صلاح المر سوداني تلهمه الصور لا الواقع

المر ابن ذاكرته البصرية وهي ذاكرة تمزج بين ما هو حسي وما هو روحي. بين ما يُرى وما لا يُرى.
الأحد 2021/05/30
فنان يتنقل بين الحياة الشخصية والفن الخام

أن تكون الحياة الشخصية مصدر إلهام للرسام، ذلك ما تفتقد إليه التجربة الفنية الحديثة في العالم العربي. لا يقترب الرسامون العرب من تلك المنطقة ذات الصلة العميقة بالذات والتي تتميز بحميميتها لأنهم يخشون الانزلاق إلى ثقافة الاعتراف وهي ثقافة ليست مكرسة في المجتمع العربي.

السوداني صلاح المر يفعل العكس تماما حين يعود إلى ماضيه الشخصي ويلتقط منه المشاهد التي تشكل عالمه الفني. بل إنه يمزج بين مفردات تلك المشاهد ليقفز على الحدود التي تفصل بين زمن وآخر فيباغت نفسه ومن ثم متلقي أعماله بزمن أسطوري. ذلك الزمن الذي لا وجود له إلا على سطح اللوحة وبين دروب متاهة خيال الرسام.

العيش بين الصور

رسومه المتأثرة بتجربة الرسام الرائد إبراهيم الصلحي يمكنها أن تشكل امتدادا لمدرسة الخرطوم. وهي تمثل أسلوب حياة تجمع بين ما هو أفريقي وما هو عربي

عاش المر طفولته بين الصور بحكم مهنة أبيه لذلك فإنه يعرف كيف يدخل إليها باعتباره أحد أبطالها. ومنها تعلم أسرار العاطفة التي يمكن أن تُرى من خلال التعبير الإنساني الذي لا ينتمي إلى العالم الخارجي الذي يُرسم بطريقة محايدة كما لو أنه مشهد صامت.

لذلك يجد فتنة في الانتقال الخفيف ما بين ما لا يُرى بل يُشمّ ويُسمع، وبين ما تشكل رؤيته أساسا ضروريا لتأكيد وجوده. في ذلك تحكم الحواس قدرتها على اكتشاف الأشياء والانتقال بها من مرحلة الوهم إلى مرحلة الحقيقة. وبين المرحلتين تكون الأسطورة مؤهلة للعب دور جمالي مدهش.

بالنسبة إلى المر فإن عمال شركة القطن والروائح العطرية للغابة يمكنهما أن يكونا الشيء نفسه على مستوى الإلهام. فعن طريق الرسم يتخطى المر المسافة التي تفصل بين الحواس من جهة وظائفها.

يرسم المر كائناته لا من أجل أن يرينا أشكالها وحسب بل وأيضا من أجل أن يُسمعنا أصواتها. تلك مهمة غاية في الصعوبة ينجزها الفنان عن طريق اللجوء إلى الرسم الخام على طريقة الفرنسي جان دو بوفييه. لا أحد يمكنه أن يفلت من صوته حتى وإن صمت. اما الشكل فيمكن اللعب به عن طريق المرآة أو عن طريق عدسات التصوير.

لذلك فإن ثقة المر بالصورة تنبعث مما تنطوي عليه من أصوات وروائح. لقد عاش الجزء الأساس من حياته في الطبيعة. الكثير من عادات الطبيعة انتقلت إليه من غير أن يدري.

على النهر بين خيوط الحياكة

Thumbnail

ولد المر عام 1966 ودرس الرسم في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالخرطوم. تعددت الأنواع الفنية التي عمل من خلالها على التعبير عن نفسه جماليا. فهو إضافة إلى كونه رساما نحات ومصور فوتوغرافي وصانع أفلام. شارك في تنفيذ  أكثر من 35 كتابا للأطفال نشرت في العالم العربي وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وقد أحرز عددا من الجوائز في ذلك المجال.

وعلى مستوى صناعة الأفلام فقد قام المر بإخراج عدد من الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة وإنتاجها والتي عُرضت في المهرجانات الدولية. وعلى ذلك الصعيد نال جائزة تقديرية خاصة عن فيلمه “طير الجنة” في مهرجان “صور هامة” للأفلام القصيرة في إثيوبيا عام 2010.

أقام أكثر من عشرة معارض شخصية في مدن عربية، كان آخرها القاهرة والشارقة والدوحة، وهو يقول عن نشأته الجمالية الأولى “ولدت في إحدى القرى التي تقع على الضفة الغربية للنيل الأزرق. نشأت مع تصاميم الكروشيه المحيوكة من قبل والدتي. صور لحيوانات وهمية، رجال ونساء في حالة حب، دوائر ومثلثات متشابكة إلى ما لا نهاية مع ألوان لا يمكن لأحد غيري أن يراها. هكذا فتحت عينيّ على العالم”.

كان ذلك العالم مصنوعا بإتقان وكان في الوقت نفسه يفضي إلى الأساطير التي امتلأ بها رأس الفتى من خلال الحكايات التي برع في ما بعد في تحويلها إلى رسوم يمتزج فيها الإنسان بأصوات الكائنات التي تحيط به وروائحها.

الابن الذي ينظر بعيني أبيه

المر يُسمعنا أصوات كائناته
المر يُسمعنا أصوات كائناته

كانت صنائع أمّه المصدر الأول لخياله التصويري. عرف من خلالها أن هناك عالما يمكن العيش فيه بالرغم من أنه لا يقع في المجال المباشر للعيش. ذلك هو العالم الذي يقع هناك. بعد سنوات سيكون عليه أن يكتشف أن الفن هو ذلك الهناك الذي لم يكن قادرا على تسميته حين مشى إليه.

مثلما جذبه الخيال إلى الـ”هناك” شده الواقع إلى الـ”هنا” ولكن قوة الـ”هنا” أخذته هي الأخرى إلى الفن. ومن حسن حظه أنه اكتشف الواقع عن طريق وسيط فني. كانت الصور التي يلتقطها والده هي ذلك الوسيط الذي حمل على عاتقه أن ينقل ويفكك ويفسر الحقائق التي ينطوي عليها.

“ستوديو كمال” كان ملهمه الفني الذي استند إليه في التعرف على حياة لم يعشها. كانت ذاكرته الحياتية والبصرية هناك. يقول المر “نشأت على الصور الفوتوغرافية والنيغاتيف. استلهمت من الصور التي أتذكرها منذ طفولتي صورا متخيلة في رسومي. أليس ملهما أن يعيد الابن خياليا إنتاج الواقع الذي وثّقه الأب بعد أن كان عاشه بطريقة تنتمي إلى الأعصاب أكثر من أن تكون جزءا من حياة محايدة؟“.

المر حين يعود إلى ماضيه الشخصي يلتقط منه المشاهد التي تشكل عالمه الفني. بل إنه يمزج بين مفردات تلك المشاهد ليقفز على الحدود التي تفصل بين زمن وآخر

 ما تعلمه الابن أن يكون رسام بورتريه كما لو أنه يستعيد صور الرجال الذين شغف الوالد بتصويرهم. تلك رسوم لا تعيده إلى الماضي بقدر ما تفتح عينه على جماليات زمن قاس، كان رجاله يقاومون من أجل أن يكون العالم أجمل وأقل قسوة. سيكون عليه دائما أن يحتفي بما عاشه لا بصفته الشخصية بل باعتباره جزءا من عالم لا يزال يملك القدرة على الاحتفال بذاكرته. تلك الذاكرة التي تنطوي على مزيج من الروائح والأصوات والصور. كان معرضه الذي أقامه عام 2018 في متحف الشارقة قد حمل عنوان “الروائح العطرية للغابة والصور“، أما معرضه الذي حمل عنوان “صور لعمال شركة القطن” والذي أقامه في القاهرة عام 2019 فإنه يستحضر واقعة مأساوية كان والده قد وثّق وجوه ضحاياها. لقد استعاد المر تاريخ بلاده من خلال عيني والده.

المر هو ابن ذاكرته البصرية. وهي ذاكرة تمزج بين ما هو حسي وما هو روحي. بين ما يُرى وما لا يُرى. الوقائع مع أصواتها. الأشكال مع أصواتها. وفي ذلك يقول مشيرا إلى مصادر إلهامه “زغاريد النساء، أغاني في سيارات الأجرة، رسومات ملونة بالطباشير البيضاء تركها عابر على الجدران، رسومات غير مكتملة لطفل، امرأة ترتدي ملابس جريئة في الشارع وامرأة تسير بخجل، جلباب مطرز بحرفية أو بشكل عشوائي على الأكمام، ذكريات عالقة في ذهني عندما قدّم السيرك الروسي عروضا لا تُنسى في الحديقة العامة للسكان المحليين. كل ذلك وغيره يحضر أمام قماش أبيض ممدود على الإطار الخشبي”.

لا يزال يقيم هناك. رسومه المتأثرة بتجربة الرسام الرائد إبراهيم الصلحي يمكنها أن تشكل امتدادا لمدرسة الخرطوم. وهي تمثل أسلوب حياة تجمع بين ما هو أفريقي وما هو عربي غير أنها في الأساس تتعمق في إخلاصها للتجربة الشخصية.

يحرص على أن ينظر بعيني الطفل الذي كانه. ذلك الطفل الذي يقف على ضفة النهر متأملا الضفة الأخرى. تلك الضفة التي لم يصوّرها والده. وهي ضفة خياله الذي سينتج حياة على سطوح اللوحات تختلط فيها الحكايات بالوجوه التي لا يمكن نسيانها لأنها صنعت جمالا في لحظ نادرة. رسم صلاح المر من أجل أن يكون سودانيا بطريقته الخاصة.

9