روح جديدة ما بعد زيارة البابا إلى الإمارات

قداس تاريخي يمهّد لتعايش مغاير بين الأديان في منطقة الشرق الأوسط.
الأربعاء 2019/02/06
ميثاق السلام والتسامح

أبوظبي - تركت الزيارة، التي أداها البابا فرنسيس إلى الإمارات والحفاوة التي قوبل بها وأجواء التفاؤل التي خلفتها، انطباعا قويا لدى المئات من رجال الدين والباحثين بأن عالما جديدا سيبدأ في الشرق الأوسط يقوم على نمط جديد من التعايش بين الأديان على قاعدة التنوع والحرية.

وغادر البابا دولة الإمارات، الثلاثاء، بعد إحيائه في أبوظبي قدّاسا تاريخيا حضره عشرات الآلاف من المقيمين الأجانب في الهواء الطلق، وهو الأول لحبر أعظم في شبه الجزيرة العربية، مهد الإسلام.

وكان في وداع البابا ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.

وأعرب الشيخ محمد بن زايد عن “شكره وتقديره للبابا فرنسيس على هذه الزيارة الاستثنائية ومشاركته المفعمة بالمحبة في مختلف الفعاليات والمبادرات التي رافقت ‘لقاء الأخوة الإنسانية’ الذي استضافته الإمارات”، مشددا على “تعزيز قيم التسامح والسلام العالمي والتواصل الإنساني الحضاري لدى الشعوب، التي تحثّ عليها كل الأديان”.

وأشاد ولي عهد أبوظبي بدور البابا في إطلاق “وثيقة الأخوة الإنسانية” التي وقعها مع شيخ الأزهر، أحمد الطيب، “بهدف تعزيز العلاقات الإنسانية والسموّ بها والتي تحض عليها كل الأديان والمعتقدات ومدّ جسور التواصل والتآلف والمحبة بين الشعوب”.

الإمارات العربية المتحدة تعلن عن إنشاء كنيسة باسم البابا ومسجد باسم شيخ الأزهر

وترأس البابا، صباح الثلاثاء، قداسا في العاصمة الإماراتية، بحضور أكثر من 135 ألف شخص. ووصل لإحياء القداس في سيارة بيضاء مكشوفة إلى مدينة زايد الرياضية، حيث حيّا المصلّين الذين رفعوا أعلام الفاتيكان، فيما سار بجانب سيارته حراس يرتدون بدلات سوداء.

وتعالت صيحات الآلاف ومعظمهم من دول آسيوية، هاتفين باسم البابا فرحا لدى دخول سيارته أرض الملعب، قبل أن تنسحب منه بعد جولة قصيرة ويصعد البابا إلى المذبح الأبيض الضخم أمام المدرجات المكتظة بالحشود الغفيرة، يتوسّطه صليب عملاق.

ولوح البابا للمصلين من أتباعه الذين حملوا لافتات وأعلام الفاتيكان في ملعب زايد، الذي أقيم فيه مذبح وصليب ضخم لأول مرة في مكان مفتوح. ودخل الملعب نحو 50 ألفا بتذاكر لحضور القداس وكانت من بينهم مجموعة صغيرة رفعت لافتة كتب عليها “نحن مسيحيو اليمن نحبك”.

وتجمع نحو 80 ألفا آخرين في محيط الملعب يتابعون الصلاة عبر شاشات كبيرة نصبت لهذا الغرض، وبعدها غادر البابا الإمارات. وانضم إلى البابا رهبان من جنسيات مختلفة شاركوا في القداس الذي نقله التلفزيون الإماراتي على الهواء.

وقال البابا في عظة ألقاها بالإيطالية “من المؤكّد أنه ليس سهلا بالنسبة لكم أن تعيشوا بعيدا عن البيت وأن تشعروا ربما (…) بمستقبل غير أكيد. لكنّ الربّ (…) لا يترك” المؤمنين به.

البابا للمشاركين في القداس:  أنتم جوقة تتضمّن تنوّع جنسيّات ولغات وطقوس، تنوّعا يحبّه الروح القدس
البابا للمشاركين في القداس: أنتم جوقة تتضمّن تنوّع جنسيّات ولغات وطقوس، تنوّعا يحبّه الروح القدس

وتابع “أنتم جوقة تتضمّن تنوّع جنسيّات ولغات وطقوس، تنوّعا يحبّه الروح القدس ويريد على الدوام أن ينسّقه ليصنع منه سمفونية”. وجاءت زيارة البابا في إطار “عام التسامح” الذي أقرته الإمارات في 2019 وأنشأت وزارة للتسامح.

وبعد أن وقع بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر، الاثنين، على “وثيقة الأخوة الإنسانية” التي تهدف إلى تعزيز العلاقات الإنسانية وبناء جسور التواصل والتآلف والمحبة بين الشعوب إلى جانب التصدي للتطرف وسلبياته، أعلنت دولة الإمارات عن إنشاء كنيسة باسم البابا فرنسيس ومسجد باسم الشيخ أحمد الطيب في أبوظبي.

وقال الشيخ محمد بن زايد إنه وقع مع الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الإمارات والبابا فرنسيس والشيخ أحمد الطيب على حجر الأساس للمبنيين.

وذكر أنه سيتم بناء “كنيسة القديس فرنسيس ومسجد الإمام الأكبر أحمد الطيب في أبوظبي، كمنارتين لإعلاء قيم التسامح والسمو الأخلاقي والتآخي الإنساني في سماء الإمارات”.

وستترك زيارة البابا إلى الإمارات وراءها تأثيرات كبيرة على المستويين القريب والبعيد، ليس فقط كونها تؤسس لاعتراف علني في دول الخليج للمسيحيين بحق التعبد وارتياد أماكن عبادة خاصة بهم وترعاها الدولة، ولكن أيضا سيكون لها تأثير كبير على المحيط الجغرافي الواسع بما يعطي للتعايش بين الأديان قيمة فعلية وينقله من مرحلة السجالات الفكرية التقليدية بين المثقفين إلى حالة من الاعتراف المتبادل بين الناس بمختلف أديانهم ومذاهبهم.

ولا شك أن هذه الخطوة ستزيد من الحراك الفكري داخل الفضاء الديني الإسلامي الذي يسيطر عليه إلى حد الآن الفكر المتشدد الذي يعتبر المسيحيين أهل ذمة وليسوا مواطنين متساوين في الحقوق مع غيرهم من المواطنين الذين يعتنقون الإسلام كدين.

وتمثل زيارة البابا وكذلك مؤتمر “الأخوة الإنسانية” في أبوظبي واستراتيجية الإمارات في إدارة الحوار بين مختلف المنتمين إلى الأديان، نقلة نوعية في مسعى لتطوير التعاطي الإسلامي مع الآخر، ولا شك أن المؤتمرات المتتالية ستنجح في استقطاب المئات من رجال الدين والمثقفين المؤمنين، من أجل التعايش وبناء جبهة مستنيرة في وجه التيارات المتشددة ومحاصرتها والحدّ من أنشطتها التي تسيء للدين والمنتمين إلى الفضاء الإسلامي الواسع.

1