سلاح الغاز يبقي روسيا ملتصقة بأوروبا

الموقف الأميركي الرافض لـ "نورد ستريم 2" يقوم على اعتبار خط الغاز مساحة ابتزاز روسية جديدة ضد الدول الأوروبية.
الخميس 2019/11/07
بوتين يمسك بعنق ألمانيا

تسعى الولايات المتحدة إلى إبقاء خصمها اللدود روسيا معزولا في عمقه الأوروبي لعرقلة إعادة تموقعه من خلال مشاريع اقتصادية كبرى تتخفى خلفها أهداف جيواستراتيجية للدب القطبي الذي وجد في إمدادات الغاز باتجاه ألمانيا وقلب أوروبا ورقة مغرية تسيل لعاب الأوروبيين الساعين إلى تنويع مصادر الطاقة في ظل إدارة أميركية لا يمكن الاعتماد عليها بقيادة الرئيس دونالد ترامب. وعلى الرغم من تهديدات ترامب بتسليط عقوبات على الدول التي ستشارك في مشروع بناء أنبوب الغاز الروسي نورد ستريم 2، فإن ألمانيا وفرنسا تتجاهلان هذه التحذيرات.

برلين - مع اقتراب الانتهاء من إنشاء أنبوب الغاز الروسي نورد ستريم 2 يبدو أنه قد فات الأوان على الولايات المتحدة لتقويضه في إطار مساعيها لعزل روسيا عن أوروبا.

لكن ماهي دواعي التوجّس الأميركي؟ هل هي تجارية بحتة كما يقول دونالد ترامب أم أن واشنطن تنظر إلى ما يخفي هذا المشروع من تموقع روسي جيواستراتيجي في القارة العجوز؟

يعد الغاز الطبيعي الروسي الذي يتميز بفعالية التكلفة بحوالي 30 بالمئة أرخص من الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة، مما يضع الموردين الأميركيين في وضع غير مؤات. هذا هو السبب المعلن في أن نظام الرئيس الأميركي دونالد ترامب يبذل قصارى جهده لتقويض المشروع من خلال تهديد العقوبات على البلدان والشركات والأفراد المشاركين في بناء نورد ستريم 2، لكن الأمر يتعدى هذا بكثير.

ونورد ستريم 2 مشروع بحوالي عشرة مليارات يورو، سيسمح بمضاعفة إمدادات الغاز الروسي لألمانيا وأوروبا، لكن أوكرانيا وبولندا ودول البلطيق تخشى أن يعزز تبعية الاتحاد الأوروبي لروسيا وأن يشكل أداة تستخدمها روسيا لممارسة ضغوط سياسية.

وبالنظر إلى قرب روسيا من الأسواق الأوروبية الأخرى، فإن احتياطياتها الوفيرة من الغاز الطبيعي تجعلها المورد الأكثر موثوقية وفعالية من حيث التكلفة.

وترى ألمانيا أن الغاز الروسي ضروري لاحتياجات أوروبا من الطاقة ويجب أن تبدأ إمدادات نورد ستريم 2 في التدفق في أوائل العام المقبل.

إلى جانب خطي نورد ستريم 1، أحدهما تم الانتهاء منه في مايو 2011، والثاني في أكتوبر 2012، أطول خط أنابيب تحت الماء حتى ذلك الوقت عند 222.1 ميل في الطول، سوف تكون روسيا قادرة على تزويد الأسواق الأوروبية بـ110 مليارات متر مكعب (3.9 تريليون قدم مكعبة) من الغاز الطبيعي سنويا عندما يبدأ تشغيل نورد ستريم 2.

توجس أميركي

فات الآوان على الولايات المتحدة لتقويض نورد ستريم 2
فات الأوان على الولايات المتحدة لتقويض نورد ستريم 2

يقوم الموقف الأميركي الرافض لخط نورد ستريم 2 على أن خط الغاز سيمثل دعما أوروبيا غير محدود لروسيا ليس فقط على المستوى الاقتصادي بل على المستويين السياسي والاستراتيجي، حيث سيشكل خط الغاز الجديد مساحة ابتزاز روسية جديدة ضد الدول الأوروبية.

ويرى الرئيس دونالد ترامب أن روسيا استغلت الأوروبيين في خط الغاز الذي يمر عبر أوكرانيا، وأن الخط الجديد هو دعم لروسيا في ضمها لشبه جزيرة القرم، وتهديداتها المستمرة ضد دول بحر البلطيق الثلاث، ودائما ما يتساءل الرئيس ترامب عن عدم دفع الأوروبيين ما يكفي لحلف الناتو، فهو يريد 2.5 بالمئة من الدخل القومي الأوروبي، بينما في نفس الوقت تدفع ألمانيا المليارات من الدولارات لروسيا التي تنافس الناتو.

فما الذي يؤرق ترامب؟ وما سر تنديده المتواصل بمشروع أنبوب الغاز نورد ستريم الذي سيربط مباشرة روسيا بألمانيا وإلحاحه بالتخلي عنه؟ ترامب ليس وحيدا في انتقاده لمشروع يثير أيضا انقساما في صفوف الأوروبيين، فقد اعتبرت بولندا بدورها، أنه وسيلة لتقديم الأموال لروسيا، وإعطائها وسائل يمكن استخدامها ضد أمن بولندا.

لكن هل ترامب محق في انتقاداته؟ وهل أن تحفظاته مبنية على معطيات وأسس منطقية؟ ولماذا يلح، بهذا الشكل، على التخلي عن مشروع نورد ستريم؟

ويأتي التصعيد الكلامي لترامب في وقت تشهد فيه العلاقات الأطلسية أكبر أزمة منذ الحرب العالمية الثانية.

وتوضح كلاوديا مايور، خبيرة شؤون الدفاع في المعهد الألماني للدراسات الدولية والأمنية “أن الارتباط الوطيد الذي كان قائما بين الولايات المتحدة وأوروبا في الاقتصاد والسياسة وشؤون الدفاع بدأ يتفكك”.

كما يوجد اتهام ثان من قبل ترامب يدعي بأن روسيا بغازها “ستخضع لسيطرتها 70 بالمئة من ألمانيا” ويقصد بذلك أن ألمانيا ستضاعف تقريبا من واردتها من المحروقات الروسية والتي تصل اليوم إلى حولي 38 بالمئة، في إشارة إلى خط أنابيب نورد ستريم وطاقته المستقبلية. لكن يبدو أن في هذه النقطة مبالغة وتحتاج إلى التدقيق ثم إنها لا تقول كل الحقيقة من حيث دوافع ترامب الحقيقية.

وتتحفظ دول من شرق أوروبا من المشروع الذي تفادى المرور منها. وهي ترى أنها بذلك لن تتمكن من الاستفادة من رسوم العبور، كما أنها قد تُحرم من التزود بالغاز الروسي في حالات الأزمات أو الصراعات. لكن الأستاذ في جامعة فيلنيوس راموناس فيلبيسوسكاس يرى أن الانتقادات لنورد ستريم 2 تندرج ضمن حملة تسويق تخوضها الولايات المتحدة في أوروبا لبيع غازها، وأوضح “يبدو أن الهدف التجاري هو الدافع الرئيسي خلف الانتقادات”. ويضيف أنه بالنسبة إلى ليتوانيا ودول أوروبا الوسطى الأخرى في الاتحاد التي تعتمد على الغاز الروسي “فالجميع يربح، لأنها تسعى بشكل نشط لتنويع مصادر تموينها”.

الغاز الطبيعي الروسي يتميز بفعالية التكلفة بحوالي 30 بالمئة أرخص من الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة

قال مسؤول في الإدارة الأميركية في يناير 2019 إن الولايات المتحدة تريد من قطر، أكبر مورد للغاز الطبيعي المسال في العالم، أن تتحدى هيمنة الغاز الروسي في أوروبا.

وأكد دان بروليت نائب وزير الطاقة الأميركي أن الولايات المتحدة تتباحث مع الدوحة بشأن تزويد أوروبا بالغاز الطبيعي المسال، حيث تريد من ألمانيا ودول أخرى أن تستورد الغاز الأميركي والقطري بدلا من الروسي.

وذكر بروليت “نتباحث مع الدوحة بشأن أسواق أخرى، وبالتحديد أوروبا، إلى درجة أننا يمكننا أن نتحدث إلى القطريين بشأن مد الأسواق الأوروبية بالغاز الطبيعي، هم مهتمون كثيرا بذلك، ونحن أيضا. الأمر مرتبط كثيرا بمشاوراتنا مع آخرين حول نورد ستريم”.

وبعد ذلك أعلنت الدوحة أن قطر للبترول تتطلع إلى استثمار ما لا يقل عن 20 مليار دولار في الولايات المتحدة خلال السنوات القليلة القادم، حيث تملك قطر للبترول حصة أغلبية في مرفأ غولدن باس للغاز الطبيعي المسال، بينما تملك إكسون موبيل وكونوكو فيليبس حصصا أقل.

وفي سبتمبر، قالت قطر إنها ستستثمر عشرة مليارات يورو (11.6 مليار دولار) لتعزيز علاقاتها مع ألمانيا خلال السنوات الخمس القادمة، بما في ذلك احتمال إنشاء مرفأ للغاز الطبيعي المسال.

ومن هنا يأتي حذر واشنطن في التعامل مع دعم قطر للإرهاب في المنطقة، إذ أن العقل الأميركي أو بالأحرى “الترامبي” يسبق المصالح التجارية والاستراتيجية قبل الخوض في تحركات الدول في مجالها الضيق.

ورغم التقارير الغربية والعربية التي تؤكد في كل مرة تورط الدوحة في دعم الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وحتى الدول الغربية عن طريق التمويلات المشبوهة، إلا أن واشنطن ورغم إدانتها للإرهاب ومنابعه ومصادر تمويله تتعامل مع الدوحة بحذر شديد وتعرف جيدا أجندات الدوحة في المنطقة.

وتراهن قطر على ثروتها البترولية لضمان تغافل واشنطن على أنشطتها وهي تقدم نفسها في كل مرة حليفا يمكن للولايات المتحدة الاعتماد عليه على الرغم من فشلها في لعب أي دور في أكثر من ملف على غرار الملف الأفغاني، إذ تقدم الدوحة نفسها شريكا في عملية تسوية سياسية مرتقبة بين طالبان والولايات المتحدة دون تحقيق أي اختراق.

ألمانيا والأمن الطاقي

Thumbnail

يقول وزير الشؤون الاقتصادية والطاقة الألماني بيتر التماير إن شراء الغاز الطبيعي المسال الأميركي لن يتم إلا لتكميل الغاز الروسي إذا لزم الأمر، شريطة أن يكون السعر مناسبا.

ويبقى هدف الحكومة الألمانية ليس مضاعفة واردات الطاقة من روسيا ولكن تنويع مصادر التزود بالطاقة. كما أن المشروع تم تصميمه بشكل يمكن دولا أوروبية عديدة من الاستفادة منه. وبالتالي فإن توقع ترامب بأن تهيمن روسيا على السوق الألمانية بنسبة 70 بالمئة توقع مبالغ فيه. ثم إن التركيز على الغاز مبالغ فيه أيضا، لأنه لا يمثل إلا ربع مصادر الطاقة في ألمانيا، فيما تمثل الطاقات المتجددة والطاقة النووية وتلك المستخرجة من الفحم الحجري حوالي 40 بالمئة فيما تنمو نسبة الطاقات المتجددة بوتيرة سريعة وهو ما لا تأخذه توقعات ترامب بالحسبان.

الغاز ليس مصدر الطاقة الوحيد في ألمانيا، فالبترول يلعب أيضا دورا كبيرا حيث تعتبر روسيا المصدر الأول للسوق الألمانية، لكنها ليست إلا مزودا ضمن 23 دولة تبيع بترولها لألمانيا. ومن الصعب الحديث عن تبعية ألمانية لروسيا في البترول، لأنه مادة تُنقل بالسفن، وتُشترى في البورصات العالمية ويمكن تغيير المزود. وبالتالي فإن القول بأن ألمانيا أسيرة لروسيا غير دقيق. والغريب أن ترامب يقوم بكل ذلك وهو ينتقد ميركل ويمتدح بوتين، حيث يوضح فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة لندن، أن الخلاف بين ترامب وميركل يتجاوز موضوع الغاز والبترول.

ويقول جرجس “ميركل ليست فقط قاطرة للعمل الجماعي الأوروبي، بل هي أيضا من تدافع عن النظام الليبرالي الديمقراطي في العالم، ولم تعد الولايات المتحدة تقوم بهذا الدور، وبالتالي فإن ترامب يسعى لإسقاط ميركل وهو يمتدح بوتين”.

6