صرخة مدوية لامرأة حرموها من كل شيء

"هي وهن" مسرحية لبنانية تحكي آلام المرأة العربية بإمضاء "مشهور مصطفى".
الاثنين 2019/09/30
عالم المرأة أشبه بسجن

تبقى المرأة وقضاياها من أهم الثيمات الفنية عربيا، حيث ما زالت النساء في العالم العربي في كفاح وصراع صعبين ضد منظومات أبوية تخنق كل تفاصيل حياتهن، ولعل الفن المسرحي من أكثر الفنون التي تصدت لقضايا المرأة العادلة بالصوت والصورة والجسد والفكرة والجمالية والحكايا التي يصل بعضها إلى الخيال من شدة الألم والمعاناة.

دمشق - في حضور عاصف للمرأة تقدم مسرحية “هي وهن”، تأليف مشهور مصطفى وتمثيل مروة قرعوني، مجموعة من الأقاصيص حول القسوة الاجتماعية التي تعاني منها المرأة العربية في مجتمعات تكبل الكثير من حقوقها بتشريعات وممارسات ظالمة وقاهرة.

“هي وهن” مونودراما، قدمت خلال شهر سبتمبر على مسرح القباني بدمشق، وتمثل الحضور المسرحي الثاني للفنانة المسرحية اللبنانية مروة قرعوني بدمشق، بعد عرض أول قدمته منذ سنوات حمل عنوان “تفل قهوة” لاقى في حينه الكثير من القبول لدى الجمهور السوري.

الأم المكلومة

في العرض الثاني لها تتابع قرعوني تقديم ثيمة المرأة بعوالمها الدفينة والظاهرة، من خلال المشاركة مع المسرحي اللبناني المخضرم مشهور مصطفى صاحب الحضور الهام في المسرح اللبناني، خاصة مع عرضه الشهير “أسود ع أبيض” الذي قدم منذ سنوات وحقق من خلاله نجاحا كبيرا.

في العرض الأحدث “هي وهن” تناول موجع لحياة امرأة تعاني من ظروف المعيشة وتبدلاتها والتي تسحقها تحت رحى حياة زوجية لا تقدم  لها إلا المتاعب  والمصاعب، التي توصلها بعد عناء إلى طلب الطلاق، لكنها لا تحصل عليه بل تودع السجن بعد جولات قاهرة في القضاء، ثم تطلب حضانة طفلها شادي، الذي تعد له كنزة صوفية، لكنها تخسر دعواها لتنهار حياتها كليا، إنها أم مفجوعة تتجه إلى المجتمع بصرخة مدوية، رامية بتلك الكنزة إلى أفراد المجتمع ومخاطبة إياهم “طالما أنكم حرمتموني ابني، فاذهبوا إليه بهذه الكنزة”.

المسرحية تناول موجع لحياة امرأة وخيوطها تحاك بنا وحولنا منذ لحظة دخول الشخص إلى المسرح حتى لحظة مغادرته

في النص، ولوج في خطوط درامية لعدة نساء، تتقاطع قصص حيواتهن مع حياة بطلة المسرحية، حيث عانين جميعهن من قسوة المجتمع الذي يتعامل معهن ومع آلامهن بالكثير من الفوقية والإهمال. وفيه تعريج على تهالك السلك القضائي، من خلال لهجة السخرية التي ترد على لسان البطلة في التعريض بالقاضي، الذي لا يكترث بمشكلتها فيسافر حينا ويتجاهل إلحاحها الأمومي تارة أخرى، ويتناسى الاتصال هاتفيا بها بعد أن وعدها بذلك.

 كما يقدم العرض انتقادا للحياة الاجتماعية في كيفية تربية النساءِ بناتَهن، حيث يعلمنهن أفكارا تتعلق بشؤون الطبخ والغسل وإعداد شؤون البيت، في تكريس واضح للنظرة التقليدية للمرأة.

العرض الذي قدم في مسرح المدينة في بيروت سابقا، وأخيرا بدمشق، يحمل العديد من التفاصيل البصرية التي أكدت معاني النص الذي ذهب عميقا في استجلاء كوامن عوالم المرأة. فأوجد حالة سينوغرافيا تمثلت بمجسم ضخم احتل معظم مساحة خشبة المسرح، يمثل نصف كرة حديدية، تدور معظم أحداث المسرحية داخله في إشارة واضحة إلى فكرة السجن، الذي تحاول البطلة مرارا الخروج منه، لكنها سرعان ما تعود إليه، بل إنه يدور حولها محيطا بها في كامل دورة حياتها، لكنها تقف على أحد قضبانه في النهاية وتطلق صيحتها الأخيرة المتحدية للمجتمع والمعبرة عن ألمها. كذلك حضرت باروكات الشعر المعلقة في سقف هذه الكرة كناية عن ضحايا عديدات سابقات عانين المشكلات ذاتها.

وكان ملمحا غريبا وجود ربطات الصوف التي تناثرت في المسرح بدءا من الباب الخارجي، وكأن خيوط هذه المسرحية تحاك بنا وحولنا منذ لحظة دخول الشخص إلى المسرح حتى لحظة مغادرته.

المرأة هاجس فني

وفي استخدام دلالي صوتي مبهر تحضر الأغنية الكلثومية الشهيرة “أروح لمين” في أحد تفاصيل العرض ليحاكي حيرة هذه المرأة المتألمة في تحديد الجهة التي يمكن أن تلجأ إليها في محنتها تلك.

مروة قرعوني قدمت في العرض جهدا كبيرا، وحققت حضورا مسرحيا ملفتا، فعلى مدى زمني يقارب الساعة، وبين قطع الديكور الفقيرة، كانت صاحبة المسؤولية الكبيرة في إيصال مفهوم المسرحية إلى الجمهور. تعالى صوتها حينا وخفت حينا آخر، رقصت حينا وبكت حينا آخر، وصوتت حوارات كل شخصيات المسرحية حتى الذكورية منها (الجد والزوج والقاضي…).

حضور مسرحي ملفت
حضور مسرحي ملفت

في عرضها الجديد تبدو قرعوني صاحبة هاجس فني خاص بها، موضوعه معالجة موضوع المرأة في المجتمع العربي؛ فهي في محاولاتها العديدة المسرحية أو السينمائية، التي قدمتها سابقا، تحمل قضايا المرأة في تجلياتها المختلفة، لتقدمها من خلال إبداعات فنية مختلفة تحمل صياغات جديدة تحاكي واقع المرأة.

 تقول عن ذلك “أحمل هم المرأة معي أين كنت، في مسرحيتي الحالية أقدم العديد من المشكلات، العنف الجسدي والاجتماعي وحضانة الطفل والزواج المبكر والتشريعات وغيرها، هذه القضايا تهمني كامرأة قبل أن تهمني كفنانة، هي مشكلات عميقة في مجتمعاتنا ويجب تسليط الضوء عليها، وهدفنا من المسرحية أن يعلم من هم بعيدون بوجودها أولا، وبمدى الأخطار التي تحملها بترسخها فينا ثانيا، ولا نهدف من خلال هذه المسرحية إلى توجيه أصابع الاتهام لأحد بقدر ما هي صرخة لعرض منظومة من المشاكل العميقة لمختلف شرائح المجتمع”.

في المسرحية تناول للعديد من المشاكل التي تم الحديث عن بعضها بتهكم وسخرية، وتم طرحه من خلال انتهاج ما يسمى بالكوميديا السوداء.

تبين قرعوني في ذلك “النص عميق وإشكالي وفيه الكثير من القسوة والألم، وهو على امتداد زمنه يقدم مواجع أولئك النسوة، لذلك كان لا بد من مساحة نجعل فيها المتلقي مستريحا بعض الشيء، ليلتقط أنفاسه من متابعة تلك المواجع، وهذا ما فعله كاتب ومخرج النص، حيث أوجد هذه المساحات”.

14