روبرت أوبراين أميركي ثاقب النظر يعرف أين تتواجد بؤر الخطر

الدبلوماسي الأميركي وخبير المفاوضات روبرت أوبراين يرى أن إيران الدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم.
الخميس 2019/10/10
دبلوماسي مخضرم

أقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب ثالث مستشار للأمن القومي في عهده، الصقر اليميني جون بولتون، ليعيّن مكانه الدبلوماسي وخبير المفاوضات المخضرم المحامي، روبرت أوبراين، الذي كان يشغل منصب المبعوث الرئاسي الخاص لشؤون الرهائن في وزارة الخارجية الأميركية حتى لحظة الإعلان عن ترشيحه إلى جانب الرئيس في البيت الأبيض في الموقع الأهم والأكثر حساسية بعد سيد المكتب البيضاوي.

وقد لعب أوبراين دوراً رئيساً في التفاوض على إطلاق سراح، داني بورش، وهو مواطن أميركي سُجن في اليمن في وقت سابق من هذا العام. واستقبل ترامب مع نائبه مايك بينس الرهينة المفرج عنه والمفاوض باسم الحكومة الأميركية أوبراين تكريماً للأخير، واحتفاء بحرية المواطن الأميركي الذي كان معتقلاً عند الميليشيات الحوثية التي تدعمها وتموّلها بالسلاح والعتاد دولة الملالي في طهران.

كان أوبراين ولا زال يعمل على إطلاق سراح الأميركيين المعتقلين في إيران. وهذا التوجه والعمل عن قرب وضمن دائرة رسمية موسعة في الخارجية الأميركية هو، تنظيمياً، جديد نسبياً على الإدارة الأميركية؛ وكان قد استحدث لأول مرة في عهد الرئيس السابق، باراك أوباما، بعد أن تعرّضت إدارته لانتقادات شديدة من طرف أهالي وعائلات المخطوفين الأميركيين في سجون داعش، ما دعاه إلى تأسيس هذه الدائرة برئاسة أوبراين. وقد حافظت إدارة ترامب على هذه الدائرة وواصلت تكثيف الجهود لإعادة الأميركيين الرهائن والمعتقلين والمختفين قسراً إلى بلادهم.

بين الرهائن والقضاء والجيش

الرئيس ترامب قد لا يمنح شرف حزمة صلاحيات واسعة لأي شخص حتى لو كان من اختياره الخالص، وهكذا سيكون أوبراين في أحسن أحوال سلطته في تنافس مع وزير الخارجية مايك بومبيو على القرب من الرئيس وآلية اتخاذ القرار
الرئيس ترامب قد لا يمنح شرف حزمة صلاحيات واسعة لأي شخص حتى لو كان من اختياره الخالص، وهكذا سيكون أوبراين في أحسن أحوال سلطته في تنافس مع وزير الخارجية مايك بومبيو على القرب من الرئيس وآلية اتخاذ القرار

عائلة روبرت ليفنسون، وهو موظف سابق في مكتب التحقيقات الفدرالي “أف.بي.آي” الذي اختفى في إيران في العام 2007، أصدرت بياناً حال إعلان تسلم أوبراين منصبه الجديد في البيت الأبيض، قال أبناء ليفنسون فيه إنهم “سعداء جدًا لسماع تعيين أوبراين”، ووصفوه بأنه “مناصر قوي داخل الحكومة الأميركية لأبينا”، كما وصفوا التعيين بأنه “دليل إضافي على التزام الرئيس ترامب بإعادة كافة الأميركيين المحتجزين في الخارج”. وفي وقت سابق من هذا العام، أخبرت زوجة ليفنسون المشرّعين خلال جلسة استماع في مجلس النواب عن الأميركيين المحتجزين في إيران أنها شعرت أن زوجها “قد أهين أو بدا أنه منسي”، ودعت إلى بذل مزيد من الجهود لضمان عودته.

علاقة أوبراين بسلفه في منصب مستشار الأمن القومي قديمة وترجع إلى عهد رئاسة جورج بوش الابن، حينها كان بولتون ممثلاً للولايات المتحدة في الأمم المتحدة بنيويورك بمنصب سفير. وفي العام 2005 تم تعيين أوبراين في منصب الممثل المناوب للولايات المتحدة الأميركية في الأمم المتحدة وعمل مع بولتون الذي كان رئيساً له بمرتبة سفير.

من العراق إلى أفغانستان

أوبراين كاتب معروف في أميركا، وقد نشر في العام 2016 كتاباً بعنوان “بينما تنام أميركا – استعادة زمام القيادة في عالم مأزوم”. والكتاب يستدعي الحاجة الأميركية في هذا الوقت لإصلاح الجيش وترميم الفراغ فيه وخاصة ضمن القوات البحرية التي تحتاج إلى توسيع وتمكين حسب رأيه. كما يتطرق الكتاب بشكل مفصّل إلى الخطر الذي تشكله الصين كنظام على الولايات المتحدة، وكذلك يتطرق إلى خطر وتهديد التطرف الإسلاموي.

كتب أوبراين يقول إن ابنه يصف الجمعية العامة بأنها المكان “الذي يأتي إليه الطغاة في أميركا ليلقوا خطبا حول مدى سوء الولايات المتحدة”. وأضاف أن هذا الوصف من أفضل ما قيل عن الأمم المتحدة. كما انتقد اتفاق إيران النووي واصفا إيّاها بأنها “أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم“.

يحمل أوبراين شهادة القانون من جامعة كاليفورنيا – بيركلي؛ وهو الشريك المؤسس في مجموعة “لارسن أوبراين” للمحاماة في لوس أنجلوس؛ كما أنه كان خدم بالجيش الاحتياطي الأميركي في دائرة القضاء.

أوبراين يعمل اليوم على إطلاق سراح الأميركيين المعتقلين في إيران بعد نجاحه في تحرير أحد الرهائن لدى الحوثيين، وهذا العمل عن قرب وضمن دائرة رسمية موسعة في الخارجية الأميركية هو، تنظيمياً، جديد نسبياً على الإدارة الأميركية

عيّن أوبراين مسؤولاً قانونياً في لجنة تابعة لمجلس الأمن الدولي، اللجنة التي وجهت قبيل إسقاط نظام صدام حسين اتهامات للعراق تتعلق بدرجة تورطه في حرب الخليج. وقد مكنته خبرته في مضمارين هامين هما العسكري والقانوني أن يتبوأ مناصب عليا في الحكومات الأميركية المتلاحقة في عهود الرؤساء جورج بوش الابن ثم أوباما، وأخيراً حكومة ترامب.

إلى جانب إدارته لملف الرهائن، كان أوبراين مدرباً في وزارة الخارجية في القضاء والقوانين الدولية. وقد درّب قضاة ومدّعين ومحامين من أفغانستان وذلك ضمن برامج تطلقها باستمرار وزارة الخارجية الأميركية لمساعدة الحكومة الأفغانية لإصلاح وتطوير نظامها القضائي. وفي سياق آخر من حياة أوبراين المهنية عمل في موقع مستشار للحكومة الفدرالية الأميركية في شؤون الآثار ومكافحة تهريبها وحماية الممتلكات الثقافية. وفي موقعه كمستشار قانوني ودبلوماسي عمل أوبراين ضمن الفريق الاستشاري الخاص بالسياسات الخارجية والأمن القومي في حملة المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية، ميت رومني. وكان قد عمل سابقاً مستشاراً للسياسة الخارجية للحاكم الأسبق لولاية ويسكونسن، سكوت ووكر.

المستشار وهذا الرئيس

المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس السابق أوباما نيد برايس يقول إن ترامب و"بعد تحمله تجربة بولتون" لا يريد "شخصية قوية أو أيديولوجية في منصب مستشار الأمن القومي"
المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس السابق أوباما نيد برايس يقول إن ترامب و"بعد تحمله تجربة بولتون" لا يريد "شخصية قوية أو أيديولوجية في منصب مستشار الأمن القومي"

السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام قال إن أوبراين “يفهم أماكن الخطر في العالم ويتمتع بمهارات تفاوضية كبيرة بصفته مفاوضنا لشؤون الرهائن”. ولكن لنتعرّف على ما يمكن أن ترسمه الاستراتيجيات الأميركية بعد تعيين أوبراين، وما هي التغييرات المحتملة على السياسات الأميركية حال استلامه منصبا في الداخل الأميركي والسياسي الدولي، علينا أن نعرف طبيعة منصب أوبراين الجديد مستشاراً للأمن القومي الأميركي وسبب قوته وفعاليته.

 يتمتع مستشار الأمن القومي بدور مفصلي في البيت الأبيض بصفته مساعداً مباشراً للرئيس، ومستشاراً له في كل القضايا المتعلقة بأمن الولايات المتحدة القومي. وغالباً ما يكون مستشار الأمن القومي عضواً في المجالس العسكرية والأمنية المختلفة، وهو مسؤول مباشرة أمام رئيس الدولة مثل الوزراء في الحكومة وكبار المساعدين.

ويشارك مستشار الأمن القومي في اجتماعات مجلس الأمن القومي الأميركي، بينما يرأس اجتماعات لجنة مديري المجلس مع وزير الخارجية ووزير الدفاع حين لا يكون الرئيس حاضراً فيها. ويقدم مستشار الأمن القومي للرئيس مجموعة من الخيارات حول قضايا الأمن القومي. كما يساعد في تخطيط جولات الرئيس الخارجية ويقوم بتحضير المذكرات التي تتضمن المعلومات التوضيحية الأساسية والموظفين اللازمين لعقد اجتماعات الرئيس وإجراء مكالماته الهاتفية مع قادة العالم.

من مهام مستشار الأمن القومي أيضاً إعداد الرئيس لاجتماعات مجلس الأمن القومي، والمساعدة في صياغة الخطابات المتعلقة بالأمن القومي والسياسة الخارجية، وكذلك في التحضير للاجتماعات مع قادة الكونغرس، وهو يستجيب لطلبات الرئاسة للحصول على معلومات، ويُطلع الرئيس على القضايا الراهنة والمستجدة داخلياً، وعلى المستوى العالمي في آن.

أوبراين يعمل اليوم على إطلاق سراح الأميركيين المعتقلين في إيران بعد نجاحه في تحرير أحد الرهائن لدى الحوثيين، وهذا العمل عن قرب وضمن دائرة رسمية موسعة في الخارجية الأميركية هو، تنظيمياً، جديد نسبياً على الإدارة الأميركية

وقد وصف ستيفن هادلي، الذي عمل مستشارا للأمن القومي في عهد الرئيس جورج بوش الابن بدقة هذا المنصب الذي يقوم على دفع المبادرات الرئاسية داخل الفرع التنفيذي للحكومة الفدرالية. ومن أهم ما كتبه هادلي قوله “إن العمل مستشارا للأمن القومي هو أفضل وظيفة في السياسة الخارجية في الحكومة، إذ يمكنك قضاء المزيد من الوقت مع الرئيس أكثر من أي عضو آخر في فريق الأمن القومي للرئيس. أنت أول شخص يرى الرئيس في الصباح عندما يحضر الرئيس للعمل في المكتب البيضاوي، وآخر شخص يرى الرئيس قبل أن يتخذ أي قرار رئيسي في السياسة الخارجية أو الأمن القومي”. ويتابع “أنت الشخص الأكثر احتمالا أن يعرف ما يدور في عقل الرئيس حول القضايا الهامة، وتشارك في أمور مؤثرة لها عواقب تمتد عبر العالم وتؤثر عليه؛ بل أنت تقضي جزءاً كبيراً من وقتك في جوهر السياسة أكثر من أي مسؤول آخر للأمن القومي. فإذا كنت تحب السياسة أكثر من الأبّهة، فستحب هذه الوظيفة”.

ورغم أن المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس السابق أوباما نيد برايس قال إن ترامب و”بعد تحمله تجربة بولتون” لا يريد “شخصية قوية أو أيديولوجية في منصب مستشار الأمن القومي”.

لكن لا أحد يعرف هل سيتمتع أوبراين فعلاً بتلك الصلاحيات المتعارف عليها لمن يحمل منصب مستشار الأمن
القومي كما جرت العادة في الرئاسات المتوالية للبيت الأبيض، أم أن ترامب لن يمنح شرف حزمة الصلاحيات تلك لأي شخص ولو كان من اختياره الخالص، أم أن أوبراين في أحسن أحوال سلطته سيكون في تنافس مع وزير الخارجية مايك بومبيو على القرب من الرئيس وآلية اتخاذ القرار.. نتساءل.

12