شكرا كورونا

كورونا قادرة على إنقاذنا من كل شيء، وجعلنا نشرب الجعّة منذ السادسة صباحا وحتى الرابعة عصرا.. كورونا تنقذنا من كل المواقف المحرجة.
الثلاثاء 2020/11/17
كورونا كلمة سحرية لقضاء الحوائج وتبرير الخطايا وارتكابها

غرّد أحد التونسيين على تويتر عند الساعة السادسة صباحا، بقوله “هيّا ماذا تنتظرون أيّها الرفاق. التحقوا بالحانات قبل حلول الساعة الرابعة عصرا”، فردّ عليه أحدهم “أنا لم أبلغ الحارة الأولى بعد..” و”الحارة” بالعامية التونسية تعني الرقم 4، سواء إن كان الأمر يتعلّق بالبيض أو البيرة.

هذا هو حال الغالبية من التونسيين مع مقتضيات جائحة كورونا وتبعاتها، والتي تفرض غلق المقاهي والحانات عند الساعة الرابعة عصرا، مما يجعل النهار قصيرا والليل طويلا على من أدمن تلك القوارير الخضراء الصغيرة، واتخذها وحدة لقياس الوقت والمزاج، وحتى الراتب، فيقال فلان مسكين وبائس، راتبه اليومي لا يتجاوز “الحارتين من البيرة”.

هذا ما تفعله جائحة كورونا بالشعوب، خصوصا تلك التي أدمنت البطالة والعطالة والكسل.. وشرب الجعة كوسيلة وحيدة لقتل الوقت.. ولو كانت المساجد مفتوحة أثناء هذا الحجر الصحي لقاس تونسيون كثيرون وقتهم بعدد الركعات والتسبيحات والأدعية والتنهدات.

سيّان عندهم الحلم بالجنة أو نسيان جحيم الواقع عبر “حارة أو حارتين” من البيرة قبل الساعة الرابعة عصرا.

اليأس سيد الموقف، والتجهم يجتاح الأسواق والدكاكين ومكاتب الموظفين. لا حديث إلا عن هذا المارد الوبائي الذي يبرّر كل هفوة أو خطيئة مهما كان حجمها، فيقول المرتشي للراشي وهو يمد يده “اعذرني.. إنها كورونا”، والخطيب لخطيبته والزوج لزوجته والطليق لطليقته “كورونا”.

إن تجاهلت دائنا في الطريق أو طالبا للمصافحة في حفل أو معاتبا على خطيئة في مجلس، فقل له “كورونا”.

“كورونا” كلمة سحرية لقضاء الحوائج وتبرير الخطايا وارتكابها.. يا لهذا الاختراع الساحر المدهش الذي جاءنا من بلاد الصين.

بالأمس برّرت تقصيري في العمل وتقاعسي عن أداء بعض الواجبات الاجتماعية، وحتى الزوجية، بدافع كورونا.

الصيدلاني منعني من الدخول لأنني لا أرتدي كمامة، مع أنني جئت لأشتري كمامة، وأطفالي منعوني من تقبيلهم لأنني لا أرتدي كمامة.. وامتنعت عن إبداء رأيي في عطر وردة أهديت لي بسبب أنني لا أرتدي كمامة.

كورونا قادرة على إنقاذنا من كل شيء، وجعلنا نشرب الجعّة منذ السادسة صباحا وحتى الرابعة عصرا.. كورونا تنقذنا من كل المواقف المحرجة.

التباعد الصحي الذي تفرضه كورونا يجنبك ملامسة الغلاظ من أولئك الذين إذا شرحوا لك فكرة لامسوك من جميع أطرافك، وأولئك الذين يقبلونك في الشدائد والمسرات على حد سواء.. وحتى دون مناسبة.

كورونا وإكسسواراتها من أكمّة وأقنعة وتباعد صحي، جعلتني في مأمن من الفضوليين والغلاظ، وحتى الدائنين.

كورونا جعلتني أستيقظ عند الساعة السادسة صباحا، وأنام عند الساعة الثامنة مساء، وأقيس الوقت بـ”حارة أو حارتين” من عصير الشعير والشعور بالعزلة.. إنها أقسى وأقصى سنوات العزلة.

24