رسام ياباني يخوض رحلة بين الجبال ليرسم الوجود البشري

رواية "وسادة من عشب" للروائي ناتسومي سوسيكي تمحو الحدود بين الثقافات والأزمنة، وتدعو بإلحاح إلى تفكيك وتخريب المركز بإعطاء فرصة للهامش من أجل البروز.
الاثنين 2019/02/11
رحلة وجودية في منطقة ثالثة

ثمة واقعة ثقافية مهمة تشهدها الساحة العربية، تلك التي تجد اشتغالها -اليوم- في تهريب الرواية العالمية إلى اللغة العربية بعد تعدد المترجمين ودور النشر، منها صار يمكن تشغيل مفهوم الفضاء الثالث الذي ابتدعه المفكر -الهندي الأصل- هومي بابا. فلم تعد هناك ثقافة بعيدة عن الثقافات الأخرى، وصار يمكن للهامش البروز، كما هو الأمر في رواية “وسادة من عشب” للروائي الياباني ناتسومي سوسيكي.

تتخطى رواية “وسادة من عشب” للروائي الياباني ناتسومي سوسيكي سمات الفضاء السائد الكولونيالي، وتخرب الراهن الثقافي مندفعة من سلطة الثابت إلى فعل الانقطاع عنه، وقد نجح مؤخرا المترجم وليد السويكي في تهريب هذه الرواية إلى اللغة العربية، وللوهلة الأولى بعد قراءتها سيخيل إليك أنك إزاء زخم ثقافي مغاير تماما لثقافتنا العربية.

طبعا، نحن هنا لسنا أمام رواية محملة بالقضايا الأيديولوجية والسياسية التي يعيشها مجتمع ما، ويسعى الروائي إلى تسريدها. إننا إزاء رواية لا موضوع لها غير الجمال ولا أسئلة تم استنباتها في متنها الكتابي غير الإقامة في متاهات الفن والرغبة في الخلاص من إثم النوع البشري، إذ كلما أدلى السارد بمنظوراته إزاء الفنون كالرسم والشعر والموسيقى كوضع روائي بعينه، ذهب إلى استحضار الإرث الثقافي للحضارة اليابانية من أساطير وأشعار وعادات وتقاليد وأديان ووضعها محل تفاعل مع الثقافة الإنسانية أيضا وبخاصة للمجتمع الغربي.

بالتأكيد، إن ذلك سيمثل نوعا من اللقاء في فضاء بيْني بين حضارتين: نحن كقراء -في هذا السياق- مدعوون إلى التساؤل عن آثار تلقي رواية كهذه، إذ ما يحركنا في لحظة القراءة هو السائد من ثقافتنا العربية، وبالتالي فإنه من الطبيعي أن تنشأ فينا الرغبة في البحث عن الجسور الرابطة بين هذه الحدود الثلاثة، بوصفها تمثل تمارين على اللقاء بين مختلف هذه الحضارات.

التخلص من الإثم

نقرأ في آخر صفحة من هذه الرواية، التي صدرت في طبعتها الأولى لهذه السنة (2019) مع دار مسكلياني، ما يلي: “هذا هو! هذا هو! هذا ما أحتاجه من أجل اللوحة” قلت بصوت خفيض وأنا أربت على كتفها. لقد كان في تلك اللحظة أن عثرتْ أخيرا قماشة الرسم في قلبي على شكلها المنشود كاملا ونهائيا.

بين لفظتي “هذا هو” و”أخيرا” نفهم أن السارد أمضى جهدا عنيفا وطويلا في سبيل التقاط مشهد يمكن رسمه في ما بعد. رب لحظة وداع لأخ البطلة “نامي” تم من خلالها اكتشاف رحيل “راهب الجبل البري” في نفس القطار، يحتكم إليها السارد بوصفه شاعرا ورساما في آن واحد، هي التي أوقفت لهاثه وبحثه وتأملاته ودفعته أخيرا إلى قرار الرسم بشكل جاد بعد أن كان يجوب وهاد الجبال والمعابد والمناظر الطبيعية.

رواية لا موضوع لها غير الجمال والفن والإنسان
رواية لا موضوع لها غير الجمال والفن والإنسان

طبعا، إن ذلك القرار لم يأت من عدم، فهذا السارد يضع في اهتماماته منذ أول الأسطر في الرواية وضعا أنطولوجيا بعينه، إنه ذلك السؤال عن هذا النوع البشري وكيف يمكن التخلص من أدرانه وآثامه وتعبيراته الثقافية ككل بالبحث عن إقامة له في معادلة تحتكم إلى الجمال وحده.

على هذا النحو سيدفعنا إلى التساؤل معه عن ماهية الشعر والرسم والفلسفة والدين، إذ مع كل حدث من أحداث الرواية يرتد بنا إلى عقد ضرب من التأملات في الوجود، فهو منذ ترحله في الجبال وأخذه قسطا من الراحة لشرب كأس من الشاي في مكان قصي، ومنذ إقامته في نزل الرجل “شيودا” وتعرفه على ابنته “نامي” حتى حدود وداع هذه الأخيرة لأخيها، يجعلنا نكتشف معه عادات اليابانيين وأساطيرهم وخرافاتهم وهواجسهم، وفي خضم ذلك كله لا يكف عن طرح تساؤلات عميقة عن الوجود الإنساني ككل لا الإنسان الياباني وحده.

نكتشف ذلك من خلال المتن الكتابي لهذه الرواية بوصفها حافلة بالتعدد الصوتي، والروافد الثقافية، ومتجاوزة للأجناس الفنية، إذ يحضر الهايكو كنوع شعري مع تجارب شعرية أخرى من حضارات مختلفة فنكتشف وجودا للشاعر شيللي والشاعر الصيني تاو يوانمينغ والشاعر وانغ وي والشاعر الإنكليزي جورج مريديث وشاعر الهايكو باشو والشاعر أوغيو سورا، وقصائد أخرى لكيكاكو ويوسابوسون. وعلى غرار ذلك، تأتي أسماء أخرى لرسامين من ثقافات مغايرة ومتباينة مثل الرسام ناغازاوا روزيستو والرسام أيواساماتابي والإنكليزي مالورد ويليام تيرنر واليابانيين آوكيموكوبي وأوكيو إضافة إلى الصيني نتونغ مع ذلك الحضور اللافت والمكرر للوحة أوفيليا، هذا بالإضافة إلى جملة من الأساطير والآلهة الصينية واليابانية ومسرح النو.

الفضاء الثالث

لقد ولد هذا الجمع بين جملة من المعتقدات والفنون والثقافات لحما كتابيا وروائيا هجينا، بقدر ما استدعى مشتركا إنسانيا واحدا، سعى إلى الإقامة في ما اصطلحنا عليه سابقا على لسان هومي بابا بالفضاء الثالث، هذا الذي نكتشف من خلاله محوا للحدود بين الثقافات والأزمنة، ودعوة ملحة إلى تفكيك وتخريب المركز بإعطاء فرصة للهامش من أجل البروز. لقد حاول السارد/ الرسام في كل مرة رسْم لوحة ما أو مشهد من المشاهد التي يراها في رحلته بين الجبال، أو حدثا من الأحداث التي جمعته بالرهبان والقرويين إلا أنه في كل مرة يرى الأمر غير مناسب، وهذا أمر طبيعي، فالمغزى من هجرته الوجودية يجد اشتغاله في البحث عن سمات العمق الإنساني وخاصيته المفقودة.

 هكذا كان مشهد الوداع وحده مربكا بالنسبة إليه، فتلك الفتاة “نامي” المتهمة بالجنون، والإثم، والجمال، والغواية، لم يرها السارد مثلما قالت عنها أساطير الناس وتحدثت عن عائلتها، على العكس من ذلك، لقد مثلت صورتها لحظة وداع الأخ واكتشافها رحيل الراهب ضربا من التمزق الإنساني العنيف الذي يمكن رصده في أي مكان ما من العالم.

وعلى هذا النحو يمكن اعتبار تسريد جملة تلك الثقافات وعجنها في متن روائي واحد نتاجا للمشترك الحضاري بين مختلف المجتمعات، كما يمكن اعتبار رواية “وسادة من عشب” رواية ما بعد كولونيالية بامتياز.

يقول هومي بابا مرة أخرى “أن تكون في ‘الما بعد’، يعني إذا، أن تقطن فضاء بينيا متداخلا، كما يمكن أن يقول لك أي معجم من المعاجم. بيد أن السكنى في ‘الما بعد’ تعني أيضا، أن تكون جزءا من إعادة النظر، عودة إلى الحاضر لإعادة توصيف تعاصرنا الثقافي، ولإعادة نقش تشاركنا الإنساني، التاريخي”.

14