سنغافورة تؤمّن طعام سكانها من "بساتين السماء"

ناطحات السحاب حدائق خضراء في بلد تقل فيه الأراضي الزراعية.
الاثنين 2020/10/05
حدائق معلقة

الأفكار البسيطة تكون بداية لمشاريع كبيرة إذا توفرت عناصر مثل الإصرار والمتابعة، هذا ما دفع سنغافورة الدولة الضيّقة على سكانها إلى اعتماد الزراعة الأفقية، فاستغلت أسطح ناطحات السحاب والمنازل لزراعة خضر وبقول رغبة في تحقيق جزء من سلتها الغذائية بجهود حكومية وخاصة حتى تخفف من استيراد هذه المواد.

سنغافورة  – على سطح مركز تجاري في سنغافورة تنتشر بساتين مزروعة بالباذنجان وإكليل الجبل والموز، في مشهد يتعارض مع ناطحات السحاب الرمادية في حيّ المال والأعمال في البلاد.

وهذا الموقع الممتدّ على 930 مترا مربعا هو أحد البساتين التي تنمو على أسطح هذه الدولة الصغيرة في جنوب شرق آسيا الساعية إلى زيادة الإنتاج الغذائي المحلي للحدّ من اتّكالها على الواردات.

وتشجّع الحكومة مبادرات من هذا القبيل منذ عدّة سنوات ولا تخفي قلقها من انخفاض محتمل في المحاصيل الزراعية حول العالم من جرّاء التغير المناخي واختلال هيكل الواردات الناجم عن التوتّرات التجارية، غير أن انتشار الوباء منح هذه المشاريع زخما جديدا.

يقول سامويل آنغ الذي يدير مزرعة “إديبل غاردن سيتي” الواقعة على سطح مركز تجاري، “يخطئ من يظنّ أن زرع الأراضي غير ممكن في سنغافورة بسبب ضيق المساحة”، مؤكدا “نحن نريد تغيير هذه الذهنية”.

وقد أبصرت مزارع حضرية النور في عدّة مدن، لكن البساتين على الأسطح هي حلّ مناسب جدا للمناطق ذات الكثافة السكانية الكبيرة كسنغافورة التي تستورد 90 في المئة من منتجاتها الغذائية.

في كل شبر نبتة
في كل شبر نبتة

وقد انحسر قطاع الزراعة الذي كان واسع النطاق في ما مضى في سنغافورة مع تحوّل البلد إلى مركز مالي وتجاري يعجّ بالمباني الشاهقة. وباتت اليوم النسبة المخصصة للزراعة تقتصر على 1 في المئة فقط من المساحة الإجمالية.

ويعيش سكان سنغافورة، الذين يبلغ عددهم خمسة ملايين نسمة، في مساحة لا تتجاوز 715 كيلومترا مربعا، ما اضطرهم إلى التوسع أفقيًّا لإنشاء مبان شاهقة في مجمعات سكنية قادرة على إيوائهم.

وأدى تدفق المهاجرين إلى المزيد من الاكتظاظ السكاني، ما جعل المباني السكنية الشاهقة ضرورة لا غنى عنها، فيما أصبحت الأراضي القليلة المتاحة للزراعة سريعة الزوال.

ومنذ التوسُّع الحضري في تسعينات القرن الماضي حاولت سنغافورة إيجاد حل لندرة الأراضي المتاحة للزراعة التقليدية من خلال تعزيز الحدائق النباتية على الأسطح.

وتطبق سنغافورة النموذج الرأسي للزراعة الحضرية عبر الحدائق والمزارع العمودية على أسطح المباني لإطعام سكانها.

وأعلنت السلطات العام الماضي أنها تنوي إنتاج 30 في المئة من المواد الغذائية محليا بحلول عام 2030، وهي تطمح لزيادة إنتاج السمك والبيض والخضروات، فيما تستورد يوميًّا غالبية الخضروات والفواكه الطازجة من البلدان المجاورة مثل ماليزيا وتايلاند والفلبين، فضلاً عن البلدان البعيدة مثل أستراليا ونيوزيلندا وتشيلي.

وفي ظلّ انتشار وباء كورونا الذي زاد من مخاطر زعزعة سلسلة الإمدادات، سرّعت الحكومة وتيرة هذه المشاريع، معلنة عن نيتها تحويل أسطح تسعة مواقف للسيارات إلى مزارع. وقد استثمرت 30 مليون دولار محلي (22 مليون دولار أميركي تقريبا) في تطوير هذا القطاع.

ببب

وتدير شركة “إديبل غاردن سيتي” نحو 80 بستانا على أسطح المدينة تستخدم فيها مبيدات حشرات طبيعية.

وزرعت بساتين في أماكن أخرى غير مألوفة، مثل سجن سابق وحاويات وشرفات شقق.

ويقول سامويل آنغ “الرسالة التي نرغب في توجيهها هي أنه من الممكن أن يزرع المرء طعامه الخاص وأنه ليس بحاجة إلى قطعة أرض واسعة لـ(القيام بـ) ذلك”.

وتزرع “إديبل غاردن سيتي” نحو 50 نوعا، من الباذنجان إلى الورود القابلة للاستهلاك مرورا بالماراكويا.

وتجرّب الشركة تقنيات متعدّدة، كنظام الزراعة في حاوية دون تربة.

ومعظم غلّة الأرض تجمع وتسلّم في اليوم عينه إلى المطاعم، لكن يمكن للمستهلكين الاشتراك للحصول على فواكه وخضروات بانتظام.

ومع ارتفاع درجة حرارة الأرض يجتهد المخططون في إيجاد الحلول المبتكرة لإعادة التنوع البيولوجي إلى أكثر البيئات المكتظة بالسكان.

وفي  مايو 2019 قامت شركة متخصصة في تأسيس المباني الخضراء بتركيب أسطح خضراء فوق أسقف 10 حافلات عامة. ورغم أن سقف الحافلة قد لا يبدو موقعا نموذجيا، إلا أنه سيوفر فوائد بيئية واقتصادية.

بببب

وتُعد حملة أسقف الحافلات، التي جاءت بعنوان “حديقة على الطريق”، جزءا من دراسة استمرت ثلاثة أشهر لاختبار ما إذا كانت المساحات الخضراء يمكن أن تساعد على خفض درجات الحرارة داخل الحافلات، وخفض كمية الوقود اللازمة لتشغيل مكيّف الهواء.

وقال الباحث تان تشن، الذي يقدّم المشورة للمبادرة، “بينما وُثق تأثير المساحات الخضراء على المباني بشكل جيد، إلا أن القليل من الناس يعرفون مدى تأثير المساحات الخضراء على المركبات المتحركة”.

ويرى تشن، وهو مدير برنامج يعنى بالغذاء والعلوم والتكنولوجيا في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، أن المزارع الحضرية هي “وسيلة لاحتواء الصدمات الناجمة عن اضطرابات سلاسل الإمدادات”.

ويشير إلى أنها “حلّ ذكي في سنغافورة”، لكنه محدود في بلد بهذا الصغر، ويلفت مثلا إلى أن “زرع الأرز أو القمح في الداخل مكلف جدّا وشبه مستحيل”.

وبالإضافة إلى ذلك تفتقر سنغافورة إلى مزارعين مهرة، يقول سامويل آنغ “يمكننا توظيف أشخاص مهتمين بالزراعة لكنهم يفتقرون إلى الخبرة الكافية في هذا المجال”.

يُذكر أن هذه المزارع إذا وضعت على أسطح المباني السكنية متعددة الطوابق التي تنتشر في سنغافورة، يمكن أن توفر سبل العيش للمتقاعدين وربات البيوت، الذين يحتاجون إلى قضاء ساعات قليلة فقط على الأسطح للعناية بهذه المزارع.

ييي

 

20