"رشيد كازا" رجل العلاقات الجزائرية – الأميركية الخفية

مسعود زقار لغز أرّق خصومه حيا وما زال يزعجهم ميتا.
الأحد 2021/10/10
محل جدل حتى وهو ميت

حمل تخريب قبر المناضل ورجل المخابرات الثورية مسعود زقار رسائل تنطوي على محاولات استفزازية للذاكرة الجمعية للجزائريين، من خلال المساس بأحد رموز جهاز الاستخبارات الذي أسسته ثورة التحرير، وإبقاء الرجل محل جدل حتى وهو ميت بعد صراع مرير مع نظام الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، ومع ما يعرف بـ”الطابور الخامس” الموالي لفرنسا.

كلما أثير الحديث عن المناضل التاريخي زقار عاد الجدل في الجزائر حول صراع أزلي بين تيارات سياسية وأيديولوجية، وصلت بها الأحقاد إلى حد حبك المؤامرات وحتى التصفيات الجسدية، فالرجل الذي مازال الشك يراود أهله ومقربيه حول ظروف وفاته يعتبر أحد ضحايا الصعود القوي للطابور الخامس الموالي لفرنسا إلى السلطة خلال ثمانينات القرن الماضي.

على طريق الخطابي

وزقار يعدّ أحد الشخصيات الجزائرية “الأسطورية” التي وظفت قدراتها وشبكة علاقاتها في تأسيس جهاز الاستخبارات من طرف ثورة التحرير، فاخترق قصر الإليزيه، وكان أحد ممولي ثورة التحرير بالسلاح والذخيرة، وبعد الاستقلال أرسى علاقات قوية مع دوائر أميركية، ولذلك كانت تهمته عندما أسقط من طرف خصومه “الخيانة الوطنية وربط علاقات مع جهات معادية”.

في عائلة محافظة بمدينة العلمة ولد زقار عام 1926، وهو عام محوري في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، حيث عرفت تأسيس أول الأحزاب الوطنية، وهو حزب “نجم شمال أفريقيا” على يد المناضل الكبير مصالي الحاج، وفيه أيضا اندلعت ثورة عبدالكريم الخطابي في المغرب، وهو الذي التقاه زقار فيما بعد ورسم معه طريق دعم الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي.

تعليمه انتهى في مدرسة ابتدائية بمدينة العلمة، لكنه كبقية أطفال الجزائر آنذاك وجد نفسه مرغما على بداية مساره المهني والحرفي، ولو أن الطفل كان محظوظا، لأن والده يملك مقهى، ثم انتقل إلى ممارسة التجارة. ولأنه كان طفلا شقيا فقد سافر إلى فرنسا بطريقة سرية وعمره لم يتعد العشر سنوات، عاد بعدها إلى مسقط رأسه حيث أسس مصنعا صغيرا لصناعة الحلويات.

الحلواني وصناعة السلاح

حادثة تخريب قبر زقار تعيد الجدل في الجزائر حول صراع أزلي بين تيارات سياسية وأيديولوجية، وصلت بها الأحقاد إلى حد حبك المؤامرات وحتى التصفيات الجسدية

ويبدو أن الأقدار رسمت سيرة الرجل مبكرا، وإن لم يكتب له المضي قدما في دراسته إلا أن محطاته كانت حاسمة في صقل شخصيته وتكوين ثروته وإقامة شبكة علاقاته وشحنه بروح الوطنية والقابلية للثورة ضد المستعمر. وكان إنزال الحلفاء في الجزائر عام 1942 فرصة لاحتكاك مسعود زقار بالأميركيين وربط علاقات مهمة مع وحداتهم العسكرية، وصار يزودهم بحلويات مصنعه “البرلينغو” المصنوعة من السكر ونقيع النعناع البري، فدخل بذلك عالم المال والأعمال.

الباحث والمؤرخ محمد عباس قال في كتابه “ديغول والجزائر.. نداء الحق” إن زقار “استفاد من احتكاكه بقوات التحالف فاكتشف من خلالهم أميركا، وذلك من خلال تعلّمه للغة الإنجليزية، وإقامة علاقاتٍ مع قادة من الجيش الأميركي”. ويضيف عباس أن اهتمام زقار بعالم التجارة وإبرام الصفقات لم يمنعه من اكتشاف عالم النضال ضدّ الاستعمار، إذ كانت الكشافة الإسلامية الجزائرية بوابة لاقتحامه عالم النضال السياسي ضد فرنسا الاستعمارية، ليتعرف على محمد دباغين مسؤول حزب “الشعب” في مدينة العلمة، وتربطه به علاقة صداقة تطورت فيما بعد، ليصبح عضوا بارزا وممولا للحزب في محافظة سطيف.

ويعتبر زقار من النخبة الجزائرية القليلة التي حملت توجها أنجلوساكسونيا وانبهرت بالثقافة الأميركية، عكس الغالبية التي كانت ذات تكوين أو توجه فرانكفوني مكون بالثقافة الفرنسية أو موال لفرنسا تماما، وهو ما خلق حالة من الحزازيات بين النموذجين بعد الاستقلال وإلى غاية الآن، ويعد مسعود زقار أحد ضحايا تألقه ونجاحه وتوجهه الأنجلوساكسوني.

وخلال أحداث الثامن من مايو 1945، حين خرج الجزائريون للاحتفال بسقوط النازية ومطالبة فرنسا بالاستقلال ورد الجميل لهم بعدما كانوا في صفوفها أثناء الحرب العالمية، كان زقار من ضمن المتظاهرين المحظوظين الذين تم الزج بهم في السجن بمدينة سطيف، بينما سقط عشرات الآلاف من الجزائريين -بحسب تقديرات جزائرية- ضحايا للآلة القمعية الوحشية، ولم يطلق سراحه إلا بعد عام، في إطار ما عرف آنذاك بـ”قانون العفو العام”.

زقار يعدّ أحد أهم الشخصيات الجزائرية التي وظفت قدراتها وشبكة علاقاتها في تأسيس جهاز الاستخبارات، فاخترق قصر الإليزيه، وكان أحد ممولي ثورة التحرير بالسلاح والذخيرة، كما أرسى علاقات قوية مع دوائر أميركية

استفاد زقار كثيرا من احتكاكه بالأميركيين خلال إنزال الحلفاء على الأراضي الجزائرية، واستطاع بدهائه نسج شبكة علاقات مهمة ساعدته في تكوين مصادر ثورة التحرير للتموين بالسلاح، وحتى إقامة صلات مع رجالات في البيت الأبيض.

وتذكر روايات ومؤلفات في هذا الشأن أن زقار، الذي واصل نشاطه في التجارة، كانت عينه على تهريب السلاح لصالح “المنظمة الخاصة” في السنوات التي سبقت الثورة، وكان دائم التنقل بين الجزائر والمغرب.

وتضيف تلك المصادر أن الاسم السري الذي حمله الرجل، “رشيد كازا” المشتق من مدينة “كازابلانكا” المغربية، لم يكن اعتباطيا، بل هو نتيجة احتكاكه بنخب مغربية وتحركه الدائم داخل الأراضي المغربية من أجل تأمين السلاح لثورة التحرير، وكان على رأس هؤلاء الخطابي الذي مكنه من إقامة مصنع للسلاح على قطعة أرض وهبها للثورة الجزائرية.

ويذكر مؤسس جهاز الاستخبارات الثورية عبدالحفيظ بوصوف أن مصنع التسليح الذي أقامه كازا في المغرب مون الثورة بحوالي 20 طنا من المتفجرات، وهو ما أنقذ ثورة التحرير من أزمة التموين بالسلاح، فضلا عن القطع التي كانت تصنع هناك، على غرار “البازوكا”، وهو المصنع الذي كان ظاهره تصنيع الملاعق والشوكات وباطنه تصنيع السلاح لثورة التحرير.

وقد بدأت علاقة زقار بالأميركيين بعد أن صار صديقا لعميل السي أي إيه جيمي أوبال، المعروف بـ”العميل تيودور”، بداية من عام 1955 في المغرب، حيث كانت مهمة العميل “تقديم المساعدة الأميركية العسكرية للحركات التحررية”، ونجح  زقار في توطيد العلاقة معه وإقامة خط سري من أميركا إلى المغرب تُهرب عبره قطع الغيار الحربية والمتفجرات الموجهة إلى المصنع، وهو الخط الذي ظل حيّز الخدمة إلى غاية انتهاء الثورة، وأصبح جيمي الصديق المقرّب لزقار ليبدآ معا في تسطير الملاحم الاستخباراتية.

شبكة العلاقات

Thumbnail

ويذكر الخبير العسكري أحمد عظيمي في شهادة له أن زقار قام باختراق القاعدة الأميركية في منطقة النواصر المغربية، وإقناع الكثير من الضباط الأميركيين بدعم الثورة الجزائرية بالسلاح، وقام بجلب عمال أجانب من دولة ألبانيا ومهندس أميركي للعمل على مشروع إنشاء مصنعٍ للمتفجرات في الحدود الجزائرية المغربية. كما نجح في شراء جهاز إرسال متطور للبواخر من القاعدة الأميركية استعمله الثوار الجزائريون في إنشاء أول إذاعة جزائرية بمنطقة الناظور المغربية.

ويضيف أن زقار نجح في وضع جهاز تنصّت في مكتب الرئيس الفرنسي، ونجح في إقناع سكرتيرته بالعمل لصالح المخابرات الجزائرية، وتروي روايات أخرى كيفية إجهاض زقار لمناورات فرنسية بغية اختراق الثورة أو اغتيال قادتها، وتزويدها بأجهزة الاتصالات والتمويه.

أما المؤرخ والباحث الراحل محمد حربي فيقول في كتابه “جبهة التحرير الوطني، الأسطورة والواقع” إن “زقار تمكن من التوغل في مكتب الرئيس الفرنسي شارل ديغول من خلال نجاحه في إقناع عقيد فرنسي بالعمل لصالح الثورة الجزائرية، وبات هذا الأخير يمدّ رشيد كازا بجميع الأخبار التي يعرفها مكتب الرئيس الفرنسي”.

السقوط على يد الفرانكفون

نخبة جزائرية نادرة حملت توجها أنجلوساكسونيا، كان زقار واحداً منها عكس الغالبية ذات التوجه الفرانكفوني
نخبة جزائرية نادرة حملت توجها أنجلوساكسونيا، كان زقار واحداً منها عكس الغالبية ذات التوجه الفرانكفوني

بعد الاستقلال طلب زقار إعفاءه من الجيش، وتفرغ لأعماله ونشاطاته الخاصة، لكنه حافظ على علاقاته مع الدوائر الأميركية، وكان يوصف بـ “رجل الولايات المتحدة في الجزائر”، وكان محل إشادة شخصيات أميركية بارزة، على غرار رجل الفضاء فرانك بورمان خلال زيارته للجزائر في حقبة السبعينات، وهو ما عمل الرئيس الراحل هواري بومدين على استغلاله لإقامة علاقات خفية مع الأميركان وربطتهما صداقة حميمة.

ثروة زقار، حسب بعض الروايات، بلغت ملياري دولار في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، فعلاوة على مصانع الحلوى والألبان اقتحم سوق النفط لتضخّ عليه تلك الأنشطة الملايين من الدولارات، وكانت له طائرته الخاصة التي تنقل على متنها أصدقاءه الأميركيين.

وتذكر بعض تلك الشهادات أن الرئيس بومدين استثمر مكانة صديقه لدى واشنطن في إعادة العلاقات الجزائرية – الأميركية بعد حرب 1967، كما ساهم في تحرير الأسرى الأميركيين في فيتنام عام 1968، فضلا عن دوره  في تأميم المحروقات من خلال عقد شركة “البازو” الأميركية سنة 1971. غير أنه خاض صراعا قويا مع هنري كيسنجر الذي أوشك على إذكاء نار الحرب بين الجزائر والمغرب سنة 1975، لكن رشيد كازا ألجمها وأطفأ نعرتها، في دور استخباراتي أجهض به فخ الحرب، كما أنه جلب مشروعٍا لامتلاك الجزائر السلاح النووي في ثمانينات القرن الماضي، غير أن الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد رفض هذا المشروع رفضا قاطعاً.

زقار الذي عمل بومدين على استثماره كان يوصف بـ"رجل أميركا في الجزائر"

كان زقار على علاقات شخصية بالرئيسين الأميركيين ريستشارد نيكسون وجورج بوش الأب قبل انتخابه، ومدير وكالة الاستخبارات، غير أنه بوفاة الرئيس بومدين وتولي بن جديد قيادة البلاد دخلت حياة زقار في تحول جديد، فقد ألقى الصراع بين سلطة الراحل بومدين والقادم بن جديد بظلاله على حياة الرجل.

ولم تمض سوى ثلاث سنوات من توليه سدة الحكم حتى شن بن جديد حملة اعتقالات ضدّ أنصار سلفه، وكان زقار واحدًا منهم، فاعتقل واتهم بتهمٍ خطيرة، كالخيانة الوطنية وإقامة علاقات مع قوى معادية والعمالة والمساس بالاقتصاد الوطني.

وتجمع الشهادات -وعلى رأسها ما أفاد به المحامي حميدي قودة- على أن مسؤولين أميركيين تدخلوا لدى بن جديد من أجل إطلاق سراح صديقهم، إلا أن وقوع الرئيس تحت قبضة اللوبي الموالي لفرنسا والذي هيمن على دواليب السلطة لم يمكن الرجل من حريته.

وبعد 33 شهرا من الاعتقال أصدرت المحكمة العسكرية في البليدة حكمًا ببراءة زقار، لينتقل إلى العيش بين أميركا وإسبانيا. غير أن ملف استهدافه لم يطو، ففي مساء الحادي والعشرين من نوفمبر عام 1987 عثر على زقار جثة هامدة بأحد فنادقه في العاصمة الإسبانية مدريد بعد ساعاتٍ قليلة من تناوله طبقا مسموما، لينقل جثمانه إلى مسقط رأسه بالعلمة، ويدفن فيها ويبقى غصة في حلق خصومه حتى وهو ميت.

8