شيء مريع.. شتاء معتدل

الحياة هنا قيمة عليا، لكنها أيضا سلسلة اقتصادية من العرض والطلب والحاجات. الطب مهنة إنسانية، لكنك بالنسبة للطبيب زبون. أنت زبون في العيادة بنفس كونك زبونا في مطعم. أنت زبون في صيدلية مثلما أنت زبون في دكان لبيع الملابس.
الأربعاء 2019/05/15
الشتاء المعتدل يرعى كبار السن ويجنبهم الأزمات الصحية القاتلة

لمن تأخذه العزة بالمكابرة ويرفض أن يتقبل فكرة أن عالمنا اليوم عالم مادي فرعا وأصلا، أحيله إلى بيان صحافي لشركة “كرامة” البريطانية. الشركة متخصصة بدفن الموتى. وقد أصدرت تحذيرا للمستثمرين يشير إلى أن أرباحها لهذا العام ستنخفض بمقدار 42 بالمئة. السبب؟ أن البريطانيين لا يموتون بنفس المعدل المطلوب. كان الشتاء الماضي معتدلا أكثر من اللازم. الشتاء المعتدل يرعى كبار السن ويجنبهم الأزمات الصحية القاتلة. المطلوب أن يموت 580 ألف بريطاني سنويا لكي تبقي الشركة وشركات أخرى مثلها على أرباحها. تراجع المعدل الشتوي للوفيات 12 بالمئة فصارت الشركة ترسل تحذيرات للمستثمرين بتراجع الأرباح.

لا أعرف كيف ستشجع الشركة البريطانيين على الالتزام بالمعدلات السنوية. من الصعب إقناع أحد باستعجال رحيله. لكنها نشطة بالترويج لتجارتها. هناك إعلانات يومية على القنوات التلفزيونية الثانوية (أي تلك التي تبث برامج من السبعينات والثمانينات لأنها أرخص) تفرش الورود لكبار السن وتقنعهم بأن يبدأوا الاستثمار في المثوى الأخير. يمكن أن تدفع مقدما بأقساط ولا تحتاج إلى أن يتكرم أحد بدفع أجور الجنازة والقبر. شيء مريع لكنه يصف الطريقة العملية التي يفكر فيها الغربيون بأنفسهم وأهلهم وكيف ينظرون إلى الحياة. لكنه أيضا شيء مرتبط بالإحصاءات والتعديلات التي يجب أن تجريها الشركات على أعمالها لو مر شتاء بلا إنفلونزا تصيب كبار السن بمقتل.

هذا هو عالم اليوم. عالم إحصاءات. إحصاءات للولادات وإحصاءات للوفيات وأخرى للأدوية وثالثة للسفر وكثيرة لحجم الاستهلاك الغذائي وأخرى وأخرى. هذا لا يعني أن العالم قاس بقدر ما يعني أنه مادي ويفكر بعيدا عن الشكليات. وهذا لا يعني أنه لا أخلاقي، بقدر ما يجعل كل شيء صناعة لاعتبارات يفرضها العصر الحديث. الحياة هنا قيمة عليا، لكنها أيضا سلسلة اقتصادية من العرض والطلب والحاجات. الطب مهنة إنسانية، لكنك بالنسبة للطبيب زبون. أنت زبون في العيادة بنفس كونك زبونا في مطعم. أنت زبون في صيدلية مثلما أنت زبون في دكان لبيع الملابس.

من دون تقبل فكرة أن عالم اليوم هو عالم مادي (ربما كان هكذا دوما)، من الصعب تخيل أن تسير ماكنة الحياة. تحتاج هذه الماكنة إلى إطعام وإسكان وتطبيب وتدريس المليارات من البشر. شركة “كرامة” لها موقعها المهم في هذه الماكنة.

24