سباق الطب التجديدي للعثور على "عشبة الخلود"

السباق العلمي يحتدم لتحقيق اختراقات كبيرة متسارعة لتجديد الجسد وإبقائه في شباب دائم.
الأحد 2019/09/29
هل ستصبح الشيخوخة جزئنا من التاريخ؟

 تزايدت المؤشرات على أن السباق العلمي نحو تجديد الشباب قد ينتزع صدارة جميع السباقات العلمية والتكنولوجية، التي تتنافس لاستقطاب اهتمام جميع سكان العالم.

 ليس هناك خلاف على أن هذا المحور العلمي هو الأكثر أهمية للجميع، لأنه لا يعد فقط بمعالجة معظم الأمراض، بل يعد ذات يوم بتجديد الجسد وإبقائه في شباب دائم، وهو ما يعني إطالة العمر لفترة قد لا تكون محدودة.

ليس خيالا علميا

لم يعد الأمر مجرد خيال علمي بعد تسجيل اختراقات كبيرة مثل اكتشاف العالمة هاروكو أوبوكاتا من معهد ريكن الياباني طريقة بسيطة لإعادة خلايا حيوانية إلى حالة جذعية محايدة أي في ذروة الشباب.

يمكن أن نتفهم حديث العلماء المتحفظ عن تجديد شباب بعض الأنسجة فقط مثل خلايا الدماغ لعكس أعراض مرض الزهايمر، لكن ذلك لا يمكن أن يمنع مخيلاتنا من الذهاب إلى إمكانية تجديد الشباب ومواصلة الحياة بلا حدود.

هناك اليوم المئات من الاختبارات والنجاحات في إنتاج أعضاء بديلة في المختبرات مثل طباعة قلوب أو كلى في ذروة الحيوية من خلايا جذعية مأخوذة من المريض بعد تكثيرها في المختبرات.

أحد الأركان الرئيسية لهذه البحوث هو حقيقة أن جميع خلايا الجسم قادرة على إنتاج خلايا جذعية، أي خلايا جنينية محايدة في ذروة الحيوية ويمكنها التأقلم وتشكيل جميع أنواع الأنسجة.

لكن خلايا الجسم لا تفعل ذلك إلا في حالات الطوارئ الخاصة مثل الجروح، ولذلك فإن أحد الجوانب الأساسية للطب التجديدي تركز على محاولة فك شفرة أو لغة الخلايا لإقناعها بأنها في حالة طوارئ لكي تنتج خلايا جذعية وتعيد الأنسجة إلى ذروة شبابها.

في سيناريوهات قد لا تكون بعيدة، تدور فكرة الوصول إلى توجيه “نداء” كيميائي أو كهربائي إلى كافة خلايا الجسم لإقناعها بإنتاج خلايا جذعية تعيد كامل الجسد تدريجيا إلى ذروة الشباب.

انقلاب موازين الحياة

هاروكو أوبوكاتا من معهد ريكن الياباني توصلت لـطريقة بسيطة لإعادة خلايا حيوانية إلى حالة جذعية محايدة في ذروة الحيوية
هاروكو أوبوكاتا من معهد ريكن الياباني توصلت لـطريقة بسيطة لإعادة خلايا حيوانية إلى حالة جذعية محايدة في ذروة الحيوية

قبل الدخول في واقع هذه الصناعة وبحوثها يمكننا أن نتخيل الانقلاب الشامل في حياة البشر، والمنافسة والصراع للوصول إلى إكسير الحياة أو “عشبة الخلود” في شباب دائم إذا ما تم الإعلان عنها.

هل يستطيع نسيج المجتمعات البشرية امتصاص مثل هذا التحول المزلزل لتاريخ الحياة حين نزحف جميعا نحو البقاء في ذروة الشباب بغض النظر عن أعمارنا؟ يحتاج هذا السؤال نظرة فكرية وفلسفية عميقة لا يتسع لها هذا المقال.

ينبغي أن نفترض أن البحوث المعلنة لا يمكن أن تغطي سوى جانب ضئيل مما يجري في أقبية المختبرات، خاصة التي تديرها الأجهزة السرية للدول أو علماء متحمسون  في مختبراتهم الخاصة.

ولا بد أن تكون هناك بحوث كثيرة حققت اختراقات كبيرة، لكنها لم تعلنها لحين إجراء تجارب أوسع للتأكد من النتائج أو لخشيتها من المعارضة الأخلاقية والتنظيمية إذا كانت صادمة للقناعات التي تدعم استقرار المجتمعات.

 أهداف واقعية قريبة

يمكننا جميعا أن نسرح في الآفاق البعيدة المدى لعلوم الطب التجديدي، لكن الإطار الزمني للوصول إليها لا يزال غير واضح المعالم، مع قناعة الكثيرين بأنها ستصل ذات يوم إلى إبقائنا في شباب دائم. أما العاملون في هذا المجال فيكتفون بالقول إن تلك العلوم تطبق مبادئ علوم الحياة والهندسة الجينية لتجديد الأنسجة والأعضاء المصابة والتالفة نتيجة الحوادث والأمراض والشيخوخة.

وينهمك الكثير من العلماء في محاولة الوصول إلى الأهداف المباشرة وهي تطوير أساليب لتحفيز الجسم على إصلاح نفسه وتطوير أعضاء أو أنسجة في المختبر وزرعها في الجسم بأمان، عندما يفشل الجسم في إصلاح أنسجته.

هناك اليوم نقص شديد في الأعضاء التي ينتظرها من يعانون أمراضا مثل عجز القلب والكلى. ويمكن لهذا القطاع توفيرها في المستقبل بعد تحقيق نجاحات كبيرة في إنتاج أعضاء ومساحات من الجلد في المختبرات من خلايا الشخص المريض.

آفاق وعقبات كبيرة

طباعة قلب مثالي في المختبرات حسب الطلب ومن خلايا الزبون الجذعية
طباعة قلب مثالي في المختبرات حسب الطلب ومن خلايا الزبون الجذعية

في المنظور القريب يمكن للطب التجديدي أن ينمو بسرعة فلكية لتقديم حلول لأمراض شائعة مثل السكري والتهاب المفاصل، حيث يصل أعداد المصابين إلى مئات الملايين من الأشخاص.

وتشير البيانات إلى أن سوق الطب التجديدي العالمي سجل في العام الماضي نموا بنسبة 16.6 وترجح أن يواصل النمو بمعدلات سنوية لا تقل عن ذلك حتى عام 2024.

ويمكن لمعدلات النمو أن تنفجر إلى مستويات فلكية لولا غابة القيود التنظيمية والأخلاقية التي تقف بوجهها وترفع تكلفة المرور بالمسارات القانونية والقضائية الطويلة للحصول على إجازة العلاجات من قبل السلطات الرقابية والتنظيمية.

لا يمكن إهمال مخاطر العبث بخارطة نمو الجسد ودورة الحياة المغلقة بهذا المستوى الشامل، وهي منطقة لا تزال مجهولة وتثير معارضة أخلاقية شديدة.

المتحمسون لآفاق علوم الطب التجديدي يقولون إن هناك آفاقا هائلة لتطبيقاتها بسبب انتشار الإصابة بالسرطان والأمراض العصبية، بعد تحقيق اختراقات علمية وتكنولوجية هائلة. وتقسم التقارير التي تدرس سوق الطب التجديدي العالم إلى 4 مناطق لأغراض تحليلية هي أميركا الشمالية وأوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ وبقية العالم.

وتحتل أميركا الشمالية حاليا صدارة أسواق الطب التجديدي العالمي تليها أوروبا، لكن التوقعات ترجح أن تسجل منطقة آسيا والمحيط الهادئ أسرع معدلات النمو، بسبب قلة العوائق الأخلاقية والتنظيمية في دول كبرى مثل الصين والهند واليابان.

ويمكن للسلطات التنظيمية في تلك الدول أن توافق على علاجات ثورية، في وقت تجد فيه تلك العلاجات صعوبات كبيرة في أوروبا وأميركا الشمالية بسبب جماعات الضغط المعارضة التي تثير أسبابا أخلاقية لمنع استخدامها.

كما أن حكومات الدول الآسيوية وخاصة الصين تتولى بنفسها تمويل الأبحاث بإرادة سياسية حازمة، بعد أن وضعت سباقات تحقيق أقصى الابتكارات العلمية في صدارة أولوياتها.

ويعد ميدان تحفيز إنتاج الخلايا الجذعية في الجسم وتكثيرها في المختبرات المحور الأهم في علوم وسوق الطب التجديدي حاليا. ومن المتوقع أن يظل في الصدارة ويمكن أن تزداد أهميته إذا اتسع دور تلك الخلايا في تجديد المزيد من أنسجة الجسم.

وشهدت السنوات الأخيرة تراجع الحواجز التنظيمية وزيادة موافقات السلطات على تطبيقات استخدام الخلايا الجذعية في معظم دول العالم لخفض تكاليف الرعاية الصحية مع تزايد معدلات الشيخوخة ومخاوف التخلف عن ركب الدول المندفعة لتطوير تلك الأبحاث.

كما أن التقدم التكنولوجي انعكس في زيادة الوعي الشعبي بفوائد استخدامات علاجات الخلايا الجذعية وأجبر السلطات التنظيمية على إبداء المرونة في إجازة استخدامها في أغراض محددة.

سباق التطبيقات والاستخدامات

البحوث المعلنة لا تمثل كل ما يحدث ولا تكشف ما يجري في مراكز الأجهزة السرية للدول ومختبرات العلماء الخاصة
البحوث المعلنة لا تمثل كل ما يحدث ولا تكشف ما يجري في مراكز الأجهزة السرية للدول ومختبرات العلماء الخاصة

تذهب الدراسات والتقارير إلى تقسيم السوق بحسب العلاجات إلى أمراض القلب والأوعية الدموية ومرض السكري وأمراض الدم والمفاصل والجهاز العصبي والأمراض الجلدية وأمراض السرطان.

حتى الآن لا تزال الأمراض الجلدية تستأثر بأكبر حصة من سوق الطب التجديدي، لكن انتشار أمراض السرطان مع تغير أنماط الحياة وارتفاع معدلات الشيخوخة، يمكن أن يجعله الميدان الأسرع نموا في السنوات المقبلة.

كما تجري حاليا الكثير من الأبحاث حول تطبيقات تجديد العظام والجهاز العصبي الهيكلي. وقد تزايدت وتيرة الاستثمار والتمويل وجرت عمليات استحواذ كثيرة على مختبرات قفزت إلى الواجهة بعد تحقيق اكتشافات نوعية.

وهناك اليوم عدد كبير من الشركات الناشئة التي تأسست على تحقيق اختراقات علمية، والتي سرعان ما تتسابق شركات الأدوية الكبرى للاستحواذ عليها. كما أن غموض السباق نحو انقلابات الطب التجديدي يفتح المجال واسعا أمام رأس المال المغامر للبحث عن أصحاب الابتكارات وتقديم تمويلات صغيرة يمكن أن تحقق أرباحا هائلة في حال نجاحها على نطاق عالمي.

هناك آراء متباينة في حجم الطموحات والتوقعات وتقييم الاختراقات العلمية، وهو ما يحدد في النهاية حجم الاستثمارات التي تستقطبها وبالتالي وتيرة تطويرها وانتشارها.

يمكن أن نعجب كأفراد بابتكارات عملية وتكنولوجية باهرة، لكن تلك الابتكارات لن تنجح إذا لم تجد من يراهن على إمكانية تحقيق عوائد مالية من خلالها، ولذلك فإن رهانات المستثمرين هي المؤشر الأكثر وضوحا لمستقبل أي نشاط أو قطاع اقتصادي.

وفي الخلاصة لا تزال آفاق علوم الطب التجديدي في غابة من الآراء والتوقعات المتقاطعة وهي تسير في حقل ألغام اللوائح التنظيمية والمعارضة الأخلاقية بسبب خطورة الانقلاب الذي يمكن أن تحدثه في حياة البشرية.

لكن النتائج العلمية المتحققة بالفعل لا تترك مجالا للشك في أننا سنصل ذات يوم إلى إكسير الحياة في شباب دائم.

17