سيمون فتال الفنانة المتجدّدة وهي تعيش يوما أسطوريا

فتال فنانة متعددة الانشغالات، فهي رسامة ونحاتة وخزافة ومصورة وكاتبة ومترجمة وناشرة. وفي كل ما تقوم به تسعى لأن تكون طليعية في أسلوبها وفكرها.
الأحد 2021/10/17
فنانة متعددة الانشغالات

بعد معرضها “نسيم فوق المتوسط” الذي أقامه معهد الفنون المعاصرة في ميلانو الإيطالية بالتعاون مع مشروع بومبيي للشؤون الأثرية تقيم الفنانة سيمون فتال معرضا شخصيا لأعمال النحت الفخاري في غاليري “وايت تشبيل” بلندن بعنوان “إيجاد طريق”.

و”وايت تشبيل” هي صالة عرض مغامرة تعرض بجرأة تجارب الفنون المعاصرة في ضاحية تمتزج فيها الهويات التي تتجدد بقوة الشباب من سكانها وحيويتهم. وهو ما يعني أن ابنة الثمانين ذات الأصول الشامية تتحدى بقوة أدائها الفني وشحنة خيالها التعبيري صناع الفنون الجديدة في معقلهم الذي خص “الطين المفخور” بمعرض كبير توزعت أعماله بين مختلف أنواع الفنون المعاصرة “المفاهيم والتجهيز وفن الأرض وفن الفيديو”.

الحروب تُنسى ويبقى الفن

فتال فنانة متعددة الانشغالات، فهي رسامة ونحاتة وخزافة ومصورة وكاتبة ومترجمة وناشرة. وفي كل ما تقوم به تسعى لأن تكون طليعية في أسلوبها وفكرها. لا تتأخر عن زمنها بل تسبقه. عاشت حياتها مسافرة لا تبحث عن مأوى أو وطن بديل  جاهز بل عن المعرفة. ذلك النوع من الخبرة التي لا تكفي الكتب التي تحبها لتقديمها كاملة.

وبسبب سفرها الدائم فقد كانت علاقتها بالمكان مزيجا من الأفكار والروائح والأصوات والأشكال التي لا تنتمي إلى مدينة بعينها بقدر ما تنتمي إلى العالم الذي خلقته سيمون بنفسها وصارت تحمله معها أينما ذهبت وهو العالم الذي تنبعث منه رؤاها الخلاقة.

أما علاقتها بالزمن فهي الأخرى مرآة لبنيتها الاجتماعية والثقافية. ذلك لأن فتال هي ابنة علاقة امتزجت فيها الهويات العربية والعثمانية والنمساوية، إضافة إلى أن امتزاجها بالثقافات الأخرى فتح أمامها الأبواب للولوج إلى هويات صارت تلقي أبعادها على مزاجها الثقافي الذي هو مزاج شعري في الأساس. ذلك ما يفسر علاقة فتال بالإغريق والرومان على سبيل المثال.

في عالم الجن والخرافة

تماثيل فتال تبدو وكأنها نجت من حريق هائل كاد يفنيها. وقد نجحت الفنانة في إنقاذها من موت محتم
تماثيل فتال تبدو وكأنها نجت من حريق هائل كاد يفنيها. وقد نجحت الفنانة في إنقاذها من موت محتم

فتال وفنها هما الشيء نفسه. ما يصلح عليها يصلح على فنها. وهو فن يصعب القبض عليه في لحظة تعبير بعينها لا لأنه تجريدي في جزء منه وحسب بل وأيضا لأنه يتماهى مع بعد إنساني هو أكبر من الدافع المباشر الذي يقف وراء الإلهام. بمعنى أن الفنانة التي تركت الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ــ 1990) أثرا عميقا في نفسها وفي فنها نجحت في أن تضفي على ذلك الأثر طابعا شموليا. وهو ما ساعدها على تحرير أعمالها من الارتباط بالأحداث الزائلة.

 ولدت عام 1942 في دمشق. في جامعة السوربون بباريس درست الأدب والفلسفة. في بادئ الأمر انصبّ اهتمامها على الأدب. تقول “حين كنت صغيرة، كان الأدب أهم شيء في حياتي”. لذلك تأخرت في اكتشاف الرسم الذي انغمست فيه بدءا من عام 1969، من خلاله تعرفت على عالم جمالي مختلف. بعد خمس سنوات من اندلاع شرارة الحرب الأهلية في لبنان، أي عام 1980، سافرت فتال إلى الولايات المتحدة وأسست دار نشر ”بوست أبولو برس“ بعد أن كانت  قد توقفت عن الرسم بسبب شعورها بالعجز أمام أهوال الحرب وما انطوت عليه من قبح. من خلال دار النشر اهتمت الفنانة بالأدب النسوي وترجمت كتابين من الفرنسية إلى الإنجليزية كما أنها ألّفت كتابا عن فن رفيقتها إيتيل عدنان، عنوانه “الرسم محض طاقة”. 

ترجمت عددا من الكتب العربية إلى الإنجليزية، كان بعضها ذا صلة بالتصوف. في تلك الفترة اكتشفت ملحمة ”الأميرة ذات الهمة وابنها عبدالوهاب“ وهو العمل الأدبي الذي أعانها من خلال إلهامه السحري على العودة إلى الفن، حين تحولت مفرداته بين يديها إلى عناصر شكلية ذات طابع رمزي في تركيب بنية أعمالها. حدث ذلك عام 1989.

الموت لا يزال مهيمنا على أعمال فتال. رأت الموت وهربت منه غير أنه ظل يلاحقها بكوابيسه وأشباحه وحكاياته وقلق ساعاته الأخيرة

لقد فتحت تلك الملحمة أمامها أبواب عالم فاتن تتقافز في فضاءاته الخيول والجن والمحاربون ذوو المصائر المتقاطعة. الشيء الذي تعلمته الفنانة من عالم الأسطورة سينعكس على طريقة معالجتها للمواد التي تستعملها وبالأخص  الطين. تجريدا وتشخيصا كانت أشكالها تنهل من الخرافة، بل كأنها تسعى لإقامة عالم خرافي مواز لعالمنا.              

وبسبب تشبعها بإيحاءات عالم الخرافة صارت الفنانة تخلق أشكالا، هي أقرب إلى أن تكون كيانات وهمية، بحيث يشعر المرء كما لو أنها خلقت على عجل وهي في طريقها إلى الاختفاء، كما تفعل كائنات الحكايات الخرافية.

 تجمع فتال بين ما تتذكره وما تتخيله. ذلك تفسير مؤقت للغموض الذي يتخلل أعمالها ويغلفها بطابع استفهامي رقيق. فالفنانة لا تميل إلى الحلول النهائية وهي تعرف أن ما ينتظرها من مفاجآت هو أكبر مما مرّ بها من علاقات شكلية استطاعت أن تؤلف منها عالمها البصري الذي لا يزال يجمع بين الشكل واللاشكل وبين التجريد والتشخيص.

إن تمكن المتلقي أن يلتقط خيط الشقاء الذي يقود إلى الكائنات المنحوتة فإن الغموض سيكون عبارة عن الإيقاع الذي يرافق خطواته وهو يدخل إلى الأماكن التي غادرتها الفنانة غير أنها ظلت مقيمة فيها بخيالها وذاكرتها معا. شيء من الخوف البدائي يبدو ممسكا بالأشخاص كما لو أنهم ما زالوا أسيري تلك اللحظة التي أنهت صلتهم بأسباب الحياة وكل لذائذها.

لا يزال الموت مهيمنا على أعمال فتال. رأت الموت وهربت منه غير أنه ظل يلاحقها بكوابيسه وأشباحه وحكاياته وقلق ساعاته الأخيرة. وهي لذلك لا تهتم كثيرا بما تعنيه أعمالها الفنية على مستوى رمزي. فالعمل الفني بالنسبة إليها يُقيم في لحظة الفجيعة التي اخترعته. وهي لحظة تظل صادمة. 

عراكها مع الشياطين

فنانة عالمية تعرف أن هناك شيئا اسمه "فن العيش" هو ما تعلمته من كائناتها
فنانة عالمية تعرف أن هناك شيئا اسمه “فن العيش” هو ما تعلمته من كائناتها

يصف الشاعر التونسي خالد النجار كائناتها بأنها “مخلوقات بدائية تنهض من أعماق الماضي المظلمة لتقف بإصرار وتحد خارج الزمن”. ويعتقد النجار بأن أعمالها “تحمل بصمة البدائي والطفل. قوة التلقائية والمباشرة”. وهو يرى أن “أعمالها لا تحيل إلى مرجع ولا تذكّرك بشيء سبق أن رأيته لأنها قادمة من ليل الأعماق”، لذلك فإن أيّ عمل من أعمالها التي تظل محتفظة بالكثير من غموضها لا يحتاج إلى تفسير لكي يفرض فتنته على الذائقة الجمالية.

 فتال فنانة عالمية عرضت أعمالها في مختلف أنحاء الأرض. تعرف أن هناك شيئاً اسمه “فن العيش”. هو ما تعلمته من كائناتها التي لا تزال تقاوم بالرغم من أنها لم تعد راغبة في الاستمرار في تمثيل دورها التقليدي في الحياة. تفضل تلك الكائنات أن تكون موضوعا جماليا على أن تكون جزءا من موضوع واقعي قابل للتهديم والتهميش والإبادة والفناء. تلك صورة بلدها الأصلي سوريا. ففي مواجهة حياة مرتجلة كالتي عاشتها فتال سيكون الحديث عن بلد أصلي أمرا صعبا. 

يشعر المرء وهو ينظر إلى تماثيل فتال أن تلك التماثيل قد نجت من حريق هائل كاد يفنيها. لقد نجحت الفنانة في إنقاذها من موت محتم. ألا يعبّر الطين المفخور عن انصهار العناصر المادية والنفسية كما لو أنها قد تعرضت للتحولات الداخلية نفسها؟

حين أقام متحف الفن الحديث معرضا استعاديا لأعمالها عام 2019 كتبت منسقة المعرض من أجل تقديمه “لم تكن أعمالها بعيدة عن الأرض أبدا. فقد ظهرت مشروعا غير مكتمل لسرد قصص التاريخ القديم بشخصيات مأخوذة من مراجع مركزية مثل ملحمة جلجامش والأوديسة وذات الهمة وغيرها”.

9