفي واليأس السياسي إلى الانتحار بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان.
الخميس 2019/10/10
الثرثرات النسائية في بيروت أفسدت علاقة خليل حاوي بحبيبته ديزي الأمير

تبقى الرسائل بين المبدعين من الآثار الأدبية الهامة، حيث تغوص بقرائها في عوالم خفية من حياة هؤلاء المبدعين، خاصة إذا كانت رسائل حب متبادلة، تضيء على ما يعتمل في صدر المبدع من مشاعر وكيف يعبر عنها، وتتجاوز الرسائل المشاعر إلى الأفكار والآراء والنظرة الخاصة، التي قد يخفيها المبدع في إبداعاته المعروضة.

أسعد الخوري

 بيروت – في ذكرى غيابها الأول (إذ توفيت قبل عام في هيوستن بالولايات المتحدة الأميركية) تظهر الأديبة العراقية ديزي الأمير في إحدى رسائل الشاعر خليل حاوي إليها “طيّبة وحنونة”، وهما صفتان “أقوى من حقائق الفلسفة”، كما يقول، ويضيف “إن إيمانك بي سيقوى وسيغدو أقوى من كفري بالحياة ومن لعنتي لها وعندئذ ستكون لي حياة، ولي موقد دافئ وعائلة”.

خليل حاوي وديزي الأمير علمان من أعلام الشعر والقصة، رتّلا معا نشيد الحبّ لسنوات، وتبادلا رسائل الحبّ الكبير، لكن هذا الحبّ هزمته وقائع الحياة اليومية، وأسقطته اضطرابات الشاعر النفسية وهشاشة صحته، ولذا لم يتكلّل حبهما بالزواج.

ولعلّ حاوي لم يُقدم على الزواج خشية أن يفشل في إسعاد من أحبّ، وهربا مما يترتّب عن الزواج من تبعات ومسؤوليات.

إيمان عميق بالحياة

شكّل خليل حاوي وديزي الأمير ثنائية لم تكن يتيمة في عالم الثقافة التي شهدت ثنائيات كثيرة من قبيل  العلاقة بين الأديبة جورج ساند والشاعر ألفرد دو موسيه، وجبران خليل جبران ومي زيادة، وجبران وماري هاسكل، وجان بول سارتر وسيمون دوبوفوار، وغسان كنفاني وغادة السمّان وسواهم. وما يؤسف له حقا أننا وقعنا على رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمّان ورسائل خليل حاوي إلى ديزي الأمير، دون أن يتاح لنا الاطلاع على رسائل ديزي وغادة مع أن الرسائل بين هؤلاء كانت متبادلة وعلى خطين سالكين، وهذا ما يؤخذ على ديزي الأمير وعلى غادة السمّان.

في كتاب “خليل حاوي.. رسائل الحب والحياة” الصادر عن دار النضال للنشر العام 1987، يكشف حاوي “السرّ” الكبير حول “مسألة الزواج”، فيقول “الثرثرات النسائية في المجتمع البيروتي أفسدت الصلة بيني وبين ديزي الأمير التي أهديتها كتاب جبران، اليد التي أمسكت بيدي في ليالي الشك والخلق، وهي التي رافقتني إلى جامعة كيمبردج”.

كانت ديزي الأمير تعشق بيروت مثلما تعشق بغداد، أما لندن فكانت محطة ديزي في أسفارها وترحالها. الإيمان العميق بالحياة والإنسان، جعل ديزي امرأة كثيرة الكرم والاهتمام بالأهل والناس. لذا، قدّمت الكثير لصديقها وحبيبها خليل حاوي الذي يعترف بالأمر في إحدى رسائله إلى ديزي قائلا “أذكر ساعة وصلتني هديتك الثمينة أني كنتُ في حالِ ترقّب نبأ لا أدري أيكون حلوا أم مرّا، ثم وصلت الهدية، فَرِحْتُ بها حتى الدموع، تجلّببت بالعباءة وغليتُ قهوة عربية وجلستُ على السجادة، ودخّنتُ كثيرا، تذكرتُ كثيرا.. حتى كاد يخنقني الحنين، كانت جلسة عربية أو لبنانية، سمّيها ما شئتِ، وكنتِ معي إلى جانبي، رأسُكِ على كتفي وشَعْرُكِ بين يديّ”.

الشعر يقتضي من الشاعر وقف الحياة عليه وحده، وبخاصة عندما يكون شعرا ملتزما بثورة انبعاث حضاري مطلقة

ديزي الأمير كانت تملأ نفس الشاعر حتى عندما لا يكونان معا. إنه يتخيّل لقاءهما في بلدته الشوير، حيث كانت ديزي تصطاف، بينما يكون خليل في الجامعة في كيمبردج “نعم، سأروح على الدروب، سألتقي الشمسَ على تلالِ «الضهور»، سنكون معا وجها لوجه، سأشعر بوحدةٍ حلوة موجعة”. يضيف في رسالة له إلى ديزي “نفسي مليئة بكِ، ومكانك بجانبي فراغ، سأشعر على التلال بالامتلاء والفراغ، امتلاء النفس وفراغ اليد والعين. ليتكِ معي، لما خِفتُ وحشة الغروب في الجبل، في اللحظة التي تتلملم فيها الوحشة وتدخل علينا من الأبواب والنوافذ”.

في وصفه للعلاقة بينه وبين ديزي الأمير يقول خليل حاوي في رسالته إلى حبيبته ديزي “…وجئتِ أنتِ، وما كانت مواعيدنا الأولى سوى سوانحَ عابرة في دنيا سجين، ولطالما عُدتِ بعد كل مرة عودة المُذْعِن للقضاء المحتوم، عودة الهالك الراضي بسجنه وجحيمه. وكأن بيني وبينكِ هوّة لا أنا قطعتها ولا أنتِ انجذبت إليها”.

ويسأل ويتساءل عن الأسباب “لا تسألي لماذا، لماذا زَحفتُ إليكِ في ما بعد، ولماذا تمسكتُ بك بأظافري وأعصابي وقلبي. كنتُ أطلبُ النجاة وكنتُ أكافحُ من أجلها، كنتُ أودّ أن أحيا ثانية، أن أولد ثانية، وكنتُ بلا معين، وحدي أقاسي ألَمَ المخاض. ألَمَ من تتمخّض ولا تَلِد”.

ثم يصف خليل العلاقة مع ديزي “أنا لا أقول إنك لم تمدّي يدا إليّ. لقد كنتِ أحيانا أرحم وأندى من ربيع لبنان وأحيانا أقسى من الصحراء، ومن عَيْني القاضي؛ يلتمع فيهما بريق رصاص ونحاس”.

في كلامه على الحبّ يقول شاعرنا “إن الحبّ يا ديزي، كما علّمني غيابك عنّي، جوع لمن نُحبّ وشبع من الآخرين، إنه التوحيد المطلق يقوم في النفس عفوا وبداهة، لا يفتقر إلى مجاهدة النفس في سبيل العفّة، إنه ترفّع عن الإغراء وتهاون بالفتون، إشاحة عن الملذات العابرة، وأُنسٌ في الوحدة ورضى عن الجوع والظمأ”.

وفي رسالة أخرى إلى ديزي “يندم” خليل حاوي، ويعترف بحبّه لها “وأنتِ أنتِ من تكونين لي ولِمَ يعتصر قلبي الندمُ على كل كلمة عصبية وعلى كل نظرة قاسية ندّت منّي ووقعت على وجهك الطيّب الحبيب؟ لِمَ هذا الضنُّ المجنونُ بحبّكِ ورضاكِ، ولِمَ تسحقني نزوةٌ تَهمّ بفصم ما بيننا، لِمَ أنتِ أحبّ إليّ من نفسي، ومن تكونين لي؟”.

لكن خليل لا يؤمن بالسعادة “لم أعد أطلبها ولكنّي أؤمن بحبّك وأطلبك، وأحسّكِ قريبة عميقة عمقَ نبض الحياة في عروقي”.

حالات متناقضة

كان خليل حاوي يكره “وحشة الغربة” ويشعر بحنينٍ كبير “يبلغ حدّ الألم”. يكتب إلى ديزي من لندن قبل مغادرته إلى كيمبردج “الساعة الرابعة صباحا في الشارع، وقعُ أقدام وضجيج سيارات لا ينقطع، وشعوري أنني أستيقظ اليوم في بلدٍ غريب، إنه شعور بالوحشة وبالحنين يكاد يبلغ حدّ الألم، إنه شعور بالانفصال لم يكن في نفسي بالأمس على متن الطائرة.

خليل حاوي شاعر الحب والحياة.. يموت منتحرا
خليل حاوي شاعر الحب والحياة.. يموت منتحرا

وفي المقابل كانت رسائل ديزي إلى خليل “طيبة”، كما يصفها، ولما كانت ديزي تخشى أن ينقطع خليل عن الكتابة إليها، كما تشير في رسالتها، يؤكد لها الشاعر عكس ما تعتقد، ويقول “هل أحرم نفسي من الدفء والقمر، أنتِ الضوء الوحيد في حياتي فكيف أطفئه بيدي، أريدكِ أن تكتبي دائما وأن تحافظي على أسلوبك الطيّب في التفاصيل اليومية، إنني برسائلكِ أحيا حياتين: حياتي هنا، وحياتي معكم في لبنان”.

وفي رسالة أخرى إلى ديزي يعترف خليل لها بأن “الحياة بدونك فارغة حتى ولو كانت في الجنّة”. كما يصف “علاقة الحب” بينهما بأنها “حب جديد وحب قديم، والأول قد محا من الثاني كل الآثار المزعجة وأبقى على الحلو الطيّب من الذكريات”.

يقيّم حاوي في رسالته إلى ديزي أدبها وقدرتها على “التعبير عن أشياء عظيمة وعميقة”. يقول “وصلتني رسالتك الحلوة بينما كنتُ أقرأ بعض القصائد من الغزل لشاعر فرنسي ولا أغالي إذا قلتُ إن فيها من الشعر الصادق أكثر مما في شعر ذلك الشاعر. أُعجبتُ جدا بقدرتك على التعبير عن أشياء عظيمة وعميقة تعبيرا في منتهى السهولة والبساطة. أما أنا فأخاف الكتابة إليكِ وذلك لما في نفسي من أشياء يَصعب التعبير عنها”.

ثم يتساءل “تُرى، أيكون الحبّ الذي أطلق لسانك قد عقد لساني، ولماذا؟ لستُ أدري. ويعترف حاوي بأن الحبّين مختلفان”. ويتابع “أعلم أن ما ينطبق عليّ لا ينطبق عليكِ. فحبّك واحد، رحبٌ عميق سموح كان هكذا ولا يزال!”.

يعترف خليل حاوي في إحدى رسائله إلى ديزي الأمير، بـ”الحالات المتناقضة” التي يمرّ بها “أقرأ الآن ما كتبتُه إليكِ أمس، فأمقته وأرغب في تمزيقه.

الانتحار بداية

 خلال أزمة “قناة السويس” في مصر العام 1956، كتب خليل حاوي رسالة إلى ديزي الأمير بعنوان “الانتحار بداية” يؤكد فيها أنه كان يودّ أن يكون في لبنان ليشارك في المسؤولية الوطنية. ويكشف عن أن “جماعات كبيرة هنا (في بريطانيا) تظاهرت، وكان لنا في ذلك تنفيس عن الغضب وتعزية بأننا لسنا وحدنا ولسنا معزولين منبوذين في بلد عدوّ”.

ثم يتابع “في نفسي ذكريات حلوة تصبغها كآبة ويلفّها يأس مرّ، في نفسي أثرٌ لأحلام كانت تراودني قبل الأزمة وقبل أن أدرك الواقع المرّ في العالم العربي. أما هذا الواقع، كما يبدو لي، فهو أنّي قد استيقظ في أي صباح لأقرأ في الصحف أن لبنان قد تبخّر، قد حُذِفَ من الخارطة. وهذا الخوف يحتلّ أفكاري أحيانا حتى أنه يمنعني من النوم لياليَ”.

ويعلن متمنيا “لو كان الجهاد مجديا لتركتُ الدرس وجاهدت… إنها مأساة فظيعة، انتظارها أفظع من وقوعها…”.

وينهي حاوي رسالته إلى ديزي بأجمل عبارات الحنين والاشتياق “في حنيني الدائم إليكِ يمتزج أعمق ما في الروح بأعنف ما في الجسد، تُرى ألا تحسّين أحيانا بشغف وأن نظرتكِ الحلوة ترافقني، وأن يدك على جبيني، آه ما أحبّ الحاضر وما أحبّ الماضي، تُرى هل يعود؟”.

الرسالة بعنوانها “الانتحار بداية” (وهي بخط يده)، لم يرد فيها أي أمر يدلّ على “الانتحار” رغم حديث خليل عن “الجهاد”.. وتمزّق خليل المقاوم أبدا. إلّا أن الشاعر اللبناني المقاوم لكل أنواع الاحتلال، تصادف انتحاره مع بدء الاجتياح الإسرائيلي للبنان في السادس من يونيو سنة 1982. وكتب بدمه قصيدته الأخيرة “شاعر الحب والحياة.. يموت منتحرا!”.

15