سياسة الحصار الاقتصادي تصب في مصلحة بوكو حرام

فرع الجماعة الموالي لداعش في غرب أفريقيا يسيطر على جزء كبير من بحيرة تشاد.
السبت 2020/12/12
خطر المتطرفين لم ينته بعد

أدت الإجراءات الاقتصادية، التي فرضتها السلطات المحلية في نيجيريا وكلّ من تشاد والكاميرون والنيجر مؤخرًا على السكان والمدنيين بقصد تقييد جماعة بوكو حرام، إلى تسهيل مهمة عناصر الحركة المتطرفة بشقيها المتنافسين في استمالة العديد من سكان تلك البلدان والذين عانوا سوء الوضع الاقتصادي، إلا أن الجناح الموالي لداعش استفاد من سياسة الحصار تلك ليحقق مكاسب يبدو أنها ستطيل أمد الحرب المعلنة ضده إلى أجل غير مسمى.

القاهرة – ضاعف حظر نيجيريا وتشاد والكاميرون والنيجر تجارة سلع حيوية تمثل القوت اليومي للسكان، مثل الأسماك والفلفل، ومنع استخدام الدراجات النارية نظرا لاستعمالها من أعضاء بوكو حرام في عمليات الاغتيال، ومنع زراعة المحاصيل الطويلة نسبيًّا، كي لا تُستخدم من قبل الإرهابيين في التخفي عن أعين القوى الأمنية، من معاناة المدنيين بشكل أكبر مما هو متوقع.

ولم تفطن سلطات هذه الدول وهي تتخذ الإجراءات الهادفة إلى تضييق الخناق على مصادر تمويل بوكو حرام، إلى أنها تقوّي نفوذ جناح نشيط وبراغماتي داخل الجماعة، وهو الموالي لتنظيم داعش.

وقبل حوالي أربعة أعوام انقسمت حركة بوكو حرام المتطرفة إلى جناحين أحدهما موالٍ لداعش، بزعامة أبومصعب البرناوي، الذي شاعت روايات بشأن مقتله أو اعتقاله العام الماضي، والجناح الآخر منشق بزعامة أبوبكر شيكاو، بعد خلافات حول طريقة قيادته، والذي عُرف عنه العنف وكثرة العمليات الإرهابية الموجهة ضد المدنيين والإمعان في إراقة الدماء.

وفيما ينتهج جناح شيكاو سياسة قتل المدنيين وتنفيذ الهجمات الإرهابية داخل أوساطهم وتجمعاتهم بالأسواق والمزارع والمدارس وغيرها، ينتهج الجناح الموالي لداعش سياسة مغايرة، ويحصر عملياته في القوى الأمنية والعسكرية، ويتعمد تحييد المدنيين، ويتخذ ما يلزم لكسب ولائهم.

الاسم الرسمي لبوكو حرام، التي تأسست في 2003، ووصلت إلى ذروة قوتها في 2009، كان “جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد”، وتغير عندما أعلنت الولاء لداعش في 2015 إلى “ولاية غرب أفريقيا”. وانطلاقا من خلافات أيديولوجية وعملياتية متعلقة باستهداف المدنيين واستخدام النساء في العمليات الانتحارية، حدث الانشقاق الكبير داخلها عام 2016، ليعترف داعش بجناح البرناوي بينما قطع صلته بجناح شيكاو.

خلاف حول قتل المدنيين

تمدّد نفوذ الجناح الموالي لداعش شكل حاضنة شعبية مؤثرة
تمدّد نفوذ الجناح الموالي لداعش شكل حاضنة شعبية مؤثرة

يعود الخلاف التكتيكي بين جناحي بوكو حرام أساسا إلى مسألة الإسراف في قتل المدنيين المسلمين، فالجناح الموالي لشيكاو لا يتورع عن مهاجمة المدنيين ومعاقبتهم جراء عدم انضمامهم إلى التنظيم، بينما يرى الجناح الموالي لداعش ضرورة استبعاد المدنيين وينحاز إلى أهمية الاستفادة من مسلمي منطقة بحيرة تشاد في حربه ضد سلطات وجيوش نيجيريا ودول الكاميرون وتشاد والنيجر.

واستغل جناح بوكو حرام الموالي لداعش الإجراءات المتشددة، وقام بعرض البدائل والمعونات اللازمة للسكان المتضررين من سياسة الحصار الاقتصادي، التي انتهجتها حكومة أبوجا، ومضى في سياق سياسته النفعية مع المدنيين والمزارعين في خطة التمدد وكسب أرضية شعبية معتمدًا تكتيكا يستثمر في أخطاء الحكومة والسلطات المحلية في التصدي للجماعات الإرهابية، وفي مقدمتها اتخاذ إجراءات مؤلمة تسببت في خسائر اقتصادية فادحة للسكان.

ونجح جناح البرناوي في إيجاد حاضنة شعبية له واستمالة العديد من السكان المدنيين، مما سمح له بالتمدد والبقاء لأطول فترة ممكنة والتفرغ لمواجهة القوات الحكومية، علاوة على السيطرة على مساحات شاسعة بالمناطق النائية من بحيرة تشاد، واتخاذها ملجأ آمنًا ومنطلقًا لشن هجمات داخل حدود البلدان المحاذية لنيجيريا.

جناح أبوبكر شيكاو ينتهج سياسة الترويع عبر تنفيذ هجمات داخل أوساط المدنيين وتجمعاتهم بالأسواق والمزارع وغيرها
جناح أبوبكر شيكاو ينتهج سياسة الترويع عبر تنفيذ هجمات داخل أوساط المدنيين وتجمعاتهم بالأسواق والمزارع وغيرها

ومنحت هذا الإستراتيجية لهذا الجناح الأفضلية من خلال تركيز هجماته على القوى الأمنية والعسكرية، واتبع سياسة مزدوجة تعتمد على الحاضنة الشعبية واستثمار وحشية الجناح المنافس بقيادة أبوبكر شيكاو لمضاعفة النفوذ والتغلغل في الأوساط الشعبية لامتلاك قوة ضاربة في مواجهة القوات الأمنية والعسكرية.

ولذلك صب تنفيذ عمليات قتل وحشية ضد المدنيين بنيجيريا والتي يرتكبها جناح شيكاو في مصلحة جناح البرناوي، الذي يحرص على تشكيل حاضنة شعبية عمادها المدنيون الذين يُحرم تكفيرهم وقتلهم واستهداف ممتلكاتهم، وعلى تحييد العمال والمزارعين والفئات المهمشة والتقرب منهم وحمايتهم، ما أوجد علاقات جيدة بهم في وقت يعانون من أزمات إنسانية واقتصادية.

وتبنّى جناح شيكاو في الـ29 من نوفمبر الماضي قتل 110 مدنيين في قرية كوشوبي الواقعة بولاية (محافظة) بورنو شمال شرقي نيجيريا، وقال شاهد عيان نجا من المذبحة إن المتطرفين طلبوا من المزارعين تسليم هواتفهم وأموالهم، وهو ما عجزوا عنه لعدم امتلاكهم لها، ما دفع أعضاء بوكو حرام إلى تقييدهم ونحرهم الواحد بعد الآخر قبل أن يحرقوا المزرعة التي كانوا يعملون فيها.

وسبقت واقعةَ مزرعة قرية كوشوبي عملياتُ ذبح لمزارعين وعمال بالجملة تحت عنوان “كبلوهم واذبحوهم”، كما جرى في الـ26 من يوليو الماضي بنفس القرية عندما ذبح التنظيم أكثر من أربعين مزارعا بنفس الطريقة وقبلها بأسابيع قليلة ذُبح اثنان وعشرون مزارعًا في هجومين منفصلين، وقد كانوا يعملون في حقول زراعية في مايدوغوري عاصمة ولاية بورنو.

ويحرص جناح شيكاو، الأكثر تشددًا ودموية داخل بوكو حرام، على الهيمنة على ناتج المحصول الزراعي عبر فرض الضرائب وعدم مباشرة المزارعين حصد المحاصيل إلا بإذن من قادة التنظيم ومن لا يلتزم بالتوجيهات في هذا الشأن يتم ذبحه.

الخلاف المنهجي الذي قسم بوكو حرام إلى مجموعتين الأولى تعلن ولاءها لتنظيم داعش وتتبنى عدم استهداف المدنيين، جعل على الجانب المقابل من استهداف المدنيين منهجية لدى المجموعة المنشقة التي يقودها شيكاو، وتتوخى أشد طرق القتل بشاعة بغرض المزايدة في التكفير وسفك الدماء والتمدد في الأوساط الأكثر تطرفا وتوفير الدعم المالي والغذائي لأعضاء المجموعة.

وأدى التنافس بين الجناحين إلى ازدياد وتيرة تنفيذ عمليات ضد المدنيين من جانب جناح شيكاو ليصعد بالتفجيرات الانتحارية التي تنفذها فتيات وسيدات مخطوفات وعمليات ذبح ونحر المزارعين والعمال إلى مستوى قياسي خلال العامين الماضيين، مقابل زيادة في هجمات الجماعة من خلال الفرع الموالي لداعش على الجيش والقوى الأمنية، ما جعل نيجيريا تحتل المرتبة الثالثة بين الدول الأكثر إرهابًا في العالم وفقًا لتقرير مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2020.

تفشيل سياسات الاحتواء

استثمار سياسة جذب المدنيين
استثمار سياسة جذب المدنيين

دفعت شدة التنافس بين المجموعتين، القائد المنشق شيكاو إلى القيام بسلسلة من عمليات الذبح البشعة ضد المدنيين، بغرض إفشال سياسات الاحتواء التي يتبناها منافسوه داخل الجناح البرناوي، والذي استغل تعاطف المدنيين في تجنيد عناصر جديدة حانقة على سياسات الحكومة ومتضررة من ممارسات الجناح الأكثر تشددا داخل بوكو حرام، ما سمح لفرع داعش بترسيخ أقدامه في حوض بحيرة تشاد بمساندة حاضنة شعبية معتبرة.

وأعادت هذه المعادلة بين جناحين متنافسين، فضلًا عن الخلل في المعالجة الأمنية، التأكيد على حضور فرع داعش في غرب أفريقيا، الذي بات مسيطرا ميدانيا على منطقة بحيرة تشاد، وكمناوئ امتلك القوة المادية والبشرية والقدرة على المناورة واستثمار ممارسات مختلف اللاعبين في المشهد لصالحه.

وتمكن الجناح الموالي لداعش من إحراز تقدم وتفوق في المواجهات الأخيرة مع الجيش النيجيري الذي يعاني تخبطًا في صفوفه، إلى درجة احتجاج المئات من الجنود النيجيريين على إرسالهم إلى القتال في المناطق التي يسيطر عليها بوكو حرام بشمال نيجيريا والمناطق القريبة من بحيرة تشاد.

وساعده استثماره في جذب المدنيين المضارين من المعالجة الأمنية القاصرة ومن توحش مجموعة شيكاو، على توسيع نطاق عملياته الجغرافية لتشمل غالبية دول غرب أفريقيا، مثل عملياته في شمال الكاميرون وتشاد، بعدما كان نطاقها محصورًا في الشمال النيجيري، خاصة ولاية بورنو، ويسيطر حاليًا على أربع من المناطق العشر التي تتألف منها الولاية.

وشكلت الأزمة الإنسانية التي يعاني منها المدنيون مع انتشار وباء الكوليرا وسحب المنظمات الإغاثية لأعضائها وخروج مناطق بأكملها من سيطرة الجيش النيجيري وتراجع الدعم اللوجستي، لفرع داعش فرصة مواتية لضم مقاتلين جدد إلى صفوفه، وخلق حاضنة شعبية لا تتعاون بالشكل الأمثل مع القوى الأمنية وتجمعها مصالح مشتركة مع جناح البرناوي.

ولقد حيد قادة “ولاية غرب أفريقيا” المدنيين وانخرطوا في بناء ما يشبه الاقتصاد الموازي بمساعدة جهود العديد من المدنيين والمزارعين العاطلين عن العمل والذين توقفت أشغالهم ومصالحهم، مقابل توفير الحماية للمزارعين والعمال الهاربين من دموية وتسلط مجموعة شيكاو، الذين ينظر إليهم قادة جناح داعش كداعمين محتملين خلال الأزمات الإنسانية التي يعانون منها.

واستطاع هذا الفرع، الذي جمع التمويلات من ميسوري الحال من المدنيين والتجار، تجنيد العناصر الشابة في الأوساط المهمشة والأكثر فقرًا وامتلاك أسلحة ومعدات متقدمة وطائرات مُسيرة كالتي يمتلكها الجيش بالنظر إلى قيامه بتنفيذ هجمات ضد مواقع عسكرية بمعدلات شبه يومية أتاحت له السطو على بعض القطع الحربية مما يمتلكه الجيش من تسليح متطور.

وبات من الضروري إعادة النظر في إستراتيجية مكافحة الإرهاب التي تنتهجها نيجيريا ودول غرب أفريقيا وتعديل أو ترشيد سياسة الحصار الاقتصادي بحيث لا تؤثر سوى على التنظيمات المسلحة المتمردة بعد أن عززت هذه السياسة التي من المفترض أن تضيّق على بوكو حرام نفوذَ جناحه الموالي لداعش بطرق غير مباشرة.

استخدام القوة بدل الحوار
استخدام القوة بدل الحوار

وزادت سياسة الحصار الاقتصادي من معاناة ما يقارب من 17 مليون شخص في حوض بحيرة تشاد، يشكون من الجوع وسوء التغذية، فضلًا عن احتياج عشرة ملايين شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة داخل الفضاء الجغرافي الذي يمارس به جناحا بوكو حرام أنشطتهما في نيجيريا أو دول الجوار.

ودفع تضييق الخناق الاقتصادي بشكل عشوائي من قبل الحكومة النيجيرية الجناح الذي يتزعمه شيكاو إلى تنفيذه عمليات إرهابية ضد سكان القرى والمزارعين من أجل الحصول على التمويل اللازم لتنفيذ عملياته الإرهابية ولتوفير المواد الغذائية لمقاتليه.

وأفادت السياسة الحكومية بشقيها الأمني والاقتصادي فرعي بوكو حرام المتنافسين، ففرع شيكاو يجوب القرى دون أي عائق أمني مرتكبا جرائم بشعة في حق من يرفض الانصياع لما يفرضه من ضرائب أو يرفض تحويله المحصول الزراعي إلى فائدة قادته، مستفيدًا من ضعف الحماية الأمنية للمدنيين حيث لا يجد صعوبة في تنفيذ عمليات ذبحهم ونحرهم بشكل جماعي دون تدخل يُذكر من القوى الأمنية لإنقاذهم أو حمايتهم.

في المقابل تمدد نفوذ الجناح الموالي لداعش وشكل حاضنة شعبية مؤثرة، ما مكنه من التعامل من موقع قوة وندية مع قوات الجيش والسلطات الحكومية التي يرفض التفاوض معها ويفضل استخدام القوة بديلًا عن الحوار.

معاناة إنسانية
معاناة إنسانية

 

6