زين العابدين بن علي من قصر قرطاج إلى الوفاة في المنفى

رغم أن فترة حكم بن علي لا تحظى بإجماع في تونس، فإنه بعد مرور تسع سنوات من الثورة على نظامه انبعث مجددا الحنين لدى شريحة واسعة من الشعب لفترة حكمه.
الجمعة 2019/09/20
بن علي كان لا يبالي بمن ينتقد نظامه وأصهاره

تونس- قبل وفاته بأيام، بدا الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي وفقا لما فُهم من تغريدات ابنته نسرين بن علي وكأنه يُمنّي النفس وهو على فراش المرض بأن يودع هذه الحياة في تونس، لكن فعليا ورسميا لم يتوجه لا هو ولا أسرته ولا محاميه بطلب جاد للسلطات التونسية كي تنظر في المسألة وكل ذلك حصل مع وجود استثناءات شحيحة بقيت تدين بالولاء لسلطة الرئيس الأسبق وكانت ترفع بأعلى صوتها طلب الصفح عن بن علي قصد تركه يعالج في بلده أو يكمل ما تبقى من سويعاته الأخيرة في أرض تونس.

وصل بن علي إلى الحكم في السابع من نوفمبر 1987 إثر “انقلاب طبّي” على سلفه، صانع الاستقلال الحبيب بورقيبة (1956-1987)، بحسب ما وُصف آنذاك.

وقال في مقابلة مع محطة تلفزيونية فرنسية في 1988 إنه “كانت عملية إنقاذ وطني”، مضيفا “كان عليّ أن أعيد دولة القانون (…) كان الرئيس مريضا ومحيطه كان صاحب تأثير سيء”. حكم زين العابدين بن علي تونس لمدة 23 عاما، من 1987 إلى 2011، تاريخ اندلاع الثورة الشعبية التونسية ضد نظامه وضد عائلته وهو ما أجبره على مغادرة قصر قرطاج على متن طائرته الخاصة التي حلّقت أكثر من خمس ساعات في أجواء عربية وأوروبية مختلفة إلى أن استقر رأيه على طلب اللجوء في المملكة العربية السعودية.

وأحاط بن علي الذي تولي مناصب هامة في الدولة ومنها حقيبة وزير أول في آخر حكومات بورقيبة، نفسه بقادة من الحزب الاشتراكي الدستوري، لاعتلاء عرش الحكم ومن ثمة تلاوة البيان الشهير “بيان السابع من نوفمبر” الذي أكد فيه نهاية حكم بورقيبة ونهاية عهد الرئاسة مدى الحياة وبداية عهد الحريات والتعددية السياسية.

سويعات قليلة، بعد البيان الشهير، كانت كافية ليحكم بن علي تونس بصرامة، وعلى الرغم من تقديمه مبادرة في العام 1989 تحت عنوان “الميثاق الوطني” دعا فيها مختلف المرجعيات السياسية لممارسة أنشطتها في كنف الحرية وانخرطت فيها جل الأحزاب السياسية بما في ذلك حركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حاليا) إلا أن نظامه دخل في معركة معلنة مع عديد الحساسيات السياسية.

تجاوز الرئيس التونسي الأسبق محنة احتجاجات 2008، لكنه فوجئ باحتجاجات شعبية عارمة ملأت البلد في أواخر 2010 وبداية 2011، أفضت إلى إبعاده عن كرسي الحكم وإلى إسقاط نظامه

وتميّزت فترة حكم بن علي باستقرار أمني واقتصادي حققت عبرهما البلاد نسب نمو هامة، جعلت من تونس قبلة هامة للسياحة، لكن كل ذلك لم يكن وفق معارضيه مرفوقا بتوزيع عادل للثروة بين الجهات والمناطق على قدم المساواة.

ويتهم بن علي بإحاطة نظامه بذراع أمنية وكان لا يبالي بمن ينتقد نظامه وأصهاره وخاصة منهم الذين يطلق عليهم اسم “الطرابلسية” في تونس والمتهمين إلى اليوم بالفساد وبالسيطرة على مفاصل الدولة وعلى كافة شرايين الاقتصاد التونسي.

وقبل إعادة ترشحه مجدّدا لولاية خامسة في الانتخابات الرئاسية عام 2009، بدا بن علي غير مبال بما نصحه مقربون منه بترك السلطة وفتح عهد سياسي جديد في البلاد، ففوجئ الرئيس الأسبق ببداية احتجاجات شعبية في عام 2008، وتحديدا في محافظة قفصة في قضية ما يعرف بملف “الحوض المنجمي”.

تجاوز الرئيس التونسي الأسبق محنة احتجاجات 2008، لكنه فوجئ باحتجاجات شعبية عارمة ملأت البلد في أواخر 2010 وبداية 2011، أفضت إلى إبعاده عن كرسي الحكم وإلى إسقاط نظامه الذي قاده حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل في عام 2011.

تجاوزت تونس بعد ذلك مرحلة بن علي لتذهب في بناء مسار انتقالي، لكن من حكموا بعده بدورهم يُتهمون أيضا، بحصر كل ما حصل من تجاوزات وفساد طيلة 23 عاما من الحكم في زين العابدين بن علي لوحده. ويستدل التونسيون لتأكيد هذه الرواية بأن الكثير ممن عملوا مع بن علي عادوا إلى السلطة بأشكال مختلفة ومن بوابات متعددة.

ورغم أن فترة حكم بن علي لا تحظى بإجماع في تونس خاصة أن الكثير من التونسيين يحملونه ونظامه مسؤولية تشريد الآلاف من العائلات وتعذيب الآلاف من سجناء الرأي، فإنه بعد مرور تسع سنوات من الثورة على نظامه انبعث مجددا الحنين لدى شريحة واسعة من الشعب لفترة حكمه خاصة مع تزايد اختناق التونسيين بأزمات اقتصادية واجتماعية كان سببها تضاعف الفساد في عهد حكام ما بعد الثورة.

6