سيرة فلسطين الوجدانية والوجودية تسردها لوحات رقمية

التشكيلي خالد حوراني خط في لوحاته ملامح لوجوه نزلت إلى الشارع للتظاهر يغمرها السكون وهدوء غرائبي ونظرات لا تستجدي التعاطف من أحد، لأنها أدرى بشؤونها.
الأربعاء 2021/05/19
بين لوحتي "لينا" و"بيان".. لا شيء تغير

قدّم التشكيلي والروائي الفلسطيني خالد حوراني منذ أقل من سنتين معرضا فنيا له جمع فيه عددا من اللوحات استلهمها من التظاهرات الشعبية في فلسطين خاصة والدول العربية عامة، مُستخدما تقنية الدمج ما بين الصورة الفوتوغرافية التي التقطها بنفسه وألوان الأكريليك. يومها أعطى الفنان لمعرضه الذي احتضنته مدينة رام الله عنوان “جمع وتكسير”. معرض يُعيدنا الآن، وقبل أي وقت مضى إلى الوجع ذاته المحفّز على المزيد من الثبات.

2019 هو تاريخ المعرض الذي قدّمه الفنان التشكيلي والروائي الفلسطيني خالد حوراني، والذي تضمّن أعمالا فنية تحت عنوان “جمع وتكسير”.

أعمال بلغت ثلاثين لوحة أنجزها انطلاقا من آلية تحويله لعدد كبير من الصور الفوتوغرافية التي صوّرها بكاميراته خلال التظاهرات في الدول العربية، وخاصة في فلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي، إلى لوحات فنية بأحجام مختلفة.

اليوم، أي خلال ربيع 2021 بدت لوحاته تلك تعبّر عن نمط فلسطيني خرج عن الحدود الزمنية والمكانية وعن أيقنة المواقف الشخصية ليصبح حالة شاملة لم يعد بالإمكان، عالميا، التنكّر لها.

جرح لا يندمل

خالد حوراني: ما يهمني هو الفكرة، أما كيف وبأي وسيلة فهذا سؤال يأتي لاحقا؟

أعمال ديجيتالية/ فنية تحضر اليوم في الذاكرة واضحة وجديدة، لأنها تقدّم سردا “هادئا” لشخوص هادئة نزلت، ولا تزال، إلى الساحات واصطفّت في المعابر والأروقة الهمجية التي أنشأتها إسرائيل. أعمال استعرضت شخوصا، مدّتهم العادة في التظاهر والمواجهات بحيوية الثبات، فيما بات مُكرّسا وتخطى قابلية تبدّله حتى وإن تغيّرت الحوادث المُسببة له على الأرض إلى نقيضها.

ولعل أكثر ما ساهم في إطلاق شرارة هذه الفكرة، التي باستطاعتها أن تتوسّع لتشكّل كتابة جديدة من منظار آخر للفن الفلسطيني، هو أن الفنان وضع في معرضه لوحتين رئيسيتين يُمكن اعتبارهما نجمتي المعرض اللتين تحلّقت حولهما باقي الأعمال الفنية ليسرد فيهما سيرة وجدانية ووجودية.

ويذكّرنا الفنان في أعماله، دائما، أنه روائي، لأنه يسرد في لوحاته كما يؤرّخ بصريا لحوادث لها دلالات سياسية واجتماعية، وهو القائل حول تجربة الكتابة والفن إن اجتمعت في شخصين “بالنسبة إلي ما يهم هو الفكرة والمقولة وهي تأتي في المقام الأول، ثم كيف وبأي وسيلة؟ فهذا سؤال يأتي لاحقا. ما يهم أن يكون الأسلوب خادما للفكرة بالدرجة الأولى”.

لوحة “لينا” و”بيان” هما اللوحتان اللتان رصدتا وخلّدتا تاريخين متباعدين. التاريخ الأول هو 1976 والثاني 2016. التاريخ الأول يصوّر استشهاد الطالبة لينا النابلسي في مدينة نابلس بنار الإسرائيليين، والثانية تؤرّخ استشهاد الطالبة بيان العسيلة، أيضا بالرصاص الإسرائيلي.

كلا اللوحتين عبّرتا عن حالة تخطي حدود الحزن الهائل منذ أكثر من نصف قرن، بداية بما اكتنز من الفواجع في اللوحة الأولى إلى نحو هدوء صارخ شامل ومتحجّر بات غير خاضع لسلطة الزمان والمكان وحضر بقوة في اللوحة الثانية، أي لوحة الشهيدة بيان.

حضر في هيئة ظلال شديدة الحدة أحاطت بجسد الشهيدة وأرّخت دراميّتها الهادئة/ الحكيمة، وهي مُتجاورة مع ضوء باهر هو الأمضى في التعبير عن الآتي: الثبات كعادة تبلورت عبر ما يفوق السبعين عاما.

أما اللوحة التي تجسّد استشهاد لينا بفارق أربعين سنة عن اللوحة الثانية، فهي أقل حدة وأكثر “شاعرية”، إن صح التعبير. لوحة تبدو فيها لينا صغيرة الحجم في مقام اللوحة بثوبها الأزرق ومُحاطة بفراغ بارد تطوف فيه هيئة غيمتين، واحدة أوضح من الثانية، تُشبهان وضعية سقوطها على الأرض. وهي ذات “الغيمة المتحوّلة” التي يعثر المُشاهد عليها في لوحة بيان كأنها طيف الفتاة أو روحها المُحلقة حول بيتها، أي جسد الشهيدة.

لوحات ديجيتالية تدعو إلى المزيد من الثبات

يومها، وإلى جانب اللوحتين المعروضتين كتب الفنان “في العام 1976 استُشهدت الطالبة لينا النابلسي أثناء خروجها من المدرسة، وكانت لينا ثاني شهيدات نابلس بعد حرب حزيران/ يونيو عام 1967، وهي ثالث شهيدة على مستوى فلسطين. هي لينا التي غنى لها أحمد قعبور أغنيته الشهيرة ‘يا جسد الضفة’، وغنى لها الشيخ إمام عيسى ‘لينا لؤلؤة حمراء’ من كلمات الشاعرة فدوى طوقان، ورسمها بعد ذلك الفنان سليمان منصور لتنتشر صورة اللوحة على نطاق واسع”.

ثبات واستمرارية

استطاع الفنان عبر اللوحات المحيطة باللوحتين، اللتين نود اعتبارهما الأساسيتين، أن يشير إلى المسافة والزمن والتحوّل الذي يفصل ما بينهما. لوحات خطّ فيها الفنان ملامح لوجوه نزلت إلى الشارع للتظاهر يغمرها السكون وهدوء غرائبي ونظرات لا تستجدي التعاطف من أحد، لأنها أدرى بشؤونها.

رسم لاكتظاظ بشري خارج منطق الأيقونة، أضفى الفنان عليه “عادية” بطلة تُطمئن الناظر إليها. وجاءت حركات الأجساد في لوحاته وسكونها “اعتيادية” غرائبية هي الأخرى، لأنها ليست قطعا مرتبطة باليأس والملل، ولكن بقناعة الثبات والاستمرارية، وتجلّى ذلك بصريا بنصاعة الألوان الباهرة التي استخدمها حوراني بوفرة.

اليوم يمكن القول إن جزءا كبيرا من المشهد الفلسطيني العام المُجسّد في معظم الأعمال التشكيلية هو مستوحى من مراحل أربع: مرحلة لينا ومرحلة بيان وما بينهما، ومرحلة تالية لا زالت في طور التشكَل تدعو أصحابها “الهادئين” جدا والمبتسمين جدا في صورهم لحظة الاعتقال، تدعوهم إلى الثبات.

لوحة "لينا" و"بيان" هما لوحتان رصدتا وخلّدتا تاريخين متباعدين لكنهما يجتمعان في تجسيد وجع واحد يتكرر دائما

وخالد حوراني من مواليد مدينة الخليل عام 1965. عرضت أعماله في فلسطين والخارج، حيث شارك في العديد من الورش واللقاءات الفنية في: الأردن، مصر، الإمارات، الـمغرب، تونس، إسطنبول، سويسرا، إنجلترا، فرنسا، هولندا، النرويج، كرواتيا، النمسا، السويد، وغيرها من دول العالم.

قدّم ولا يزال العديد من الأعمال والمشاريع الفنية التي سخّرها لخدمة وتطوير المجتمع الفلسطيني. كما عمل لعدة سنوات مديرا عاما في وزارة الثقافة الفلسطينية. وتولى ما بين عامي 1998 و2009 مسؤولية التصميم الغرافيكي لمجلة “الكرمل” الثقافية التي كان يديرها ويترأس تحريرها الشاعر الراحل محمود درويش.

وهو إضافة إلى كونه فنانا تشكيليا، ناقد فني ومؤسّس ومدير سابق لأكاديمية الفنون الدولية – فلسطين، وينظم المعارض والاحتفاليات الفنية، وهو يعيش ويعمل في رام الله. فاز في العام 2013 بجائزة “الإبداع للفن والتغيير الاجتماعي” من مؤسسة “كرييتيف تايم” في نيويورك.

تجسيد فني للمظاهرات ضد الاحتلال
تجسيد فني للمظاهرات ضد الاحتلال

 

جاءت حركات الأجساد في لوحات خالد حوراني وسكونها “اعتيادية” غرائبية هي الأخرى، لأنها ليست قطعا مرتبطة باليأس والملل، ولكن بقناعة الثبات والاستمرارية
جاءت حركات الأجساد في لوحات خالد حوراني وسكونها “اعتيادية” غرائبية هي الأخرى، لأنها ليست قطعا مرتبطة باليأس والملل، ولكن بقناعة الثبات والاستمرارية

 

نقل نبض الشارع العربي إلى المعارض الفنية
نقل نبض الشارع العربي إلى المعارض الفنية

 

أعمال تقدّم سردا “هادئا” لشخوص هادئة نزلت، ولا تزال، إلى الساحات
أعمال تقدّم سردا “هادئا” لشخوص هادئة نزلت، ولا تزال، إلى الساحات

 

لوحات ديجيتالية تدعو إلى المزيد من الثبات
لوحات ديجيتالية تدعو إلى المزيد من الثبات

 

 

16