رواية جزائرية تستعيد الرحلة الساحرة لماتيس إلى طنجة

"ماتيس في طنجة" رواية من الصنف البيوغرافي تحكي عن زيارة هنري ماتيس إلى طنجة وتاريخ المدينة المغربية.
الخميس 2021/08/05
هكذا رأى ماتيس المغرب

عمان - يستحضر الروائي الجزائري عبدالقادر جميعي في روايته الأخيرة بعنوان “ماتيس في طنجة” شخصية الرسام الفرنسي هنري ماتيس الذي يعتبر من مؤسسي المدرسة الوحشية في الفن التشكيلي.

تحكي “ماتيس في طنجة”، وهي رواية من الصنف البيوغرافي، عن زيارة هنري ماتيس (1869 – 1954) إلى طنجة سنة 1912 رفقة زوجته إميلي تحت وابل من المطر، الذي سبق نور طنجة الذي سيجده ماتيس دون نظير.

سيكتشف الفنان العبقري ألوان المدينة ومناظرها وسكانها الذين في أغلبيتهم مغاربة وإسبان ويهود. لكنه سيجد غيابا كبيرا للعنصر الأنثوي الذي يعتبره ضروريا لعمله الفني.

وبين الكثير من النقاد التشكيليين كيف كان لأسفار ماتيس خصوصا إلى المغرب والجزائر أثر في تطور حساسيته الفنية، حيث شكل الشرق مصدر إلهام بالنسبة إليه، منذ معرض الفن الإسلامي الذي أقيم في باريس عام 1903، ولوحة “نساء الجزائر العاصمة” لدو لاكروا، وظهر أثر ذلك في تشكيلته “جواري الحريم” ما بين 1921 و1927 التي تتوسل بالمنمنمات، إحدى مفاتيح فنه.

وهذا العمل الأدبي هو عبارة عن رسالة طويلة إلى الفنان، عنوانها الأصلي “زهرة في سطح البيت”، وهو مقتبس عن لوحة لماتيس، وزهرة هي عاهرة في طنجة فرضت نفسها على الخيال الخلاّق.

لوحة واحدة فقط للفنان التشكيلي الفرنسي هنري ماتيس “زهرة في سطح البيت” كانت كافية لجذب الروائي جميعي إلى عوالم سردية ثرية، جذبته نحو امتداداتها الفنية، نحو تساؤلات طرحها كاتب غير متخصص في فن ماتيس. لكن اللوحة انتصرت وأطرت سردا شيقا ومفيدا من الغلاف إلى الغلاف.

كشف لألوان المدينة ومناظرها

فهل من يعرف ماتيس يعرف “زهرة في سطح البيت”، ومن يعرف “زهرة في سطح البيت” يعرف ماتيس؟ هذا هو الانطباع الذي سيخرج به قارئ هذه الرواية.

يكتب جميعي إلى ماتيس “يقظتك وحكمتك جعلاك تحب الفنانين اليابانيين من المرحلة الكبرى الذين، حسب الإخوة غونكور، كانوا يغيرون الاسم مرات عديدة في الحياة لحماية حريتهم”.

ويضيف “أنت، الذي تعتبر الحياة رواية، حسب عبارة أراغون الجميلة، تعيش وجودا أردته أن يكون سريا، دون دعاية ولا تعاظم. وجود لم يكن دائما بنفس حُبور وتناغم الزخرف في الخطوط والأشكال الواثبة في ‘ترف’، ‘هدوء ولذة’، أو في ‘سعادة العيش’ أو ‘رقص”.

ويتابع “كان عليك أحيانا أن تعبر عن استيائك أمام أميلي التي، كما أتخيل، كانت تعرف كيف تبقى رائقة في اللحظات الصعبة التي مرت منها علاقتكما. أسبوعان قبل غرق سفينة تيتانيك في جنوب جزيرة تيرنوف، كنت فعلا غاضبا منها في ميناء طنجة، في نفس الصباح الذي عادت فيه إلى فرنسا، يوم 31 مارس من سنة 1912”.

ذكريات يسردها الكاتب جامعا بين الفنان وبين جده بشكل سلس، ينتقل من حكاية الفنان وزوجته ورحلته إلى طنجة، ليتطرق إلى تاريخ مدينة وبلد، يقول “من هذا المكان الهادئ والمريح ولدت اللوحات ‘زهرة الأقنثة’، ‘العناقيات’، ‘السعفة’. كما شرعت، وأنت في الغرفة 35 حيث كنت محبوسا، في رسم ‘مزهرية إيريس’ و’طبيعة ميتة بالبرتقال’ التي اشتراها منك، في ما بعد، صديقك بيكاسو”.

الرواية، الصادرة عن دار خطوط وظلال، مليئة بالتقاطعات والنقلات من زمن إلى آخر ومن طنجة إلى فرنسا، فيما يكتب جميعي تاريخا شخصيا أيضا عبر شخصية جده، لكنه مفتوح على آخرين في تقاطعه معهم، لا تقاطعا حقيقيا وإنما صاغه الروائي بخياله، ليبرر تنقله من ماتيس إلى حياة المغاربة.

نجد من بين الشخصيات المؤثرة في الرواية شخصية زهرة، المرأة الطنجية، بائعة الهوى، في جميع أوضاعها: زهرة جالسة، زهرة واقفة وأمامها حوض سمك صغير ترقص داخله ببطء ثلاث سمكات حمراء. وكأن الكون كله يوجد هناك.

وإن دأبت الروايات العربية على استحضار شخصية بائعة الهوى عبر تضخيم خطيئة الجسد وفضح تعالقها الإيهامي بالأيروس والمال والسلطة والاعتراف السردي الذي تتخذه هذه الشخصيات نوعا من التطهير والخلاص والتعويض، فإن جميعي يذهب بهذه الشخصية إلى ناحية أخرى، هي الحضور الجمالي الأنثوي، وكأنه يستخرجها من لوحات الفنان ماتيس برقة، ويحافظ على نظارتها وعناصرها الجمالية، دون إيهام بالخطيئة أو غيره من التمثلات الخارجة عن عقليات تقليدية نمطية كما نجد في العديد من الأعمال الروائية الأخرى.

Thumbnail
14