صراع إرادات بين مصر وإثيوبيا على وقع تلاشي فرص حل أزمة سد النهضة

مراقبون: أزمة سد النهضة تدخل مسارا وعرا، وتكاد تخرج من الإطار الفني وتدخل إطارا سياسيا دقيقا.
الخميس 2019/10/10
أفق مسدود

القاهرة - أعربت الحكومة المصرية خلال جلسة مفتوحة أمام البرلمان الأربعاء، عن مخاوفها من استمرار النهج الإثيوبي المتصلب في أزمة سد النهضة، وهو “أمر مرفوض وانتهاك صريح لاتفاقية إعلان المبادئ وسيؤدى إلى عواقب سلبية على الاستقرار بالمنطقة”.

وكانت وزارة المياه والري الإثيوبية قد وجهت في وقت سابق الأربعاء، انتقادات لمصر، مؤكدة أن اقتراحها حول تنظيم ملء سد النهضة ودخول طرف رابع على خط المفاوضات الثلاثية يُمثّل “عبورا للخط الأحمر”.

وأخذت التصريحات المتبادلة منحى يقلل من فرص التفاهم أو اللقاء عند نقطة وسط، فكل طرف يتمسك بموقفه، ما يزيد الأمر صعوبة، وينذر بتعطيل المراحل المقبلة من المفاوضات.

ويبدو اللجوء إلى خطاب هجومي من الدولتين سلوكا متعمدا، وينطوي على أهداف سياسية غير معروفة حتى الآن، لكن يمكن تلمس ملامحها من الطريقة الصاخبة التي يتعامل بها كل طرف، وتؤدي إلى عدم استبعاد التنصل من مواصلة المناقشات الفنية، وكأنهما دخلا مرحلة لاختبار الإرادات والعلاقات.

وعكست التصريحات المصرية المتتالية رغبة القاهرة جذب الرأي العام لتشكيل جبهة شعبية تستند عليها الحكومة في موقفها من مفاوضات سد النهضة، بعد أن باءت محاولاتها السابقة بالفشل، وبدت في نظر المواطنين عاجزة عن حل الأزمة.

وتحول إعلان مصر صراحة عن فشل اجتماعات سد النهضة على مستوى وزراء الري والمياه لمصر والسودان وإثيوبيا الذي عقد يومي 4 و5 أكتوبر في الخرطوم، إلى قضية مثلت هاجسا للرأي العام والبرلمان والأحزاب في مصر.

وحاولت إثيوبيا التهدئة في البداية من خلال منح أمل في إمكانية التفاهم، لكنها تمسكت بالقواعد التي حددتها لإدارة الملف، ما زاد من غضب القاهرة.

وشنت وسائل إعلامية محسوبة على الحكومة المصرية هجوما على إثيوبيا، ووصفته بـ “المتعنت والمتأرجح”، وحاولت وضع مسؤولية الإخفاق على عاتقها وحدها.

وطالب رئيس مجلس النواب المصري علي عبدالعال الأربعاء، بوقوف جميع الأطياف خلف الدولة في قضيتها الوطنية لحماية أمن مصر المائي، في إشارة توحي بالنفير العام، وكأن هناك رغبة في عدم التراجع عن طريق التصعيد.

ويقول متابعون، إن توحيد الصف يزيد من صلابة الحكومة في أزمة سد النهضة، على أمل أن يجبر ذلك قوى خارجية على احترام موقفها وتفهم المقترحات الفنية المقدمة إلى أديس أبابا. واتجهت القاهرة إلى التصعيد كسياسة غير مألوفة في تعاملها الإقليمي، وتحاول من خلاله قطع الطريق على ما تعتبره مماطلة إثيوبية، والتمهيد لفكرة تدويل الأزمة مع إبقاء الأمر قيد اهتمام الرأي العام الداخلي.

وانطلقت تلك السياسة مع تكرار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الحديث عن مفاوضات سد النهضة المتعثرة في مناسبات عدة، أهمها في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الشهر الماضي، قائلا “نحن مسؤولين عن أمن مواطنينا.. لن يتم تشغيل السد بفرض الأمر الواقع”.

وتخطط الحكومة الإثيوبية لتشغيل سد النهضة مع بداية العام المقبل، وتوليد 750 ميغاوات من الكهرباء. وتحولت أزمة سد النهضة إلى قضية قومية في كل من مصر وإثيوبيا.

ويرى مراقبون أن القضية دخلت مسارا وعرا، وتكاد تخرج من الإطار الفني وتدخل إطارا سياسيا دقيقا، وهي قد تضمد بعض جراح الحكومة المصرية الداخلية، من ناحية مطالبتها بالوفاء باستحقاقات التنمية سريعا، وإيجاد مشروع يلتف المواطنون بموجبه حول الحكومة لتصحيح الأخطاء في ملف سد النهضة وغيره من الملفات الحرجة.

وتعتمد أديس أبابا على هذا المشروع في تخفيف وطأة خلافاتها الداخلية، حيث تعاني الحكومة من تباين ظاهر بين القوميات المتعددة، ويعد سد النهضة وما يحمله من وعود اقتصادية أحد المحاور التي تفرض الالتفاف حول القيادة السياسية في هذه المرحلة.

وأوضح ماهر شعبان، الأكاديمي في كلية الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة لـ “العرب”، أنه يمكن فهم لجوء إثيوبيا إلى التصعيد في سياق “الرغبة في التشويش على بعض مكونات الأزمة الأصلية المتعلقة برفض كل مقترح فني، ومحاولة وضع الكرة في ملعب مصر لإرباكها، واستنزاف المزيد من الوقت ليصبح السد أمرا واقعا”. وأشار متابعون إلى أن الأزمة أصبحت مفتوحة على كل الاحتمالات، ويمكن استغلالها من قبل قوى تريد التوتر للمنطقة، ما يفرض على الدول التي يعنيها استقرار المنطقة التدخل واحتواء كل التداعيات السلبية.

2