زمن جيف كونز

الملايين التي دفعت إلى كونز ثمنا لأرنبه هي أموال فائضة تُستعمل من أجل تكريس القبح السياسي باعتباره حقيقة.
الاثنين 2021/05/31
أرنب جيف كونز تكريس للقبح السياسي باعتباره حقيقة

بيع أرنب يبلغ ارتفاعه 104 سنتيمترات بأكثر من 91 مليون دولار. لقد اُعتبر ذلك الأرنب منحوتة معاصرة نادرة المثيل. وهي كذبة. ذلك لأن صانعه الافتراضي لا يعرف شيئا عن النحت ولا يعترف به أصلا، فهو لم يتعلمه ولا يرى ضرورة لذلك.

جيف كونز (1955) أصبح فنانا بالصدفة وعن طريق التحدّي الوقح. كونز لم يدرس الفن غير أنه سعى إلى أن يكون مشهورا من خلاله. ولكن هل علينا أن نصدّق أنه حقّق طموحه بضربة حظ؟

في حي المال بنيويورك “وول ستريت” وأمام مبني التجارة العالمي الذي ضربته طائرة الحادي عشر من سبتمبر وضعوا أحد تماثيله، الذي هو من وجهة نظري لا يليق بمدينة عظيمة مثل نيويورك. ذلك التمثال كان ضروريا لكي تعلن مدينة المال عن شيء من تفاهتها.

كونز ليس فنانا بل هو رجل أعمال يصنع أفكارا سوقية. أرنبه الذي هو من صنع شركته التي تضم العشرات من المهندسين والفنانين هو تعبير عن خوائه الفكري. ولكن ذلك الخواء يعبّر بطريقة أو بأخرى عن خواء عالمنا.

شهد القرن الحادي والعشرين صعود موجة من السياسيين ستشكل سياساتهم عقدة ذنب في التاريخ السياسي المعاصر. أسوأ ما تملك البشرية من أشخاص.

في واحدة من سقطاته اتهم كونز مؤخرا باللصوصية حين سطا على شعار إحدى الشركات وصنع منه تمثالا لخنزير، فحكم عليه بدفع غرامة مالية كبيرة. ذلك اللص لا تزال المزادات تحتفي بأعماله.

ما السر في ذلك؟ بكل بساطة لأن المزادات لا تخذل زبائنها الأثرياء بل هي تعمل على إرضائهم وليست الحقيقة معيارا مريحا لهم، بل إن تلك الأسواق صارت تصنع حقائق تنسجم مع معاييرها.

في مرحلة سابقة تم تسويق كونز باعتباره فنانا كبيرا وبيعت أعماله بالملايين باعتبارها بضائع صالحة للاستثمار، لذلك ليس من المعقول الآن أن تخسر المزادات زبائنها الذين استثمروا في أعمال كونز أموالا طائلة من أجل إعلان حقيقة هي من وجهة نظر سوقية غير رابحة.

ليست القيمة الفنية مهمة في ذلك المجال. المهم هو كمية الأموال التي تم إنفاقها من أجل أن يتحوّل كونز من فنان أقل من عادي إلى ظاهرة. الملايين التي دفعت إلى كونز ثمنا لأرنبه هي أموال فائضة تُستعمل من أجل تكريس القبح السياسي باعتباره حقيقة.

 
16