شواطئ العالم تستعيد روادها بعد الانحسار الجزئي للوباء

عشاق البحر يبحثون عن عطل آمنة لكن دون حمامات شمسية، وأغلب الدول تشدد على ضرورة التقيد بالتوصيات الصحية من غسل اليدين والتباعد الاجتماعي.
السبت 2020/05/30
الالتزام طريق الحصول على الرفاهية والنجاة من العدوى

الاسترخاء على حافة الشاطئ حلم يراود أغلب سكان العالم لاسيما أن فصل الصيف تفصلهم عنه أيام قلائل، وهذا ما دفع الكثير من الدول إلى الإعلان عن إعادة فتح الشواطئ أمام مرتاديها، لكن وفق قواعد تباعد اجتماعي جديدة تكاد أغلب الدول تتفق حولها، لكن يبقى تطبيقها مرهونا بدرجة وعي المصطافين ومدى خوفهم من الإصابة بعدوى مرض كورونا.

“إن التحدث عن الشواطئ مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى الاقتصاد".. هذا ما صرح به لوكا زايا رئيس منطقة فينيتو الإيطالية خلال مؤتمر صحافي، مؤخرا، لكن بالنسبة للكثير من المصطافين فإنها فضاءات مفتوحة تمثل متنفسا للحرية بعد فترة من الإغلاق الإلزامي والحظر الذي طال قطاعا عريضا من سكان الكرة الأرضية.

ومع اقتراب حلول فصل الصيف وما يرافقه من ارتفاع في درجات الحرارة في الكثير من الدول، بدأ سؤال واحد يشغل الأذهان: هل سيدمر فايروس كورونا العطلات الصيفية ويحرم الكثيرين من الاستمتاع بمياه البحر؟

ويرى د. عبدالناصر علي بن علي الفكي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، أن "الشواطئ تمثل معاني رمزية للحرية والانعتاق من كل ما هو رسمي وإسمنتي، سواء للعب واللهو مع الطبيعة الرحبة دون اعتبار للوظيفة أو المكانة الاجتماعية المهنية للشخص".

مع اقتراب الصيف بدأ سؤال واحد يشغل الأذهان: هل سيحرمنا كورونا من الاستمتاع بالبحر؟

وأشار الفكي في حديثه لـ"العرب" إلى أن "في الشواطئ يتم التخلص من اللباس المثقل بالرسميات طلبا للحرية، إلى جانب الاستعداد المسبق لدى الإنسان بأنه ذاهب للراحة والرفاهية وترك هموم العمل والحياة خلف ظهره، فهو يغطس في قاع المياه كأنما يغتسل ويعود إنسانا مفعما بالنشاط والحيوية".

وأضاف "مع التكرار أصبح المصيف سلوكا ثقافيا اجتماعيا يمثل عادة اجتماعية لا بد منها في الأسرة الصغيرة والكبيرة".

ولفت إلى أن جائحة كورونا والوقاية منها تتطلبان تعديلا للسلوك الاجتماعي الثقافي، لذلك يكون الوعي الصحي والوعي المعرفي هما ما يحددان إما الذهاب والتعرض للمخاطر وفي هذا تكون سلطة ثقافة المصيف هي الغالبة، وإما أن يكون الوعي وتجنب السلوك الاعتيادي بعدم الذهاب بناء على الوقاية من كورونا".

إن الثقافة الاجتماعية تتطلب المرونة والمغالبة للسلوك الجماعي عندما يتعلق الأمر بالصحة والسلامة والأمن المجتمعي، بحسب الفكي.

شواطئ ما بعد كورونا

حنين للبحر
حنين للبحر

سمحت سلطات العديد من الدول بفتح الشواطئ، لكن على أن يكون استخدامها للسباحة أو الرياضة، دون الجلوس في الشمس أو تناول الطعام في الهواء الطلق أو تنظيم نشاطات جماعية.

ومن بين الإجراءات التي اتخذتها بعض البلدان حظر تواجد من تقل أعمارهم عن 12 سنة وكذلك من تزيد أعمارهم عن 60 سنة على الشواطئ العامة في الإمارات، بالإضافة إلى أنه لن يسمح بتجاوز الرواد لنسبة 30 في المئة من الطاقة الاستيعابية للشاطئ، وفقا لدائرة الخدمات العامة في إمارة رأس الخيمة.

كما تنص المعايير الوقائية على ضرورة ارتداء مرتادي الشواطئ لأقنعة الوجه والقفازات ويحظر التجمع لأكثر من 5 أفراد مع ضرورة ترك مسافة لا تقل عن مترين بين الأشخاص، وعلاوة على ذلك يجب على المرتادين ترك مسافة تباعدية عند ممارسة الرياضة لا تقل عن 6 أقدام كما يحظر التدخين وإشعال النيران والشواء على الشواطئ.

وفي فرنسا فرضت السلطات إجراءات مصاحبة لفتح الشواطئ شملت السماح بالأنشطة الفردية كالسباحة والصيد شرط الالتزام بالتباعد بين الأفراد لكنها حظرت حمامات الشمس والجلوس على الشواطئ لساعات. أما في إسبانيا فقد أوصت وزارة الصحة بالحد من عدد رواد الشواطئ وفرض مسافة بينهم وإبعاد المظلات بفارق أربعة أمتار.

وقالت وزيرة السياحة الإسبانية، رييس ماروتو، “من المهم الإبقاء على التوصيات الصحية، سيتعين علينا الاستمرار بما نقوم به حاليا من غسل لليدين إلى التباعد الاجتماعي… حتى على الشواطئ”.

وفي قبرص  لن يتمكن إلا أفراد الأسرة نفسها من المشاركة في الرياضات المائية. وتستعد كرواتيا التي تصنف شواطئها بمواقع السفر الإلكترونية كأفضل الشواطئ في العالم، للترحيب بالزوار مجددا في الشواطئ “بدون ازدحام"، وفي اليونان تم السماح فقط بدخول 40 شخصا لكل ألف متر مربع.وتسعى إيطاليا بمساعدة التكنولوجيا على إبقاء الفايروس بعيدا، فالمظلات تفتح وتغلق عن طريق جهاز التحكم عن بعد والحمامات مزودة بتكنولوجيا تتيح تعقيمها ذاتيا.

كما لجأت إحدى الشركات في إقليم إميليا رومانيا بشمال إيطاليا، المشهور بشواطئه على الساحل الأدرياتيكي، إلى فكرة للحفاظ على التباعد الاجتماعي على شاطئ البحر، تتمثل في ابتكار صناديق للشاطئ أو حواجز بلاستيكية شفافة ومزودة ببخاخات لرش المطهرات، ليتم تثبيتها حول كراسي الاستلقاء الشاطئية ومظلات الشمس.

وبحسب القواعد الجديدة في البرتغال يتعين أن  يحصل الرواد على كراسي الشاطئ في الصباح وبعد الظهر فقط ولن يسمح بالرياضات الشاطئية لشخصين أو أكثر.

وحث رئيس الوزراء البرتغالي أنطونيو كوستا الجمهور على حيازة تطبيق ليعرفوا منه ما إذا كان الشاطئ المفضل لديهم مليئا أم فيه متسع.

خروج العالم بمشاعر متباينة

الشواطئ تستقبل المصطافين
الشواطئ تستقبل المصطافين

على الرغم من سعي الدول إلى إيجاد حل للتغلب على كورونا هذا الصيف وتأمين الشواطئ، تعتقد الشابة التونسية إيمان مماشة، مختصة في حفظ الصحة والسلامة المهنية، أنه "لا بد من الانتظار قليلا قبل الإقدام على الذهاب إلى الشواطئ، حتى يتبين إن كانت هذه الفضاءات ناقلة للمرض أم لا، لاسيما وأننا تقريبا تمكنا من السيطرة على الوضع".

وأضافت مماشة في حديثها لـ"العرب" أن "الناس في الوقت الحالي وكأنهم يهربون من السجن، الجميع يخرج في ذات الوقت وأغلبهم لا يلتزمون بوضع الكمامات واتباع الإرشادات الوقائية، فالأسواق ووسائل النقل العمومي كلها تعاني من الاكتظاظ لذلك لا بد من الانتظار، وهذا الأمر يتطلب وعيا مجتمعيا وضبطا من قبل الدولة أيضا".

ومع تخفيف القيود وإعادة فتح الشواطئ العامة في أنحاء مختلفة من العالم خلال الشهر الحالي، واستعداد دول أخرى لاتخاذ هذه الخطوة الشهر المقبل، بدأ الكثيرون بالتهافت على الشواطئ ما جعل من الصعب احترام إرشادات التباعد الاجتماعي.

وقال الدكتور التونسي في علم الاجتماع الطيب الطويلي، "عاش التونسيون كغيرهم من شعوب العالم أسابيع طويلة من الحجر والحظر في فترة انتشار وباء كورونا. وقد كان لهذا الوباء تداعيات كبرى على المستوى النفسي والاجتماعي. حيث يفقد الفرد مرتكزاته وعاداته ويدخل في دوامة من الانطوائية تفرضها عليه المناخات الصحية والنفسية السائدة من الخوف من المستقبل والخوف من الآخر حيث يحل التباعد الاجتماعي مكان التقارب ويحل التوجس والريبة مكان التوادد".

وأضاف الطويلي لـ"العرب"، "ومع امتداد هذه الفترة وتعميق تأثيرها النفسي يرتفع حنين الفرد إلى عاداته حتى التي كان يرى أنها من الروتين الممل. كما يعتريه الحنين إلى الفضاءات المفتوحة والطبيعية كالبحر والمناطق الخضراء حتى يعوض عن أسابيع الانغلاق بين جدران المنزل".

وأشار إلى أن التونسي "يرى أن ارتياده للفضاءات المفتوحة لا يشكل خطرا مماثلا للأماكن التي يكثر فيها التقارب الاجتماعي كالمقاهي أو المساجد، فالشواطئ لا يقترب فيها المصطافون من بعضهم كثيرا كما أن البحر له العديد من الفوائد الصحية. وهذا ما يجعل التونسي إذا ما اختار الخروج من محبسه الكوروني الممل فهو يفضل الفضاءات الصحية الطبيعية كالبحر أو الرياضة في السهول وهي النشاطات التي رأينا التونسي يهرع إليها في فترة الحجر الصحي الموجه".

وكانت السلطات التونسية شددت على ضرورة احترام الحظر، إلا أن الكثير من التونسيين اتجهوا صوب الشواطئ هروبا من الحجر المنزلي.

ودفعت الحرارة التي تجاوزت مؤخرا 40 درجة مئوية في غزة، الفلسطينيين إلى الهرب من الحجر الصحي، ومحاولة ترطيب أجسامهم في البحر. كما أن بعض اللبنانيين والمصريين والفلسطينيين استبدلوا قاعات الرياضة المغلقة بشواطئ البحر لاستكمال تدريباتهم الرياضية بعيدا عن الروتين المنزلي.

17