سبارتاكوس.. ثورة تهز عروش روما وستوديوهات هوليوود

كيرك دوغلاس غلادياتور السينما العالمية، وستانلي كوبريك حارسها الفكري خلف الكاميرا.
السبت 2019/11/09
الأغلال المكسورة تصنع التاريخ

عندما يجتمع كيرك دوغلاس، الثائر على نوعية الأفلام التي دأبت هوليوود على تقديمها في فترة الستينات، وستانلي كوبريك، الذي وصفه ستيفن سبيلبرغ، بـ”صانع الانفجار العظيم لأبناء جيله”، في عمل عن سبارتاكوس الثائر، لا يمكن أن تكون النتيجة غير عمل ملحمي خالد تتجاوز عبره السرد التاريخي لقصة المقاتل الذي قاد تمرّدا عنيفا ضد اﻹمبراطور الروماني، ليكون عابرا للأزمان تدوّي صرخته الشهيرة “أنا سبارتاكوس” أينما ساد الظلم وطغى الحاكم.

كثيرة هي أوجه الشبه والتلاقي بين غلادياتور السينما العالمية كيرك دوغلاس، الذي أوقف النزعة المكارثية المهووسة بمعاداة كل من تشتمّ فيه نزوعا نحو قيم تحررية في مجتمع هوليوود عند خمسينات القرن الماضي، وبين سبارتاكوس، غلادياتور حلبات الصراع في روما القديمة، والمنتفض على أنظمتها الاستبدادية في أشهر ثورة للعبيد هزّت عروش القياصرة عام 70 قبل الميلاد.

قدم دوغلاس، إلى أميركا مع والديه الفقيرين من أقاصي جبال القوقاز التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي. وأصبح نجما عالميا بعد دوره البارز كبطل ملاكمة عديم الضمير في فيلم “البطل” (1949) وحصد منه أول ترشيح له على جائزة الأوسكار. ومن وادي مدينة سانداسكي في جنوب غرب بلغاريا الحالية، جاء سبارتاكوس، إلى روما مساقا مع زوجته كغنائم حرب للبيع في سوق الرقيق، فأثار الانتباه إليه في المسارح كمقاتل لا ينكسر سيفه، بالإضافة إلى بنية جسدية أخّاذة، وملامح وسيمة وقاسية، ربما لن توجد إلا عند كيرك دوغلاس، بعد أكثر من ألفي عام.

كان على البشرية أن تنتظر كل هذه القرون لتشاهد أيقونتها الملحمية مجسدة من لحم ودم على شاشة السينما، بعد أن خلده نصب تذكاري عند نهر ستورما، حيث كانت تعيش قبيلة مايدي، التي ينحدر منها. وبعد أن نحته الفنان الفرنسي على الرخام عام 1830، ورسمه الفلبيني جوان لونا، في لوحته الشهيرة عام 1884. وكذلك فعل الفنان البريطاني بول كارسيلك في 2010 في عمله القابع بمركز ماريليبون في لندن.

وفي عام 1958، استطاع المؤلف الأرمني السوفييتي آرام خاتشادوريان، أن يجمع بين فن الموسيقى والباليه ويقدم رائعته سبارتاكوس عبر فرقة الباليه والأوبرا الوطنية الأرمينية؛ وهي عمل فني عملاق يحكي قصة هذا الثائر التاريخي الذي تحاول كل جهة أن تجتذبه إليها، وتعمّده باسمها، كما فعلت المناضلة اليسارية الألمانية روزا لوكسمبورغ، حين سمّت تنظيمها باسمه في أواخر القرن 19، وكذلك حذت حذوها دولة الهند حين أطلقت اسمه على جمعية تُعنى بالتآخي بين الأعراق، فضلا عن جماعات كثيرة أخرى، يسارية وحقوقية وليبرالية، وغيرها، إلى درجة أنه أصبح أيقونة عصية على التدجين والتصنيف.

شريط خالد

ترى، من يكون هذا الفيلم الذي افتتح للعرض في أكتوبر عام 1960 في الولايات المتحدة، وبلغت أرباحه 60 مليون دولار رغم أن ميزانية إنتاجه لم تتجاوز 12 مليون دولار، ورشح لـ17 جائزة سينمائية ونال 4 جوائز أوسكار منها أوسكار أفضل ممثل مساعد لبيتر أوستينوف، بالإضافة لأربع جوائز سينمائية أخرى مثل جائزة أفضل فيلم درامي من جوائز الغولدن غلوب؟

كل شيء في فيلم سبارتاكوس يوحي بأننا إزاء عمل من العيار الثقيل. يكشف منذ شارة ما قبل التيتراج، عبر تلك الموسيقى الملحمية الأخاذة، ومشاهد التدريب التي توقف الأنفاس، بأننا أمام شريط روائي خالد، خلود اسم بطله الضارب في أعماق المخيلة الإنسانية، وقصته التي ما زالت تسمح بأكثر من قراءة وتأويل في زماننا: زمن الثورات المخذولة والمصدومة، الثورات التائهة بين العفوية والتصنّع والكذب والتضليل، والصدق والزيف، ذلك أن الجميع يصرخ ويصدح بجملة سبارتاكوس الشهيرة، هو ومن معه من مناصرين، وكذلك من منافقين ومضللين “أنا سبارتاكوس”.

ويلعب دور البطولة في الفيلم، الذي أخرجه ستانلي كوبريك عام 1960، كيرك دوغلاس، في دور سبارتاكوس، ولورانس أوليفييه بدور ماركوس كراسوس. وارتكز بالأساس على رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب الأميركي هوارد فاست. وتدور أحداثه حول قصة سبارتاكوس العبد المصارع الذي قاد ثورة أقرانه من العبيد ضد الإمبراطورية الرومانية بين عامي 71 و73 قبل الميلاد، والتي عُرفت باسم “ثورة العبيد الثالثة”.

ولأنه وسيم وقوي البنية، يشتريه لينثولوس باتياتوس، مالك مدرسة تدريب المصارعين في كابيوا.. وفي وقت قصير، يبرز سبارتاكوس في فنون القتال ويصبح واحدا من أقوى أربعة مصارعين في المدرسة. هؤلاء المصارعين الأربعة يشاركون بدورهم في جولة ينظمها السيناتور ماركوس كراسوس، ينازل فيها سبارتاكوس، ابن حلقته المصغرة، و”زميله في العبودية”، الأفريقي درابا، وينهزم أمامه. ينتظر درابا القرار الأخير بالعفو عنه أو قتله.

الفيلم احتفى بأجمل وأبلغ مقولة خلدها التاريخ، وهي {أنا سبارتاكوس} في إشارة إلى عنفوان التحدّي، وقوة الثبات والإخلاص لفكرة الثورة التي تصرخ بها دماء المقاتلين وهم على قلب رجل واحد
الفيلم احتفى بأجمل وأبلغ مقولة خلدها التاريخ، وهي "أنا سبارتاكوس" في إشارة إلى عنفوان التحدّي، وقوة الثبات والإخلاص لفكرة الثورة التي تصرخ بها دماء المقاتلين وهم على قلب رجل واحد

في تلك اللحظة، يدرك أن سبارتاكوس لم يواجهه بكل قوته التي ادخر الكثير منها لدواعي نفسية وإنسانية بدأت تشكل وعيا جينيا بمدى الظلم الذي تعاني منه طبقة العبيد. وعندما يأتي الأمر بالقتل، يهاجم درابا، الجنود الرومان ويقتل بعضهم قبل أن يصرعوه. تثور ثائرة سبارتاكوس، في تصعيد درامي مثير.. وفي اليوم التالي، يعلن العصيان فينضم إليه سبعون مصارعا، ويقاتلون الجنود بأدوات المطبخ، ثم يستولون على الأسلحة والدروع وعربات القتال ويلوذون مع بقية العبيد المحرّرين بسفوح جبل فيزوفيوس.

تلاحق المتمرّدين فرقة بقيادة غايوس كلوديوس، الذي يحاصرهم مانعا عنهم جميع الإمدادات، آملا في استسلامهم بعد أن يحاصرهم الجوع، لكن سبارتاكوس يجد منفذا، وينجو هو ورفاقه بعد أن هزم تلك الفرقة بفضل ذكائه الذي يضاف إلى قدراته البدنية ومهاراته القتالية.

تنتشر أخبار هذه المعركة بسرعة ويتدافع العبيد والرعاة من كل حدب وصوب لنصرته، بينهم حبيبته العبدة فارينيا. وفي سرعة قياسية، يجد سبارتاكوس سبعين ألفا من العبيد تحت إمرته. فيقسمهم إلى مجموعات تتوزع ضمن فرقتين كبيرتين، الأولى بقيادته والثانية بقيادة الفرنسي كريكوس. ثم يقيم المعسكرات ويُمضي الشتاء في تدريبهم على القتال. وفي ربيع سنة 72 قبل الميلاد يغادر مع جنوده معسكرات الشتاء ويتحرك صوب الشمال للخروج من الأراضي الرومانية.

مثل كل الثورات التي يخترقها الانتهازيون ويركبها المرتزقة والأفّاقون، تتلكّأ فرقة كريكوس وتغري غنائم السلب والنهب بعض أفرادها. فينصب لها فيلقان من الجنود الرومانيين كمينا، ويوشكان القضاء عليها لولا وصول سبارتاكوس في الوقت المناسب، وتمكنه من القضاء على الفرقتين.

يعلن النفير العام في عاصمة الإمبراطورية، ويجتمع مجلس الشيوخ ليحرك ثمانية فيالق من القوات الخاصة بقيادة ماركوس كراسوس للقضاء على سبارتاكوس. ينشر ماركوس ستة فيالق على الحدود الشمالية لقطع الطريق على الثوار ويكلّف موميوس بقيادة الفيلقين للمناورة ومهاجمتهم من الخلف. يهزمهما سبارتاكوس. لكنه يجد صعوبة بالغة في اختراق الجبهة المعترضة في الشمال، فينسحب عائدا إلى المنطقة الوسطى ثم إلى الجنوب.

حين يتفق سبارتاكوس مع القراصنة على نقله مع رجاله إلى جزيرة صقلية، يتدخل سلاح المال الذي استعمله عدوه القائد الروماني كراسوس، فيغدق على القراصنة العطاء ليتركوه محاصرا دون قدرة على التحرك شمالا أو جنوبا. وكما يحدث في عصرنا من مزايدات سياسية وسباق نحو المناصب الرئاسية، يتنافس القائدان الرومانيان بومبي وكراسوس على محاصرة الثوار وقطع الإمدادات عنهم، سعيا وراء منصب متقدم في مجلس الشيوخ. وعندما أحكم الجيش الروماني القبضة على الثوار، وأمعن في محاصرتهم بما لا يتيح لهم أية فرصة للنجاة، يقرر سبارتاكوس القتال إلى آخر رمق، بدل الاستسلام لعدوّه، رغم إدراكه بأنه يقود معركة غير متكافئة.

وجد هذا القائد الأسطوري نفسه أمام خيارين، إما أن يموت عبدا في حلبة المصارعة أمام عيون أسياده وهم يتسلّون بمشاهدة دمائه النازفة في مواجهة عبد آخر من أبناء طبقته المضطهدة أو أن يموت ميتة تليق ببطل في ساحة القتال، وهو يدافع عن قيم الحرية والعيش الكريم مع رفاقه في القضية.

احتفى الفيلم بأجمل وأبلغ مقولة خلدها التاريخ، وهي “أنا سبارتاكوس” في إشارة إلى عنفوان التحدي، وقوة الثبات والإخلاص لفكرة الثورة التي تصرخ بها دماء المقاتلين وهم على قلب رجل واحد. حادثة هذه الجملة التي غدت قولا مأثورا في جميع الثقافات، هي أنه وبعد هزيمة سبارتاكوس، واقتياده أسيرا مع بضعة آلاف من رفاقه المقاتلين، أراد قادة روما أن يجعلوه عبرة لكل من تسول له نفسه التمرد على العرش الإمبراطوري، عبر التفنن في تعذيبه ومن ثم قتله أمام الحشود، لكنهم لا يعرفون شخصه، ويجهلون وجه هذا الرجل الذي أفزع كل روما.

أوقف الأسرى في صفوف ثم نادى أحد القادة “من هو سبارتاكوس؟”، أجاب بكل شجاعة وشموخ “أنا سبارتاكوس”، لكن صوتا ثانيا ارتفع في الخلف “أنا سبارتاكوس” ثم ثالثا ورابعا، إلى أن صدحت الآلاف من أصوات الأسرى بنفس العبارة التي نقلها الفيلم في مشهد كان غاية في التأثير، من خلال تلك المجاميع الهائلة في لقطات صورت عبر كرينات وشاريوهات متقنة التحريك، ويرافقها ميكساج يزاوج بين صدى الصوت والخلفية الموسيقية.

الهزيمة العسكرية التي مني بها سارتاكوس ورفاقه في هذا الفيلم الشامخ، تحولت انتصارا مدوّيا بفضل إبراز تلك الروح التوّاقة إلى قيم الحرية والعدالة، عبر تلك الوجوه التي أدمتها الكدمات، وتعكس قلوبا لوحتها الشمس، وسكنها عشق حياة أفضل.

ممثل مدهش ومخرج بارع

دوغلاس ثار ثورة {غلادياتور سبارتاكوسي} على نوعية الأفلام التي دأبت هوليوود على تقديمها من خلال مغامرته الإنتاجية التي مكنته من العمل في الأفلام التي يريدها. وستانلي كوبريك مخرج الفيلم يعدّه السينمائيون والنقاد، واحدا من أعظم صناع الأفلام في التاريخ.
دوغلاس ثار ثورة "غلادياتور سبارتاكوسي" على نوعية الأفلام التي دأبت هوليوود على تقديمها من خلال مغامرته الإنتاجية التي مكنته من العمل في الأفلام التي يريدها. وستانلي كوبريك مخرج الفيلم يعدّه السينمائيون والنقاد، واحدا من أعظم صناع الأفلام في التاريخ

“لكل ممثل من الشخصية التي يلعبها نصيب”، هذا ما تؤكده سيرة حياة الممثل الذي لقب بـ”الأسطوري” كيرك دوغلاس، الذي ولد سنة 1916، تجاوز المئة عام وأنجز أكثر من 100 عمل لم يتقن من خلالها سوى المزيد من الإدهاش.

التقاسيم الحادة والرجولة الطاغية جعلت منه فارس السينما ومقاتلها الأول بلا منازع، فكأنما السينما لم تخلق إلا له، وكأنما لم يُخلق إلا للسينما. كانت هوليوود تنتظر دوغلاس، منذ أن قدم أبواه الفقيران من روسيا إلى أميركا تجنبا لويلات الحرب، وخوفا من التجنيد.. أي من نفس المصير الذي لقاه سبارتاكوس، في مدينته البلغارية قبل ما يزيد عن ألفي عام. وكان على كيرك الصغير أن يعمل ليغطي نفقات الدراسة ثم تعلم المصارعة. أحب دوغلاس الإلقاء والتمثيل منذ كان طالبًا في المرحلة الابتدائية، زاد هذا الحب بالوصول للمرحلة الثانوية، ثم درس بأكاديمية الفنون في نيويورك بعد حصوله على منحة خاصة، حتى انضم للبحرية الأميركية مع الحرب العالمية الثانية كضابط اتصالات، إلا أن الإصابة أبعدته عن الحرب.

عاد إلى نيويورك وإلى عالم التمثيل وساعدته الممثلة لورين باكال في المشاركة بأول أعماله السينمائية ثم عرف في ما بعد بتقديم الشخصيات الملحمية التي تتقاطع تقاطعا غريبا مع سيرة حياته الطويلة المليئة بالأحداث والفواجع، وكذلك النجاحات الخارقة.

يذكر دوغلاس طفولته حين كان ولدا يسير بصحبة والديه في إحدى شوارع أميركا، يشير إلى إحدى إعلانات الأفلام ويقول لوالديه “يوما ما سأكتب اسم أمي واسمي على يافطة كهذه” فيضحك الوالدان. تمر الأعوام ويصبح كيرك ممثلًا معروفًا، ويمتلك شركة إنتاج تحمل اسم أمه “برينا” ويقول الرجل “انظري يا أمي، برينا تقدم فيلم سبارتاكوس” فترد السيدة “أميركا أرض تحقيق الأحلام الرائعة”.

ثار دوغلاس ثورة “غلادياتور سبارتاكوسي” على نوعية الأفلام التي دأبت هوليوود على تقديمها من خلال مغامرته الإنتاجية التي مكنته من العمل في الأفلام التي يريدها، وكانت مطالبته بضرورة ذكر اسم دالتون ترامبو، ككاتب سيناريو، على أعماله عام 1960 بمثابة التحدي لتلك السياسة المكارثية المقيتة، وكان من أهم العوامل التي أدت إلى إنهاء العمل وفقا للقائمة السوداء التي طبقتها هوليوود على المؤلفين والممثلين والمخرجين المتهمين بالانتماء للحزب الشيوعي أو بالتعاطف معه.

أما عن ستانلي كوبريك (1928–1999) مخرج الفيلم، فيعده السينمائيون والنقاد، واحدا من أعظم صناع الأفلام في التاريخ. ووصفه المخرج ستيفن سبيلبرغ، بـ”صانع الانفجار العظيم لأبناء جيله”.

كان كوبريك، يسعى في جميع أفلامه إلى الإتقان الكامل في أدق تفاصيل المشهد السينمائي. ويظهر ذلك واضحا في سبارتاكوس الذي بدت كادراته بمثابة المعرض التشكيلي المتحرك، والمنسجم مع جميع عناصر العمل كتركيزه على الموسيقى ذات العمق التراجيدي المؤثر في النفوس.

الذي أكسب سبارتاكوس تلك الجماليات النادرة في الكادر السينمائي، هو عمل كوبريك الطويل كمصور فوتوغرافي لا يدع مجالا للاعتباطية أو المصادفة، ولا يسمح لنفسه بتلك المجانية في اللقطة التي يجب أن تلتقطها عدسته.

لمسات خاصة

يعد سبارتاكوس أول إنتاج ضخم لكوبريك، بعد سلسلة أفلام صنعت بميزانيات متوسطة وصغيرة، مما مكنه من الإشراف على جميع مراحل العملية الفنية، إيمانا منه بأن المخرج هو ليس فقط ذلك الذي يراقب التصوير خلف الكاميرا، ويدير سير العمل مثل شرطي مرور. وفي هذا الصدد يقول كوبريك “كنت أقوم بدور المصور والمخرج والمنتج ومساعد المنتج وفني المؤثرات الصوتية، وغيرها من المهام، وكان الأمر بالنسبة لي عبارة عن خبرة وتجربة غنية، وبما أني اضطررت لأن أعمل كل شيء بمفردي فقد اكتسبت معرفة صحيحة وشاملة في كل الجوانب الفنية اللازمة في صناعة السينما”.

لمسات دوغلاس وتدخلاته في الفيلم، تجاوزت الأداء التمثيلي، مستفيدا من خبرته ومعرفته للعناصر الفنية الأخرى، وهو أمر لم يرق كثيرا لكوبريك، المهووس بالتفاصيل والساعي نحو تحري الكمال، فقال عن التجربة التي استقر بعدها في لندن وعكف على إقامة الورشات والتجارب، “كان بالإمكان تحسين السيناريو أثناء التصوير لكن ذلك لم يحدث أبدًا فدوغلاس كان المنتج وجرت الأمور بالطريقة التي اختارها كل من دوغلاس وكاتب السيناريو دالتون ترامبو، والمنتج المنفذ إدوارد لويس”.

ورغم كل ذلك فإن صوت الإخراج كان عاليا في الفيلم، وبدا واضحا أن اشتغالات المخرج طغت على صورة الممثل، وحتى على النصّ الذي قدّمه كاتب السيناريو دالتون ترامبو، عن رواية تحمل الاسم نفسه لهوارد فاست. فهو كما يرى الناقد محمود منير، لم يكن صرخة في وجه أميركا المكارثية، حينها، كما أشار بعض النقاد، فقد كان كوبريك يبحث في “عمق علاقة الإنسان بقدره، الذي يصنع منه بطلاً، ثم يهزمه لأن الناس لم يمتلكوا إرادة التغيير”.

16