سوريا تكرّم النحات الراحل مصطفى جميل شخيص بمعرض استعادي

أعمال الراحل مصطفى جميل شخيص النحتية مثلت امتدادا للفينيقيين الأوائل في علاقتهم بالبحر والحب والحياة.
الجمعة 2021/11/26
تناغم فن النحت على الخشب مع الحرف العربي والخيال المسرحي

اللاذقية (سوريا) – ثلاثون عملا فنيا حاكت جانبا من تجربة النحات السوري الراحل حديثا مصطفى جميل شخيص (1965-2021)، ضمّها المعرض الاستعادي التكريمي المقام حاليا في صالة “الباسل للفنون” في مدينته اللاذقية، وهو معرض يسرد تجربة امتدت زهاء الثلاثة عقود قضاها الراحل متنقلا بين كتابة الشعر والرسم وخاصة النحت الذي برع فيه.

والمعرض الذي يقيمه فرع اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين في اللاذقية بالتعاون مع ذوي الراحل يضمّ مجموعة من المنحوتات الخشبية والحجرية تعود إلى فترات مختلفة من رحلة شخيص الفنية، وتتميّز بتنوّع المدارس والأساليب المستخدمة مع إبراز خصوصية التجربة وتميّزها خاصة في مجال النحت على الخشب والتي عمل الراحل على تنويعها، فكان هناك التكوين والرولييف إضافة إلى منحوتات شكّل الخط العربي أساسا لها بما يبرز التقنية العالية والحرفية التي تمتع بها الراحل.

وبيّنت ابنة الراحل رونزا شخيص أن المعرض يقدّم مقاربة لتجربة والدها خلال سنوات عطائه الطويلة منذ بداياته حتى رحيله، وكيفية تطوّرها استنادا على عدة عوامل منها الخبرة والثقافة الفنية وحضور الإنسان البارز بكثرة في أعماله، لافتة إلى تنقل تجربته في النحت في مختلف المدارس الفنية وإلى محبته وشغفه الكبير بعمله، والذي كان يدفعه للعمل ساعات طويلة تصل أحيانا إلى تسعة عشر ساعة متواصلة لإنجاز منحوتاته.

وبدوره نوّه فريد رسلان رئيس فرع اتحاد الفنانين التشكيليين في اللاذقية بالفنان شخيص الذي تمتّع برقي عالٍ وأثرى الحركة التشكيلية بمنحوتاته، وشكّل حالة مهمة وتجربة متميّزة على الساحة الفنية في محافظة اللاذقية في مجال النحت خصوصا.

ورأى النحات محمد بعجانو أن المعرض يأتي كتحية وفاء ومحبة لروح شخيص الذي شكّل رحيله المفاجئ في العاشر من أكتوبر الماضي عن سن ناهزت الخمسة وستين عاما خسارة للساحة التشكيلية في اللاذقية، وخاصة لفن النحت مع قلة الفنانين الذين يعملون في هذا المجال لصعوبة أدواته والعمل به، مشيرا إلى أن الراحل امتلك تقنية عالية وقدّم الكثير من الأعمال النحتية على الخشب سواء التكوينية أو الجدارية.

وقال صديق الراحل لسنوات طويلة محمد أسعد سموقان “شخيص الإنسان كان نشيطا ومحبا للفن والفنانين، وهو الذي كان حاضرا دائما وأبدا إلى جانب الفنانين في كل المعارض وخاصة معارض اتحاد الفنانين التشكيليين في اللاذقية”، منوّها بتجربة الفنان الأصيلة والتي تمّيز من خلالها بغزارة الإنتاج وبالتفاصيل الكثيرة التي قدّمها في العمل الواحد ما يجعل بالإمكان تجزئته إلى مجموعة من الأعمال، إضافة إلى تقنيته العالية في أعماله الحروفية وفي فن الرولييف والأعمال التكوينية.

والراحل ينتمي إلى عائلة تميّزت في الفن على اختلاف أنواعه من أدب وشعر وموسيقى ورسم، حيث تعلق بفن النحت منذ كان يافعا وتتلمذ على يد خاله الأديب القاص والمدرس الموسيقي عبدالقادر ربيعة، والذي أخذ منه مهنة تصنيع آلة العود المعروف بعود “ربيعة”، كما تعلّم منه أسرار الخشب، وهو ما أكسبه ولعا بهذه الخامة فكان أول عمل نحتي له في عمر الثلاثين.

وتنوّعت أعمال شخيص من حيث الأسلوب لتشمل مدارس نحتية مختلفة من الكلاسيكية والسريالية والتكعيبية والتجريدية ليجمع في بعضها بينها جميعا في عمل واحد، إضافة إلى اهتمامه بالخط العربي ومزج الحرف والتشكيل وبين الكلاسيكية والتكوين.

ومع تقدّم السنوات وتراكم الخبرة قدّم الراحل مجموعة من الأعمال النحتية على الحجر الرملي والكلسي والحجر الصلب، لكن شغفه الأساسي بقي متعلقا بمادة الخشب.

منحوتة تحاكي المرأة ورمزيتها
منحوتة تحاكي المرأة ورمزيتها

واعتمد أسلوب شخيص بوجه عام على التفرّد والتميّز سواء بالفكرة أم بطريقة التصميم ليصنع بصمة وهوية خاصة من خلال عمله على البعد الثالث بالأعمال النحتية التي تحتاج إلى الكثير من سعة الخيال والأفق بالتصميم والحرفية والدقة في التنفيذ، إضافة إلى الفكرة الهادفة والتوفيق في جمع هذه المكونات لإنتاج عمل فني ناجح ومبتكر مرسوم بخياله شكلا ومضمونا وإخراجا، كاشتغاله على جسد المرأة وتجلّياته الرمزية الأنثوية التي تحيل على الأم والحبيبة والخصب والعطاء والوطن الأول.

واستلهم الراحل المولود في العام 1965 بمدينة اللاذقية الساحلية طوال مسيرته النحتية من بيئته البحرية وما تحتويه من رموز حضارية متوارثة مفرداته الفنية، معتبرا نفسه امتدادا للفينيقيين الأوائل، متابعا رسالة أجداده في علاقتهم بالبحر والحب والحياة.

وهو الذي كان يرى أن البحر عنصر أساسيّ في الطبيعة وموجود منذ الأزل ولا حياة على الأرض من دونه، فرصده وجسّده جماليّا في أعماله النحتية كرمز له دلالاته. كما بدت مكانة البحر في أعماله أيضا من كونه يمسّ حياة الصيادين الشاقة وصراعهم من أجل الوجود، فوثّق نحتيا تناقض حالاته في المد والجزر والسكينة والعاصفة والعطاء والمنع.

وعمل الراحل أيضا في بعض منحوتاته على دمج فن النحت بالخط العربي، وذلك من خلال إظهار تقنيات الأخير في منحوتاته، وهو الذي وجد في الإيحاء الرمزي للخط العربي بساطة شكلية تقيه من السقوط في فخاخ المغالاة والمباشرة عند إظهار عناصر الأمومة والحب والخصب والعطاء وتكثيف الدلالة وتعظيم الفكرة، كما في حالات الشهادة وحب الوطن وغيرها، حيث أخذ العمل النحتي لديه كفايته من شحنة الإيحاء التي كان يحتاجها لإنجاز مجسّماته.

ولم يتوان الراحل في تجاربه النحتية الأخيرة عن استخدام التقنيات التكنولوجية المتوفّرة في الكمبيوتر، والتي أتاحت له استثمار مقدرته على زيادة الإبداع عبر الدخول إلى برامج فنية نحتية تُعنى بالاستخدام الأمثل لتشريح الجسد وإمكانية إدخال الخط العربي والأجنبي وإظهار الحالات والانفعالات الإنسانية المصوّرة عبر ما يُسمّى البعد الثالث “ثري دي”، بالإضافة إلى ظهور ما يسمّى بتقنية “سي أن سي” الآلية التي تنوب عن النحات إنجاز العشرات من النسخ عن العمل بوقت واحد وتعطي دقّة عالية وبزمن وجهد أقل.

وعمل الراحل مصطفى جميل شخيص مهندسا مدنيا قبل تقاعده، ليتفرّغ بشكل كلي لكتابة الشعر والرسم وخاصة النحت، وهو عضو في اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين فرع اللاذقية، متخصّص في النحت الخشبي والحجري، درس الفن ذاتيا وشارك في العديد من المعارض الفردية والجماعية في سوريا وخارجها.

14